العلاقات بين التشكيلات السياسية والعسكرية في الجنوب   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:05 (مكة المكرمة)، 17:05 (غرينتش)

مقاتلون تابعون لللجيش الشعبي لتحرير السودان أحد فصائل الجنوب المسلحة

بقلم/ محمد شرف الدين عبد الباري

علاقات الفصائل المسلحة
تفاعلات الأحزاب الجنوبية
المشهد في صورته النهائية

على مدى 50 عاما ظلت الانشقاقات والانقسامات هي صبغة الحركة السياسية لجنوب السودان، ما إن يتكون فصيل مسلح أو حزب سياسي حتى يتفتت إلى أرتال من المجموعات المتنافرة، وغالبا ما تنتهي الاختلافات السياسية إلى نزاع مسلح يحصد أرواح الكثيرين، بيد أن المجموعات المتخاصمة تظل مخلصة للاسم الأول للكيان فقط مع الإضافة أو الحذف.


ظاهرة الانقسامات السياسية في جنوب السودان تعود في جزء منها إلى التناحر التاريخي بين مختلف القبائل.. كل ذلك أثر على نحو واضح في شكل الممارسة السياسية في الجنوب وعلاقته بالقوى السياسية في الشمال
ويرجع معظم المراقبين ظاهرة الانقسامات السياسية في جنوب السودان إلى التناحر التاريخي بين مختلف القبائل حول المراعي. كل ذلك أثر على نحو واضح في شكل الممارسة السياسية في الجنوب وعلاقته بالقوى السياسية في الشمال، وهي علاقة مشوبة بالتوترات والخلافات بل الصدامات الدامية.

تفضل جميع الفصائل والأحزاب الجنوبية الآن الوقوف خلف خيار السلام لعدة اعتبارات موزعة بين إنسانية وقبلية وحزبية، وعبرت بوضوح عن دعمها له في أكثر من منبر داخل السودان وخارجه، بما يشي بأنها أدركت ضرورة المرحلة التي تستدعي تجميد الأطروحات المتشددة إلى حين التوصل إلى اتفاق السلام.

فالسلام السوداني المنتظر على أحر من الجمر، خلقت ترتيباته -التي رشحت حتى الآن أو ما يمكن تصورها- مخاوف جمة لدى جماعات وفصائل جنوبية معارضة، بعضها يروج لفكرة أن السلام القادم سيكون سلاما هشا، بينما سلك بعضها الآخر دروب التهديد صراحة بعدم الاعتراف به، لا لسبب إلا أنها لم تشترك فيه، كما يظهر من تصريحاتها المتلاحقة ومما يقرأ بين السطور.

ويحذر المراقبون من مغبة تلك الأصوات، ويعتبرونها خطرا حقيقيا يمكن أن ينسف مشروع السلام بين الحكومة والحركة الشعبية، الذي يجب أن يمر بفترة انتقالية محددة بست سنوات، يعقبها استفتاء حول تقرير المصير لجنوب البلاد بين البقاء في السودان الموحد أوالانفصال.

العلاقة بين الفصائل المسلحة
وفقا للتقديرات غير الرسمية يوجد بالجنوب أكثر من (40) فصيلا مسلحا، تقوم بشكل أساس على المكونات الإثنية وتتفاوت درجات تسليحها.

ففي منطقة بحر الغزال يتمركز لواء السلام الموالي للحكومة بقيادة اللواء النور التوم دلدوم على مساحة (440) ميلا مربعا حول مدينة واو، ويمتد وجوده حتى حدود ولاية جنوب دارفور وأفريقيا الوسطى وتتاخم قواته جنوبا منطقة الزاندي بالاستوائية، ويعتبر اللواء دلدوم من أكثر الرافضين لزعامة جون قرنق للجنوب.

وفي منطقة بانتيو بولاية الوحدة تنتشر قوات دفاع الجنوب بقيادة فاولينو ماتيب وبيتر قاديت، وهما من قبيلة النوير حيث آبار النفط الرئيسية، وهذه القوات انشقت عن قوات رياك مشار، وكانت ضمن القبائل الموقعة على اتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997، وتسود حالة تنافس بين قائدي هذه القوات ماتيب وقاديت التي انتهت في معظم الأحيان بصدامات مسلحة بين أنصارهما، وآخرها حدث في ضاحية الكلاكلة بالخرطوم مطلع العام الحالي.

وفي منطقة كيلو (7) يتمركز بنفس الولاية حركة جيش الجنوب المكونة من قبيلة بل، وهو أيضا انشق عن قوات د.رياك مشار القائد بصفوف الحركة الشعبية الآن.


رغم التباعد والاختلاف أحيانا بين الفصائل الجنوبية المدججة بالسلاح يلاحظ أنها أجلت معظم أجندتها الخاصة في ما يبدو لمرحلة ما بعد توقيع اتفاق السلام بين الحكومة والحركة قبل نهاية العام الحالي
وفي شمال بحر الغزال تتمركز وحدات من لواء السلام بقيادة السلطان عبد الباقي كول وتنتشر قوات الفصيل المتحد الذي يقوده د. لام أكول أجاويد وزير النقل السابق في منطقة بر الشلك بأعالي النيل الذي عاد إلى الحركة الشعبية مجددا بعد أن انشق عنها في منتصف التسعينيات، وهو من أبرز الموقعين على اتفاقية الخرطوم للسلام إلى جانب د. مشار الذي انشق أيضا عن الحركة وعاد إليها مجددا.

ويعاني الفصيل المتحد المؤلف من قبيلة الشلك من صراعات حادة بين لام أكول من جهة وقائديه الميدانيين جيمس أتو وعوض جادو اللذين قررا عزله من جهة، وأشارت بعض أصابع الاتهام إلى الحكومة في الخرطوم بالضلوع في تلك المشكلة.

وفي ولاية شرق الاستوائية تتمركز قوة دفاع الاستوائية بقيادة مارتن كيني بمنطقة توريت، وتتمركز مليشيات التبوسا بالقرب منها في كبويتا بينما تنتشر مليشيات قبيلة المنداري بزعامة كلمنت واني واليا صمويل في منطقة تركاكا شمال مدينة جوبا عاصمة ولاية بحر الجبل، وتعتبر قبائل وأحزاب الاستوائية تاريخيا ذات توجهات تدعو إلى النظام الفدرالي في السودان لاعتقادها أن ذلك يحد من سيطرة قبيلة الدينكا كبرى قبائل الجنوب على مقاليد الحكم في الجنوب، ويعتقد أن الأحزاب الاستوائية كانت تقف وراء قرار الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري الذي قسم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم (الاستوائية- أعالي النيل- بحر الغزال) بدلا من إقليم واحد كما نصت اتفاقية أديس أبابا الموقعة عام 1972 بين الحكومة وحركة الأنانيا، وتعتبر معظم الأحزاب السياسية المنحدرة من الاستوائية المتحالفة مع الحكومة الأكثر رفضا لوثيقة ناكورو، الموقعة بين الحكومة والحركة الشعبية في يوليو/ تموز 2002 الماضي، ظنا منها أن الوثيقة تعطي قرنق حق الانفراد والهيمنة على الجنوب.

العلاقة بين الأحزاب الجنوبية
بدأت معظم قيادات النخبة الجنوبية المثقفة حياتها السياسية داخل الأحزاب السودانية كأحزاب الأمة والاتحادي الديمقراطي والشيوعي السوداني، وبعدما اصطدمت بعقبات تضاربت مع طموحاتها داخل تلك الأحزاب اندفعت إلى تكوين كيانات سياسية خاصة بالجنوبيين.


ينتقد بعض المثقفين الجنوبيين أشكال الممارسة السياسية للأحزاب الجنوبية باعتبار أنها غير متطورة، وما زالت في طور القبلية مهمتها الأولى حماية أبقارها وممارسة الحرب والتناحر مع القبائل الأخرى ولم ترق إلى مستوى التحديات التي تنتظر الجنوب

وانطلقت مسيرة الأحزاب الجنوبية من حزب واحد (حزب الجنوب) الذي شارك في انتخابات 1953، وتطورت إلى ثمانية أحزاب عام 1968، وارتفع عددها إلى أكثر من عشرة أحزاب في آخر انتخابات نيابية عام 1986.

ويلاحظ أنه لم يتكرر حزب من هذه الأحزاب مرتين طوال الانتخابات النيابية الستة التي جرت بين الأعوام 1953-1986، ما يعني أن الأحزاب الجنوبية كانت كالكثبان الصحراوية في تشكل وتنقل مستمرين، وفقا لظروف ومتطلبات المرحلة.

المشهد في صورته النهائية
أدى عامل الوقت والأحداث إلى اندثار العديد من الأحزاب السياسية، وما تبقى منها على قيد التسجيل الرسمي غير فعال، وتعود أسباب ذلك إلى عدة عوامل أهمها:

  • انضمام معظم قادتها للحركة الشعبية لتحرير السودان ومعظمهم من حزب سانو.
  • أو بفعل الانشقاقات والخلافات بين قادتها.
  • وأحيانا بموت مؤسسيها حيث ينتهي الكيان السياسي بانتهاء مراسم دفن المؤسسين، وتلك معطية قوية تؤشر إلى أن الكيانات قائمة أصلا على الكارزمية الشخصية لمؤسسيها.

وأمام كل تلك المشاهد يعتقد المتابعون بدقة للشأن السياسي في جنوب السودان، أن الجبهة الوطنية الأفريقية -المعروفة اختصارا "ANF"- هي الأوفر شعبية وسط الجنوبيين، وظلت هذه الجبهة التي برزت في الجامعات السودانية تبشر بأطروحات الحركة الشعبية وسط الطلاب الجنوبيين خاصة، وتصنف الجبهة بأنها النواة السياسية لحركة جون قرنق التي دشنت أخيرا نشاطها السياسي بالخرطوم أول مرة بصورة لفتت أنظار المراقبين.

وتثبت وثائق الجبهة الموزعة في الخرطوم على نطاق واسع أنها ذات "توجهات وحدوية واضحة متمثلة في تحقيق السودان الجديد الديمقراطي العلماني"، بيد أن الجبهة لم تنج من داء الانقسامات في ما يبدو، فقد انشطرت إلى جناحين أحدهما تابع لبيتر ملونج وآخر بقيادة ين مانيو، ويعتقد أن هذين الجناحين يضمران نوايا انفصالية.

أما جبهة الإنقاذ الديمقراطية (UDF) فهو حزب سياسي مثير للجدل، ويتصف بالتناحر بين قادته وله أنصار في الخرطوم والجنوب، وهذا الفصيل انشق عن قوات د. لام أكول، وشهدت الجبهة أشهر أربعة انقسامات دامية فخرجت منها جبهة الإنقاذ المتحدة بقيادة المهندس مارتن ملوال وزير الطيران ومكوانج دينق وزير دولة بديوان الحكم الاتحادي، وتشكلت أيضا الجبهة الديمقراطية المتحدة بزعامة فاروق جاتكوث، وتصف هذه المجموعة الأولى المشاركة في الحكومة (بالانتهازية) لرفضها الانصياع لقرار الجبهة بالانسحاب من الحكومة احتجاجا على عدم التزام الحكومة باتفاقية الخرطوم للسلام على حد زعمهم، وتكونت أيضا الجبهة الجنوبية المتحدة بقيادة بيتر عبد الرحمن سولي.

ويمكن تصنيف الأحزاب الجنوبية إلى أربع مجموعات تعتنق توجهات ومفاهيم متباعدة بعضها عن بعض، بيد أنها أحزاب تلتف حول حق تقرير المصير للجنوب، وهذه ملاحظة قوية يرصدها المراقبون في الخرطوم.

  1. فالمجموعة الأولى تحتضن أحزابا تجاهر بالعداء للعروبة والإسلام وتتبنى الأطروحات الثقافية الأفريقية، وتراهن على السند الأفريقي خاصة دولتي كينيا وأوغندا، وهي أحزاب مجموعة يوساب وبعض القيادات في الحركة الشعبية.
  2. والمجموعة الثانية ترفع شعارات الديمقراطية والعلمانية في إطار السودان الجديد، وتعتمد على دعم الولايات المتحدة والغرب بالإضافة إلى تحالفاتها مع بعض الأحزاب اليسارية السودانية، وتتصدر هذه الكتلة الحركة الشعبية وأحزاب (ANF) والفصيل المتحد وجبهة الإنقاذ الديمقراطية وبعض زعماء الكنائس والجبهة الديمقراطية المتحدة. وتأتي الحركة الجنوبية الحديثة (MSF) وهي حركة موصوفة بالتشدد وتنشط وسط الطلاب الجنوبيين وتدعو صراحة إلى فصل الجنوب عن الشمال كخيار أوحد. وتقف على مسرح الأحزاب السياسية الجنوبية مجموعة اتحاد الأحزاب الأفريقية (يوساب -USAP)، وهو تكتل يضم في تشكيلته أحزابا جنوبية ومن جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، وتشير حكومة الرئيس عمر البشير بالإصبع الغليظة إلى هذا التكتل باعتباره يلعب من الداخل لعبة "تبادل الأدوار مع الحركة الشعبية"، ويعرف التكتل بأنه المجموعة الجنوبية الأكثر معارضة لحكومة الرئيس البشير، ويرصد أن عددا من قياداتها قد تعرض للاعتقال والاستدعاءات من قبل السلطات في الخرطوم في الفترة الماضية، وأبرز قادتها جوزيف أوكيلو أمينها العام.
  3. أما المجموعة الثالثة فتؤمن بالانفصال كعقيدة راسخة وتعتبره الحل الجذري لمشكلة الشمال والجنوب، وهذه المجموعة تعمل في أطروحاتها على نبش المرارات الماضية وتعتبر أن الشمال العربي امتداد للاستعمار الإنجليزي، وتنظر إلى العرب والمسلمين كتجار رقيق وتتبنى فلسفة الكراهية بين الشمال والجنوب.
  4. وأما المجموعة الرابعة فهي ضيئلة التأثير وتؤمن بإمكانية التعايش وتحقيق الوحدة بين الشمال والجنوب، ومعظم دعاتها من الجنوبيين المنضوين في المؤتمر الوطني وبعض الأحزاب الصغيرة مثل حزب الشعب الديمقراطي.

وينتقد بعض المثقفين الجنوبيين أشكال الممارسة السياسية للأحزاب الجنوبية باعتبار أنها غير متطورة، وما زالت في طور القبلية مهمتها الأولى حماية أبقارها وممارسة الحرب والتناحر مع القبائل الأخرى ولم ترق إلى مستوى التحديات التي تنتظر الجنوب، بقدر ما هي كيانات تتنازعها الولاءات والمعتقدات المحلية.

ويتفق المراقبون في الخرطوم في التنبؤ بأنه من غير المستبعد أن تنفجر الاحتكاكات بين الفصائل المختلفة، ومن شأنها أن تؤدي إلى إجهاض اتفاق السلام القادم، خاصة أنه توجد فصائل قبلية مسلحة تناصب بعضها بعضا العداء المحكم لم تتصل بها لا الحكومة ولا الحركة اللتان فضلتا التعامل مع الفصائل الكبيرة.

رغم التباعد والاختلاف أحيانا بين الفصائل الجنوبية المدججة بالسلاح يلاحظ أنها أجلت معظم أجندتها الخاصة في ما يبدو لمرحلة ما بعد توقيع اتفاق السلام بين الحكومة والحركة قبل نهاية العام الحالي، كما تشير تصريحات الوسطاء في الهيئة الحكومية لمكافحة الجفاف والتصحر "الإيغاد" والولايات المتحدة التي دخلت بقوة في خط السلام السوداني، ومهما يكن من شيء فإن المشهد السياسي للأحزاب الجنوبية يبدو مشحونا بالترقب والحذر لما سيسفر عنه ذلك الاتفاق.
_______________
صحفي سوداني.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة