المملكة والعاصفة… حوار أم قرار؟   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:47 (مكة المكرمة)، 16:47 (غرينتش)

مهنا الحبيل

من المسلم به أن الحوار الذي تعقده بعض الفعاليات الدينية في المملكة العربية السعودية شعيرة وفضيلة إسلامية وإنسانية لكنه ليس كافيا بحد ذاته، خاصة بعد انفجارات الرياض التي اهتزت لها المملكة.


وقبل الاستطراد ينبغي القول إن التغطية الإعلامية لحدث الانفجارات جنحت وبصورة غريبة خارج السياق الذي أتت فيه، حيث اعتمدت على تشديد الإدانة وتركيز الصورة في زاوية أخرى بعيدا عن السبب الحقيقي للحادث. وخلال التعاطي الدولي والمحلي كانت هناك رؤى شديدة الخلط والاضطراب بين جذور الدولة والمجتمع في المملكة وتيار الفكر السلفي وبين خطاب التيار الجهادي الحديث الذي بدأ يتشكل بعد أحداث الحادي عشر من أيلول بصورة جديدة. ورغم وجود مسوغ للتداخلات بين الفكر السلفي والمجتمع السعودي والتيار الجهادي إلا أنه لابد من فرز الحقيقة في هذه التداخلات ووضعها في إطارها الصحيح لفهم الأزمة والحكم عليها، حيث أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره كما هو معروف.


هذا أولا وثانيا -وهو المهم- علاقة هذا الحدث بمستقبل الأوضاع السياسية للدولة وارتباطها بالعمق الدولي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة الأميركية ومشروعها الإستراتيجي للجغرافيا السعودية. وكم يدهشني تصاعد حديث الحوار وضرورته وأنا أشاهد أموالا سعودية ضخمة تنفق على الآلة الإعلامية هنا وهناك دون مساحة تذكر لتحليل واقعي ذي مصداقية وغيرة حقيقية على مستقبل البلاد، في حملة هستيرية لخطاب تجريمي يأخذ برأي الأميركيين تارة وبنظريات الفكر الماركسي تارة ثانية وتارة ثالثة في توظيف خطاب ديني لنقض ذاته بذاته بعد تغييب الفكر الإسلامي الشمولي الحقيقي.


هوية الدولة الدينية بين الطائفية والإسلام


أنموذج التدين السعودي لم يكن عائقا أمام مصالح الولايات المتحدة

الأمير
بندر بن سلطان

تعد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ركيزة التأسيس للدولة السعودية الأولى وكذلك الدولة الحديثة، بل إن قيام الدولة يعد برنامجا للجناح السياسي لدعوة الشيخ السلفية. لكن هذه السلفية التي نتحدث عنها ليست هي التيار العلمي السلفي الذي مثلته الحركة العلمية لفريق من مدرسة أهل الحديث وبعض الحنابلة المتقدمين وغيرهم في القرون السابقة، إنما أضحت هذه الدولة ذات بعد أيديولوجي جديد في تاريخ الأمة ومصبها الكبير المتمثل بأهل السنة والجماعة، وإن كانت تشترك مع السلفية العلمية التي بقيت جزءا من الأمة ومن محيطها الفكري لم تعزل نفسها عنه أو تتخذ من باقي المحيط السني حالة خصام. وهو ما سنعرض له في تحليلنا لعلاقة دعوة الشيخ رحمه الله بالحكم السياسي والفكرة الأيديولوجية التابعة له.


قامت دعوة الشيخ على أساس أن حالة الأمة في شبه ردة جماعية عن الإسلام -حسب معتقدات الشيخ- وذلك لما رآه من تجاوزات كان بها نسبة حقيقية من الانحراف الذي طرأ عليها في زمن الانحطاط، لكنه لم يكن بحجم الصورة التي رسمها الشيخ ومنسوبو مدرسته لحال الأمة. ونحن لسنا في هذا المقال في معرض المناقشة الشاملة لدعوة الشيخ سلبا وإيجابا ومساهمتها في اليقظة الفكرية للمسلمين، ولكننا نعرض لجانب فكري مهم ارتبط بتاريخ وفكر المجتمع حتى هذا الزمان وشارك الدولة منذ ذلك الحين الحكم.


عندما تقلب صفحات كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد للشيخ ابن بشر وهو الكتاب المعترف به رسميا لتوثيق التاريخ السعودي في الدور الأول والثاني، تجده يطفح بعبارات الردة والتكفير بل يعتبر الجيش السعودي الأول هو جيش الإسلام الذي يفتح البلدان الكافرة حيث يعنون بشكل مستمر بقوله "ودخل المسلمون" و"غزا المسلمون ". وهكذا كان تأسيس الدولة على هذا المبدأ والمعتقد، وعلى إثر هذا المبدأ العقائدي تم تأسيس الدولة الثالثة عن طريق الملك عبد العزيز رحمه الله. ومن شواهد هذا المفهوم دخول الأحساء تحت ولاية الدولة الجديدة، ففي قصيدة محمد بن عثيمين شاعر الملك عبد العزيز يصرح بهذا المفهوم التكفيري ومعيرا أهالي الأحساء بأنهم كانوا تحت ولاية السلطان عبد الحميد رحمه الله والخلافة العثمانية الإسلامية فيقول:
فتح به أضحت الأحساء طاهرة ... من رجسها وهي فيما مر كالجنب


ثم يصف العثمانيين بالروم ويقول:
روم تحكم فيكم أمر ذي سفه ... تحكيم معتقد التثليث والصلب


أصبحت هذه الفكرة أساسا رئيسا في صياغة الدولة الجديدة، وحيث أن المبدأ قام لمواجهة ردة العالم الإسلامي أو ضلاله بناء على تضليل أو تكفير المدارس العقدية والفقهية الأبرز لأهل السنة كالأشاعرة والماتوريدية وغيرهم، وهي مصطلحات نسبت لمن تولّى الرد والدفاع عن معتقدات أهل السنة بعد تسلل الفلسفة اليونانية إلى حواضر المسلمين. فقامت حركة علمية تناقش هذه الأفكار وتصحح ما علق بالمسلمين منها، فنسبت إلى أصحابها وتداولها المسلمون جيلا بعد جيل وأصبحوا يتصفون بها في طبقات المذاهب السنية. وبغض النظر عن صواب هذه المدرسة من تلك في مسائل الشريعة، كان خطاب الدعوة السعودية حادا تجاه هذه المدارس السنية ويستهدفها بشكل رئيس، بل وفي أدبياتهم يرون أن محاربة هذه المدارس التي تمثل أكثر من 90% من العالم الإسلامي السني ويعود إليها كل تاريخ الأمة وجهادها وحضارتها العلمية هي أولى من محاربة اليهود والنصارى، كما جاء في بعض الكتب وفقا لأن هؤلاء ينسبون للمسلمين وأولئك معروف فكرهم في دائرة أهل الكتاب.



ضخت السعودية مئات الملايين من الدولارات بل المليارات لمحاربة الإسلاميين الذين يؤمنون بشمولية الفكرة الإسلامية وبقية أتباع المذاهب السنية الأخرى وهو ما خدم إستراتيجيا مصالح الولايات المتحدة

لذا ورغم تحديث الدولة إلا أن هذه الفكرة حظيت بدعم رسمي كبير ورعاية مطلقة، كانت تضرب في المجتمع السعودي وتعززها لا على أساس الدين الإسلامي حسب ما يعتقده أهل السنة والجماعة بل على أساس الولاء الطائفي والاعتناق الأيديولوجي للفكرة، فانحسر التمثيل الإسلامي في أبناء الطائفة وأقصي أهل العلم الشرعي في باقي مناطق المملكة وخاصة في الأحساء وحاضرة الحجاز عن كل ما يمكنهم من المشاركة في التعليم أو الدعوة لأمور دينهم الحنيف. وبقيت الدائرة تسمح لمن هو خارج المحيط الإقليمي بشرط أن يثبت صحة ولائه الطائفي، مع فسح المجال لفريق من الليبراليين في التشريع والإعلام خاصة المؤسس والمدعوم في الخارج لعرض فكره ومواجهة خصومه في حين يبقى التوازن لدى الدولة وتقديرها.


وبقي هذا المفهوم موجودا بقوة في عمق ضمير هذه المجموعة حتى هذه الفترة التي نعيشها، رغم بروز دعوات جادة للمراجعة أخيرا في أوساط الحركة السلفية في إقليم نجد معقل الدعوة لكنها بقية مترددة في الإقدام والاعتراف بحجم الكارثة التي مثلها هذا الفهم.


هذا الفكر والشحن الأيديولوجي ولد إشغالا كبيرا للدعوة الطائفية في الداخل والخارج مقابل عدم معارضة أو مواجهة مشروع الشراكة السعودية الأميركية، وهو ما أشار إليه الأمير بندر بن سلطان أكثر من مرة في ذكره أن أنموذج التدين السعودي لم يكن عائقا أمام مصالح الولايات المتحدة، وهذا صحيح تماما حيث أن هذا الفكر ضمن للولايات المتحدة تأمين مصالحها تحت فكرة دينية أثني عليها في المصادر الأميركية في ذلك الزمن.

وفي نفس الوقت ضخت مئات الملايين من الدولارات بل المليارات التي أنفقت لمحاربة أبناء الفكر الإسلامي الشمولي ومنسوبي المذاهب السنية الأخرى، وهو ما خدم إستراتيجيا مصالح الولايات المتحدة لأن الفكر الإسلامي الحر وارتباطه بجماهير أهل السنة كان يحمل موقفا معارضا واضحا تجاه المشاريع الاستعمارية في العالم الإسلامي التي يقودها الغرب، فكانت مواجهتهم عبر الفكرة الطائفية التي تنتسب للعقيدة الصحيحة حسب اعتقاد الفكر السلفي السعودي برنامجا مساعدا للمعسكر الغربي في تنفيذ برامجه، وأصبح هذا الفكر عائقا لتوحيد التصور الإسلامي في مواجهة التحديات.


هذه الروح والممارسات عبر الزمن كرست الكراهية والشك بين أبناء الوطن بل والاتجاه الإسلامي نفسه، وأصبحت معايير التمييز والعنصرية هي التي تشارك في توزيع الوظائف والمهام الإدارية في كثير من المجالات خاصة قطاع القضاء والتعليم، وأصبح الناس يواجهون وصاية طائفية وإقليمية داخل مناطقهم وليس في الوظائف العامة فحسب، فتمزقت الوحدة الوطنية التي كانت في الأصل واهية المعالم.

السلفية الجهادية


برز الخلاف حدته بين السلفية السعودية والسلفية الجهادية بعد مرور عام على أحداث 11 أيلول وبدا أن الشيخ أسامة بن لادن قرر المفاصلة بينه وبين السلفية السعودية فأعلن عن ذلك في رسالته الأخيرة

السلفية الجهادية هي حالة تحالف واندماج فكري تكونت حين اندفع أعداد من الشباب السعودي لتبني برامج المقاومة في مناطق عدة من بلاد المسلمين التي تعرضت لعدوان أو استعمار، فكان غالبية هؤلاء الشباب في بنيتهم الفكرية يتبنون المدرسة السلفية السعودية. غير أن الدعوة السعودية لم تكن تتبنى منهج المقاومة بل وحتى الدعم لها لاعتبار أن هذه الشعوب في أصلها ليست على العقيدة الصحيحة ومشكوك في سلامة إسلامهم وفقا لكتب العقيدة التي تدرس. لكن حماس هؤلاء الشباب وحميتهم لدينهم خاصة أنهم ينتسبون لأرض الحرمين ومجتمعات عريقة في روحها العربية الإسلامية قررت دخول المعركة لكن في استقلال عن أهل البلاد أو على الأقل تميز عنهم للاعتبار العقدي الذي يحملونه، وهو ما يفسر معسكرات الشباب العرب في أفغانستان وبعد ذلك في طاجيكستان والشيشان وغيرها. وهو ما سبب أزمة كبيرة وأثر سلبياً في وحدة الصف وصلابة المقاومة لدى أهل البلاد والقدرة على تنظيم قضيتهم بتقديراتهم الوطنية وفقاً للمصلحة الإسلامية العليا.


هذه السلفية حظيت بتعاطف كبير في البداية من مشايخ السلفية السعودية ودعم واسع، كون الحرب ذات بعدين. البعد الأول هو مقاومة المستعمر الأجنبي، وهذا ما يقوم به هؤلاء الشباب في حماس وفداء وتضحية وهم ينسبون إلى الفكر السلفي وهو ما يعزز انتشار الفكر. وفي نفس الوقت يقومون بمقاومة المذاهب الإسلامية السنية التي ناضلت الدعوة السعودية في سبيل محوها محواً تاماً، ويبشرون بإنشاء جيل جديد يؤمن بالفكر الأيديولوجي لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.


واستمر هذا الوضع في السياق نفسه مع فتور طرأ عليه حتى جاء زلزال 11 أيلول وتبني الشيخ أسامة الحرب العلنية على الولايات المتحدة، فلم يعد هناك مجال لهذا التعاون ولا التراخي ولو فكريا حيث ثار الوحش الأميركي على أصدقائه وأعدائه وانقلبت صورة الرضا أو التغاضي عن أنموذج التدين السعودي إلى حنق شديد ورغبة في الانتقام. وكان التيار السلفي الجهادي في طليعة الأهداف، فانكفأت الصورة وبدا المشهد يظهر أزمة التفكير وأصوله التاريخية هنا وهناك، وبرز الخلاف في حدته بين السلفية السعودية والسلفية الجهادية. وبعد مرور عام على أحداث 11 أيلول بدا أن الشيخ أسامة قرر المفاصلة بينه وبين السلفية السعودية، وهو ما أعلن عنه في رسالته الأخيرة.


التيار الجهادي

بعد أحداث 11 أيلول برزت قيم جديدة في فكر المقاومة لدى العالم الإسلامي، أولى قواعده هي الإجماع على تحديد العدو الإستراتيجي حسب فكر هذا التيار وقناعة شعوب العالم الإسلامي وهو التحالف الأميركي الإسرائيلي.


هذا الفكر الوحدوي يعتبر أن الأمة الإسلامية وعماد صلبها أهل السنة والجماعة أمة موحدة ذات ثوابت وأصول واحدة وإن اختلفت أطيافهم ومذاهبهم، وبدا هذا الفكر يشكل قاعدة واسعة عريضة تؤمن بفكرها إيماناً عميقاً وإصراراً حديدياً، وليس لها صفات محددة تستطيع أن تحصرها قوى المخابرات المحلية أو الدولية تجاوزت فيه الحدود الإقليمية والمصالح الفئوية وحتى نظريات الأحزاب الإسلامية التي لم تشارك في معركة المقاومة.


وهو فكر يزداد بصورة مطردة ويتوسع حتى مع حالات القمع الأمني، ليس محصوراً في طائفة المتدينين فحسب بل يظهر فجأة في كل ناحية. وليس بالضرورة في وجهة نظري أن يكون هذا التيار مرتبطا ارتباطا عضويا ولكنه يشترك في الهدف حتى دون معرفة المجموعات هنا وهناك أو تواصلها، وهو مشروع يبدو أنه يحظى بتأييد الغالبية الساحقة من أبناء المسلمين.


ثم ماذا بعد.. ؟


السؤال الذي يطرح نفسه بعد تفجيرات الرياض هو هل كان المنفذون يدركون أن العملية كانت مناسبة لبرنامج الولايات المتحدة الإستراتيجي وأنها عززت مواقعه؟

ليس بمقدوري تحديد هل انفجارات الرياض هي وقف لبرنامج السلفية الجهادية أم التيار الجهادي، فهناك اشتراك نسبي في الفكر غير أن الأهداف المدنية لا تحظى بقبول جمهور التيار الجهادي في تقديري. لكن المؤكد أن الحادث يأتي بالدرجة الأولى في سياق المعركة مع الولايات المتحدة الأميركية، وإن من المغالطة إغفال السبب الرئيسي وراء الانفجار ولن يجدي ذلك في معالجته.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه أيضا: هل كان المنفذون يدركون أن العملية كانت مناسبة لبرنامج الولايات المتحدة الإستراتيجي وأنها عززت مواقعه؟ وأن نقل المعركة من مواقع التأثير والاستنزاف إلى عمق المجتمع المدني كما حصل في الرياض والرباط يخالف المنهجية التي اتخذها التيار الجهادي في أدبياته المنشورة على الإنترنت (مشروع ضرب رأس الأفعى).


تفاعلات الحادث داخليا

أبرز الحادث بشكل كبير تحالفا خطيرا في الواقع السعودي وهو التحالف الذي يجمع بين التيار الانفصالي للشيعة الحركيين المرتبط بإيران (وحديثنا هنا خارج عن الشيعة كطائفة ذات حقوق وطنية كاملة) والاتجاه العلماني الاستئصالي المتطرف لاستثمار أجواء الحادث، وكلا الفريقين يتطابق في برنامجه مرحليا مع مصلحة الولايات المتحدة ومشروعها والتي كانت على تواصل ساخن مع هذا البرنامج رغم وجود تباينات بين هذه الأطراف مع الإستراتيجية النهائية لمعسكر الصقور في واشنطن.


فبالنسبة للتيار الانفصالي بدأ التناغم شديدا مع الولايات المتحدة في شأن طرح قضية التركيبة السكانية لإقليم الأحساء وتهيئة الصورة لأنموذج الحكيم ومجموعته الذي طبق في العراق ليكون مرتكزا للتدخل. وإن كان من السخرية أن يصل الخداع إلى حد تغيير التركيبة السكانية للمنطقة، وهو معروف مبدئياً إضافة لإحصاء 1411- 1412 بعد إسقاطه على أحياء وقرى المنطقة والذي بين أن أهل السنة في الإقليم يمثلون الغالبية وأكثر من 60% (وقصة الإقليم وتاريخه نعرض لها في موضع آخر ليس هذا مقامه). ولكن يبدو أن هذه النسبة لم تناسب كلا الفريقين، فبرزت إحصائية أخرى في مناقشات الكونغرس عبر الملفات التي طرحها التيار الانفصالي، وتتناغم مع دراسة مؤسسة راند صاحبة مشروع التقسيم لكون هذه المعلومات مناسبة لمبررات الانفصال الكلي أو الضمني. وحين يصل الأمر إلى حد إلغاء وجود أهل السنة أو تحجيمهم في إحصائيات الفريقين، ومع انعكاسات أوضاع أهل السنة في العراق وتجربتهم مع المحتل وتيار الإقصاء لدى الشيعة تظهر خطورة ما يؤسس للمستقبل.


وعلى صعيد التيار العلماني المتطرف، فالخطاب الذي برز بعد الحادث يسعى إلى استثمار الأحداث لتوجيهها نحو الفكرة الدينية التي قامت عليها الدولة في مواجهة الدين نفسه وليس معارضة للصورة المذهبية الطائفية فحسب، وهو ما يقود إلى كسر الرحى بدل إصلاحها وبالتالي تهيئة الأوضاع لمشروع تغريبي شامل.


ولعل بروز مطالبات تصل إلى إحراق كتب السنة النبوية التي تخالف الشرائع الدولية في الإعلام المحلي تبين خطورة هذا التصور ومنهجيته، وإن كان بعض الإسلاميين من ذوي الانتماء الطائفي يتحملون جزءا من المسؤولية في هذا البرنامج للصورة القاتمة التي قدموها لمخالفيهم.


هذه المخاطر ليست تصورات مبنية على متابعة الإعلام والتحليلات بل تنطلق من متابعة دقيقة للواقع المحلي وصراع تياراته وخطورة الموقف. وهو استهداف المملكة في وحدتها القومية ومرجعيتها الإسلامية، وهي الكارثة الحقيقية على الأمة. فهل هناك أمل في الحل.. ؟

الحل


الإصلاح السياسي الداخلي الجريء والفعال يجب أن ينطلق عبر برامج ملموسة تعالج إحباط الناس الذين بدؤوا يتندرون على وعود الدولة في خطاب الرؤية لعدم بروز أي شكل من أشكال التقدم في حقوق المواطن ومعيشته وتوسيع دائرة الحرية الراشدة

حين أسعى لتبيين هذه الحقائق فلست على الحياد مع ما يواجهه الوطن من خلال مشروع الاستعمار الجديد. ومهما اختلفنا في أصول ونظريات وأحداث قيام هذه الدولة وممارسات حكومتها، إلا أنني بكل وضوح أدين بالعمل على حمايته ووحدته ووحدة الصف فيه. لكن هذا لا يتم بخلق جو من الأكاذيب والمهاترات تخفي الحقائق وتغطي العلل، ويكفي في دروس العراق أنموذجا مروعا للإعلام الكاذب. والحل يكمن رغم صعوبته في ثلاثة محاور:


المحور الأمني: ويقوم على تحييد الدولة بشكل تام في معركة التيار الجهادي مع المشروع الأميركي، وذلك عبر الإنهاء التام والكلي والفعلي لأي شكل من أشكال الوجود العسكري الأجنبي. وفضلا عن أن هذا الأمر مبدأ إسلامي واجب التنفيذ، فإنه في ذات الوقت ليس من العقل أن نضحي بأمننا وأبنائنا في سبيل أمن الأميركيين وهو ما تريده الولايات المتحدة اتقاء لضربات التيار الجهادي عبر مشروع الغطاء الإقليمي الذي تستخدم الدول الإقليمية فيه. ورفض هذه الحالة الخطيرة حجة قوية لمن أراد أن يحفظ أمن بلده وشعبه وهو ما يكفل أساسا لتضامن حقيقي وقوي بين الشعب والحاكم، إضافة إلى أن واقع الولايات المتحدة العدواني تجاه المنطقة واشتعال المقاومة في العراق الذي ظهر جليا مع التأييد المتزايد من الأميركيين للإرهاب الإسرائيلي المنظم لن يكفل الاستقرار بل سيولد المزيد من التحفز وردود الأفعال العشوائية ستطول البلاد مرة أخرى، في حين تؤمن الولايات المتحدة أجندتها على حساب المملكة.


فالمعاملة الأمنية الحذرة والتحفظ على عناصر التيار في سلوك لا يحفزهم على الانتقام أو يدفع رفقاءهم على توسيع دائرة الصراع وتفجير الأوضاع بشكل يخرج عن السيطرة الكاملة، والضحية هي الشعب والدولة على حد سواء. وهناك مسؤولية كبيرة على أبناء التيار الجهادي أمام الله وأمام الناس فيما يخصهم من مسؤولية عن هذه الأحداث واستغلال العدو لها، عبر دفع المعركة لأفراد المجتمع المدني وتوسيع دائرة التكفير واستباحة الدماء. إن إدراك الطرفين لهذه الحقيقة سيؤمن العمل على نزع فتيل الكارثة ونقل المعركة خارج حدود الدولة، وهو ما لا تملك المملكة أدنى مسؤولية عنه في حرب شنها الأميركيون أنفسهم، ولا تملك أي دولة ضمان عدم مشاركة أي من بنيها في حرب لم تقرر خوضها. إن احتمال الضغوط وحسن إدارة الأزمة هو السبيل الوحيد لعدم استنزاف البلد في معركة لا تعرف نهايتها ولا تملك قرارها.


المحور السياسي: الإصلاح السياسي الداخلي الجريء والفعال يجب أن ينطلق عبر برامج ملموسة تعالج إحباط الناس الذين بدؤوا يتندرون على وعود الدولة في خطاب الرؤية، لعدم بروز أي شكل من أشكال التقدم في حقوق المواطن ومعيشته وتوسيع دائرة الحرية الراشدة.


إن وجود تيار عريض واسع يشكل الغالبية العظمى من أبناء الشعب التي تؤمن بمرجعية الإسلام الدستورية الكاملة والحفاظ على مكتسباته، مع معالجة التمييز وإعادة الاعتبار لمن طاولته حركة الإقصاء والإلغاء، يؤسس لبناء المنهج الإسلامي المنشود الذي يحافظ على حريات الناس ويدعمها ويوسعها بدعم قيم العدل والتسامح ويحفظ حقوق الناس وينتزع مظالمهم لا أن يفرض عليهم وصاية طائفية وإقليمية تزدريهم وتحاربهم.


هذا التيار الكبير الذي يشارك فيه الإسلاميون وهم الشريحة الأوسع والقوى الوطنية المعتدلة بمختلف انتماءاتها مع مشاركة التيار السلفي الوسطي بفعالية كبيرة، لتوازن التمثيل وطمأنة البعد الإقليمي والمذهبي الذي يمثله لمراعاة عصبية الدولة التي قامت عليها، مع معالجة الفكر الإقصائي لدى الجميع، سيعزز الانطلاق إلى سماء الإصلاح والتطوير في أفقه الواسع ويساهم بشكل رئيس في الحل.


المحور الاقتصادي: لن تجدي معالجة هذه الحالة البائسة للشعب عبر حوارات تفرز حوارات ما لم تكن هناك قرارات حقيقية لديها قدرة فاعلة في إيقاف التعدي على المال العام وتوزيع الثروة، وهذا لا يحتاج إلا إلى قرار نافذ خاصة الإقليم المحروم منها والمستهدف بالتقسيم "الأحساء" والذي تصدر من جوفه ثروته وتلغى تنميته وهذا حق إسلامي ووطني طبيعي.


وهنا تطرح مجددا قضية الدين العام وهو ما أعتقد أن تحصر مسؤوليته في مجلس الأسرة المالكة للقيام بسداده خارج الميزانية العامة وحقوق الشعب المالية، وإن كانت هناك تضحية كبيرة فإن استحضار دعوة الأمير سعود الفيصل للرئيس العراقي بالتضحية حري أن يؤخذ بها في الجانب المالي، والمقابل هنا مصلحة الدولة ووحدتها الإسلامية والوطنية، فالعدل أساس الملك.

_______________
كاتب سعودي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة