الإعلام العربي بعد 11 سبتمبر   
الجمعة 1427/8/15 هـ - الموافق 8/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:27 (مكة المكرمة)، 10:27 (غرينتش)
 
 
يشكل مفهوم الظلم أداة ملائمة لتحليل علاقة الولايات المتحدة مع العرب بعد حوادث 11 سبتمبر/ أيلول. وينقل روبرت د. كابلان 1 عن إلياس كانتِّي CANETTI، وهو يهودي بلغاري فاز بجائزة نوبل عام 1960، أن تعريف مفهوم "الظلم، يتضمن : السرية، الوحشية، رد الفعل السريع، الحق في الاستجواب، الحق في المطالبة بالأجوبة، الحق في الحكم والإدانة، والحق في العفو وإظهار الرحمة".
 

الخطاب الإعلامي العربي والمواكبة

منذ حوادث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 حتى العدوان الصهيوني- الأميركي على لبنان عام 2006، أضحت هذه "المكونات" جوهر السياسة الخارجية الأميركية في فلسطين والعراق ولبنان، وفي سوريا المصنفة ضمن "محور الشر"2. ولا يعني هذا الحصر، استثناء أو "تحرر" بقية الدول العربية من ربقة "الظلم" الأميركي.

"
ظل خطاب الإعلام التلفزيوني العربي خلال الحرب على لبنان مفككا محدودا حينا، أو إخباريا وإطلاعا أحيانا، وكان خاويا محبطا في أحايين أخرى
"
إن واقع العلاقة العربية/الأميركية طيلة السنوات الخمس الماضية، يطرح أسئلة عن كيفية مواكبة الخطاب الإعلامي العربي لتحولات هذه العلاقة، ومدى تحمله مسؤولية مقاومة "الظلم" الإعلامي الأميركي. فالمنظومة الأيديولوجية- التكنولوجية التي تمارس هذا "الظلم"، هدفها سلب المواطن العربي وعيه السياسي النقدي، وحمله على الإذعان، وتشريع اللامساواة في العلاقات الدولية3.

يمكن أن يكون عدد المحطات التلفزيونية العربية أو الناطقة بالعربية، قد تخطى الـ100 محطة منذ حوادث 11 سبتمبر/ أيلول 2001. ويؤشر "تضخم" القطاع التلفزيوني إلى نمو قطاع الإعلام العربي أو الناطق بالعربية، وتطور أدواته التكنولوجية وتوسع موارده البشرية والمالية، وذلك في فترة لا تتعدى خمس سنوات.

ويمتد هذا النمو السريع في الإنتاج الإعلامي العربي، ليشمل الصحافة المقروءة والمسموعة والنشر المكتوب والنشر الافتراضي. وهذا النمو هو ثمرة تطور تكنولوجيا المواصلات والاتصالات والتصوير والطباعة. وبما أن هذا النمو هو أيضا جزء من عملية نشوء الفضاء الإلكتروني المعلوماتي Cyberspace العالمي، فإنه يطرح مسؤوليات سياسية وأخلاقية على العاملين في الحقل الإعلامي العربي تتعدى المسؤوليات المهنية البحتة.

فالفضاء الجديد يشكل الأساس المادي الموضوعي لتطور عمليات العولمة في مجالات الاقتصاد والاجتماع والثقافة والإعلام4. وفي هذا الأساس تكمن عناصر "الظلم" الأميركي، خاصة مفهوم المحافظين الجدد عن "الهيمنة بواسطة التكنولوجيا". وكما يقول ريتشارد درايتون، أستاذ التاريخ في جامعة كامبريدج، فإن "الحرب على العراق، [وكذلك الحروب الصهيونية- الأميركية الجارية في فلسطين ولبنان] أوضحت أن صلف السياسات الجيوإستراتيجية الإمبريالية يلهم فلسفة الدولة المهيمنة بالقوة العسكرية والتكنولوجية"5 التي يعتنقها الظلاميون الأميركان.

مرارة وقسوة هذا "الصلف" الأميركي أحس به العرب مرات كثيرة، أقربها كانت خلال العدوان الصهيوني- الأميركي على لبنان بين 12 يوليو/ تموز و14 أغسطس/ آب الماضيين. وإذا أردنا أن نقدم "انطباعا" عاما عن أداء المنظومة التلفزيونية العربية في مواجهة هذا العدوان الصهيوني، فيمكن القول إن هذا الأداء قد حمل للمشاهد العربي خطابا إعلاميا مفككا محدودا حينا أو إخباريا وإطلاعا أحيانا، لكنه كان خاويا محبطا في أحايين أخرى.

لقد خرجت عن هذا الأداء، بحسب مراقبتي اليومية، محطات "مسيسة" مثل "المنار" و"الجزيرة" و"السورية"، وقلة قليلة جدا. لكن الخطاب الإعلامي العربي خلال فترة العدوان على لبنان كان فارغا إجمالا من الشحنة النفسية- الأيديولوجية المتينة التي يتسم بها خطاب "الظلم" الأميركي.

إن تقييم مضمون الخطاب الإعلامي العربي يجب أن يكون بمعيار قدرته على الاستجابة للتحدي السياسي والأخلاقي الذي تثيره السياسة الظلامية للمحافظين الجدد. وهذا المعيار يستند إلى قوة المنظومة الإعلامية في الحياة الاجتماعية المعاصرة. وحسب CAPLAN كابلان فإن "أجهزة الإعلام لها سلطة سياسية أصيلة تتعاظم بالتقدم التكنولوجي... وهي سلطة فعلية وليست افتراضية6.

إن معنى "الأصالة" في إنتاج الخطاب الإعلامي العربي، يتعدى بكثير مفهوم الاحتراف المهني الضيق. يقول علي الحديثي مدير محطة MBC إن رسالة وسائل الإعلام "أن تكون حيادية في نقل الصورة والكلمة" إلى المشاهد7 فما معنى الحيادية أمام "الظلم" الأميركي سوى فتور، ووهن الرسالة الإعلامية في أحسن الأحوال، أو الخضوع للإملاءات الحكومية، أو لرغبات مالكي وسائل الإعلام الخاصة8، الذين يحسبون ألف حساب قبل أن يرموا "الظالم" الغريب بكلمة.

الإعلام العربي وأزمة المصطلحات

لقد شهدنا منذ بداية التسعينيات "انقلابا" ملموسا في مفردات الخطاب الإعلامي العربي، لم تقتصر الذرائع بل الأسباب على الحيادية والموضوعية وغيرها من العناصر اللازمة لتوفير الأمانة المهنية. كان الظفر الأميركي في الحرب الباردة هو الذي حرك هذا الانقلاب. أصبح الإعلام العربي "ملتزما" -بكل معنى الكلمة- بمفردات ذات مدلول أيديولوجي/سياسي تعبر عن الخضوع للقيود الأيديولوجية والسياسية الأميركية.

"
يبلغ البؤس في مفاهيم الخطاب الإعلامي العربي ذروته، عندما تتخم نشرات الأخبار بمفردات "إخبارية" تساوي الظالم بالمظلوم، والقاتل بالقتيل، والمجرم بالبريء
"
وبما أن "إسرائيل" تشكل "مصلحة حيوية أميركية" فقد تخلى الإعلام العربي عن الخطاب "الخشبي" القديم، الذي حملته الحركة القومية بكل أطيافها. لم نعد نسمع مفهوم "الكيان الصهيوني"، إلا في الإعلام الحزبي الضيق. وبدلا من مفهوم "فلسطين المحتلة"، تكرس مفهوم "إسرائيل" في الإعلام العربي، يقابله مفهوم "الضفة الغربية وقطاع غزة أو أراضي السلطة الفلسطينية". أما فلسطين فأصبحت مجرد جغرافيا على الخريطة. بعد ذلك راح الخطاب الإعلامي العربي يلغو بمفهوم "الدولة العبرية". علما بأن الصهاينة أنفسهم، يعرفِّون "إسرائيل" بأنها "دولة يهودية أو دولة اليهود". لكن ذكر "اليهود" ممنوع في الإعلام حتى لا يتهم أحد بمعاداة السامية9.

في وقت لاحق صار الإعلام العربي يشير إلى "الاعتداءات" الصهيونية على أبناء الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، بأنها "العمليات10 الإسرائيلية في الضفة والقطاع". وفي ما يشبه التواطؤ الإعلامي على قلة الأمانة في تزويد المشاهد أو القارئ العربي بـ"الصورة والكلمة" الصحيحة، توصف هذه "الاعتداءات" الإجرامية على الفلسطينيين بأنها "توغل أو توغلات عسكرية قام بها الجيش الإسرائيلي".

يبلغ البؤس في مفاهيم الخطاب الإعلامي العربي ذروته، عندما تتخم نشرات الأخبار بمفردات "إخبارية" تساوي الظالم بالمظلوم والقاتل بالقتيل والمجرم بالبريء. لن آتي على ذكر العراق حيث تأخر الإعلام العربي طويلا طويلا، قبل أن يتفوه بكلمة "قوات الاحتلال الأميركي". بقي لسنوات يتحدث عن "قوات التحالف".

سأورد قصة أخرى، صبيحة يوم 14 أغسطس/ آب الماضي، كان النازحون اللبنانيون قد بدؤوا بالعودة صوب قراهم التي دمرها الجيش "الإسرائيلي". المذيعة تسأل زميلها المراسل : "فادي ... هل توقفت الأعمال العدائية .. هل الطرق آمنة"؟11. كانت إسرائيل قد باشرت في تلك الساعة "وقف الأعمال الحربية" وفق ما نص عليه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، لكن المذيعة نسيت، أو ربما فضلت، ألا يعلم المشاهدون هوية الجهة التي قامت بـ"الأعمال العدائية" في لبنان طيلة 33 يوما؟.

إن "السياسة الأميركية في الشرق الأوسط [قد] وصلت إلى خيار واضح" هكذا جزم الرئيس الأميركي. ويضيف "إما أن نسمح بأن يواصل الشرق الأوسط مساره.. المسار الذي كان قائما قبل 11 سبتمبر/ أيلول، أو ألا نسمح بحدوث ذلك.... وهذا هو الخيار الذي اتخذته أميركا"12. ها هي مكونات "الظلم" مقروءة بجلاء. 

فهل يمكن أن ينأى الخطاب الإعلامي العربي عن مواجهة هذا "الخيار" الظلامي؟. إن حرب الرئيس جورج بوش في فلسطين والعراق ولبنان هي حرب حاسمة، وهو يدق النفير لخوضها، لأنه "إذا انسحبت أميركا منها فستواجه عواقب كارثية". فـ"هذه الحرب" الظالمة تعتبر برأي بوش "أكثر من مجرد صراع مسلح.. إنها النضال الإيديولوجي الحاسم للقرن الحادي والعشرين"13.

إن الأداء الإعلامي العربي سيكون في محنة يومية. والسبب لا يكمن في متانة الشحن الأيديولوجي المميز لخطاب المحافظين الجدد وحسب، بل لأن هؤلاء قد اختاروا "الحرب" المباشرة أو غير المباشرة عبر الأداة العسكرية الصهيونية، باعتبارها الوسيلة المثلى لإعادة تشكيل العلاقة العربية- الأميركية بعد حوادث 11 سبتمبر/ أيلول 2001. فكيف سيعالج الإعلام العربي محنته؟. هل سينخرط في هذه "الحرب"، وأين سيتموضع؟. إن ضراوة العولمة العسكرية تهز الأرجاء من حولنا.
_______________
كاتب وباحث لبناني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة