محطات المقاومة في لبنان   
الثلاثاء 1427/6/28 هـ - الموافق 25/7/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:27 (مكة المكرمة)، 12:27 (غرينتش)


لقاء مكي

ربما تكون علاقة لبنان بالمقاومة الأكثر خبرة من بين جميع البلدان العربية في نصف القرن الأخير بعد المقاومة الفلسطينية، فهي ارتبطت بوضع لبنان في دائرة استهداف عسكري إسرائيلي لم ينقطع منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي، حينما كانت القرى الحدودية اللبنانية تتعرض باستمرار إلى اعتداءات إسرائيلية، أدت في إحدى المرات عام 1970 إلى تهجير نحو خمسين ألف لبناني من قراهم في الجنوب.

هذه الاعتداءات الإسرائيلية كانت ضريبة دفعها لبنان نتيجة استضافته المقاومة الفلسطينية التي أقر اتفاق القاهرة عام 1969 وجودها على الأراضي اللبنانية، وهو ما تعزز عقب أحداث سبتمبر/أيلول 1970 في الأردن، لكن هذا الوجود الفلسطيني العسكري والسياسي والفكري كان في الوقت نفسه حاضنا مناسبا لبذور فكرة المقاومة في لبنان الذي غذته الاعتداءات الإسرائيلية.

"
بدأت المقاومة في لبنان منذ مطلع السبعينيات في القرن الماضي لمساندة الثورة الفلسطينية ثم تحولت بعد عام 1982 إلى مقاومة لبنانية خالصة
"
ومنذ وقت مبكر تمركز فكر المقاومة والتعاطف مع الوجود الفلسطيني ومشاركته في جهوده بين القوى اليسارية والقومية الفاعلة في لبنان، سواء من خلال الحزب الشيوعي وقوات الأنصار التي شكلها عامي 1969-1970 او من خلال مليشيات تابعة للتنظيمات القومية المختلفة من قوميين سوريين وبعثيين وناصريين، وقد انخرطت هذه التشكيلات بشكل عام في إطار المقاومة الفلسطينية ونفذ أفرادها عمليات داخل إسرائيل، وصولا إلى تأسيس أفواج المقاومة اللبنانية المعروفة بحركة أمل عام 1975.

الاجتياح الأول
كانت الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت شرارتها في أبريل/ نيسان 1975 سببا مباشرا في استنزاف طاقات القوى الوطنية اللبنانية، وخلق تحالفات متقلبة بين الأطراف اللبنانية التي تفرقت بشكل أضعف لبنان وجعله بلدا رخوا أمام اجتياح إسرائيلي لأراضيه في مارس/ آذار عام 1978، فيما عرف بعملية الليطاني.

واستهدف العدوان تحديدا ضرب قوات المقاومة الفلسطينية واللبنانية ومنعها من استخدام أراضي الجنوب لضرب مناطق شمال إسرائيل، لكن ما حصل خلاله من مقاومة شارك فيها متطوعون عرب قدموا من دول عربية مختلفة، أن تم بناء هياكل سياسية وعسكرية لمقاومة لبنانية تمركزت في القوى اليسارية والقومية والإسلامية تعمل خارج إطار المقاومة الفلسطينية وإن استمرت بالتعاون معها، فالهدف الجديد بات تحرير لبنان  إلى جانب الاستمرار بمهاجمة إسرائيل في العمق، ومن هنا تعتبر المقاومة عام 1978 أساس المقاومة التي خاضت المواجهة مع إسرائيل في عام 1982.

في يونيو/حزيران من ذلك العام قامت إسرائيل بعدوان شامل على لبنان، ولم تكتف هذه المرة بجنوبه، بل تقدمت إلى العاصمة بيروت واحتلتها، لتحقيق هدف مباشر هو إخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان، وقد تجسدت مقاومة الغزو الإسرائيلي بتحالف يضم مقاتلين فلسطينيين ولبنانيين تحت مسمى القوات المشتركة للحركة الوطنية اللبنانية  والثورة الفلسطينية، أو القوات المشتركة للثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية وحركة أمل.

لكن هذا التحالف الذي قاتل القوات الإسرائيلية خلال تقدمها في الجنوب وضم مقاتلين من الحزب القومي السوري الاجتماعي، ومن الحزب الشيوعي اللبناني، ومن حزب البعث ومن الناصريين ومن حركة أمل إلى جانب المقاتلين الفلسطينيين ما لبث أن تحول إلى مقاومة لبنانية صرفة بعد احتلال بيروت في سبتمبر/ أيلول من ذلك العام، بعد خروج قوات المقاومة الفلسطينية من لبنان.

جبهة المقاومة
كان احتلال بيروت فرصة لتوحيد إرادة اللبنانيين لتحرير بلادهم برغم استمرار الحرب الأهلية، وبعد احتلال بيروت مباشرة صدر البيان الأول لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في 16 سبتمبر/أيلول 1982 لتعلن تشكيلها من ذات القوى الوطنية إضافة لمتطوعين من جميع المناطق اللبنانية، ومن كل الانتماءات الاجتماعية وجميع الطوائف، إلى جانب متطوعين من جنود وضباط في القوات الخاصة في الجيش اللبناني أصبحوا نواة القوة القتالية للجبهة.


بعد ذلك بأربعة أيام قامت الجبهة بأولى عملياتها، ثم قام أحد أفراد الحزب السوري القومي بعملية أخرى في الأسبوع ذاته لتتوالى العمليات القتالية التي اتخذت شكل حرب عصابات أجبرت القوات الإسرائيلية على الانسحاب من بيروت إلى منطقة الجبل، لكن الأمر تصاعد ولم يتوقف وجرت خلال السنوات اللاحقة عشرات العمليات التي ألحقت بالإسرائيليين خسائر جسيمة.

"
اشتركت في المقاومة فئات لبنانية من شتى الأحزاب الوطنية ومن كل الطوائف والمناطق
"
ولم تقتصر هذه العمليات -بما فيها العمليات الاستشهادية- على فئة أو حزب معين من بين القوى الوطنية والإسلامية اللبنانية، كما أن هذه العمليات شملت قوات الاحتلال في مختلف المناطق بدءا من بيروت باتجاه الجنوب، الأمر الذي أجبر إسرائيل على الانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية في عام 1985 لتستقر قواتها في الشريط الحدودي في أقصى الجنوب.

ظهور حزب الله
تزامن الانسحاب الإسرائيلي مع انبثاق مقاومة إسلامية تجسدت فيما بعد بإعلان تأسيس حزب الله الذي عمل في إطار جبهة المقاومة اللبنانية ثم بدأ بالعمل منفردا لاسيما وأن منطقة الجنوب كانت تمثل بيئته الحاضنة ومركز قاعدته الجماهيرية.

وساعد على تكريس دور حزب الله ما جرى من أحداث في لبنان عقب عام 1985، حيث قامت سوريا بإعادة رسم خارطة القوة في لبنان بما يتناغم ورؤيتها للمتغيرات الدولية والإقليمية وسعيها للحصول على دور ومكانة من بوابة لبنان، فاحتوت أو همشت من خلال جملة إجراءات معظم القوى الوطنية اللبنانية التي كان لها دور فاعل في مقاومة الاحتلال منذ أوائل السبعينيات، إضافة إلى استنزاف قدرات هذه القوى وتصفية بعض رموزها في خضم الحرب الأهلية، وتكرس عزل دور هذه القوى بعد اتفاق الطائف عام 1990 الذي قضى بتجريد كل المليشيات من أسلحتها باستثناء حزب الله.

وخلال مرحلة التسعينيات تعزز دور حزب الله بالمقاومة في الجنوب وتمكن من القيام بعمليات نوعية واستخدم أساليب قتالية متطورة وأسلحة متقدمة، فيما كانت إسرائيل ترد بقصف الأراضي اللبنانية لاسيما في الجنوب والقيام باجتياحات محدودة كما حدث في عام 1996 عندما دمرت 70 قرية وهجرت نحو 300 ألف مواطن لبناني. 

وأمام المقاومة الشرسة ونزيف الخسائر المستمر اضطرت إسرائيل إلى الانسحاب في أبريل/نيسان عام 2000 من الشريط الحدودي في إجراء وصف إسرائيليا بالعملية المهينة فيما وصف عربيا ولبنانيا بالتحرير الذي منح حزب الله رصيدا شعبيا واسعا ومكانة خاصة في لبنان، لكن المقاومة لم تنته عند هذا الحد، فقد ظلت إسرائيل تحتل مزارع شبعا القائمة على سفوح جبل الشيخ والتي يصر لبنان على عائديتها له، فيما تدعي إسرائيل عائديتها لسوريا، وقد كانت قضية المزارع فضلا عن إصرار إسرائيل على احتجاز أسرى لبنانيين مبررين كافيين عند حزب الله للاستمرار بالمقاومة والدخول في مواجهات مع تل أبيب يعيش لبنان أشرس فصولها اليوم.
_______________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة