المشهد السياسي المصري قبل اتفاقية كامب ديفد   
الأربعاء 28/3/1430 هـ - الموافق 25/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 13:48 (مكة المكرمة)، 10:48 (غرينتش)

عبد الناصر (يمين) خاضت مصر في عهده عدة حروب مع إسرائيل (الفرنسية-أرشيف)

شيرين حامد فهمي

كان لمنظومة الأمن القومي المصري وجود في تاريخ مصر الحديث الذي دشنه "محمد علي" في عام 1801، وتمثل ذلك في حفظ حدود مصر شرقًا وجنوبًا، وما وراء تلك الحدود. وظلت هذه المنظومة حاضرة في مدارك السياسيين المصريين حتى إبرام اتفاقية كامب ديفد التي دشنت مرحلةً فارقةً في التفريط في تلك المنظومة من قبل القيادة السياسية المصرية.

وكانت لمحمد علي رؤية تنموية واضحة ومشروع لتحديث مصر، وكان له وعي عميق بمقتضيات حماية وتأمين مركز مصر أو مصر المركز، وهو ما أصبح مفقودا في مصرنا اليوم(1).

ولعل رؤية محمد علي استفزت الدولتين العُظميين حينذاك –بريطانيا وفرنسا– فتحفزتا لاجتثاثها في مهدها والقضاء على دور مصر. وكانت إحدى أهم الوسائل لتحقيق ذلك دس الخلاف والصراع بين محمد علي والسلطان العثماني.

تأمين مصر
لقد كان تأمين مصر شرقا وجنوبا من المسائل التي لا جدال فيها أو نقاش، ومن ثم كانت السياسة الخارجية المصرية تجاه كلٍ من أرض الشام وبلاد السودان تتربع على قمة أولويات النخبة المصرية الحاكمة.

وعلى الرغم من عدم تعرض الداخل المصري لإشكاليات الإثنية والطائفية، كما حدث في بلدانٍ عربيةٍ أخرى، فإن موقع مصر الجغرافي كان سببًا في تعريضها لمخاطر جمة. فمنابع نهر النيل تقع جنوبا خارج حدود مصر، وبوابتها الشرقية كانت دومًا –ولا تزال– نافذة تساعد قوى الاستعمار على احتلال مصر من خارج حدودها.(2)

لقد تبين لحكام مصر على مر تاريخها السياسي أنه لا استقلال لها إلا بتأمين الشام فعملوا لأجل ذلك، كما أدركت قوى الاحتلال بدورها هذه الحقيقة فسعت لعكس ما سعى إليه حكام مصر. وما معاهدة لندن (1840)، التي فصلت الشام عن مصر، ثم فرض الحماية البريطانية على مصر (1914)، ثم وعد بلفور (1917)، ثم معاهدة سايكس بيكو (1920)، إلا تجليات واقعية لذلك السعي لعدم تأمين الشام، ومن ثم عدم استقلال مصر المركز.(3)

عدد من الأسرى المصريين لدى إسرائيل (الجزيرة-أرشيف)
أما أكثر تجليات ذلك السعي الاحتلالي وأكثره شراسةً، فكان في عام 1948 حينما أعطت الولايات المتحدة الضوء الأخضر لقيام دولة إسرائيل على أرض الشام. والحقيقة أنه منذ هذا العام، والحروب الأميركية الإسرائيلية تتوالى على أرض الشام ومصر، وأخيرًا العراق. فإذا كان السعي الاحتلالي البريطاني والفرنسي هو السائد قبل عام 1948، فإن السعي الاحتلالي الأميركي والإسرائيلي هو الذي بات سائداً منذ 1948 حتى يومنا هذا.

إن الحروب الأميركية الإسرائيلية على المنطقة العربية منذ عام 1948 –التي وصلت إلى 12 حربا كما يؤكد المستشار طارق البشري- لا تعكس اشتراكًا في المصالح الأميركية والإسرائيلية فحسب، بل اتحادًا وثيقًا في المصالح والأهداف.(4)

وقد تندرج جميع هذه الحروب تحت حرب واحدة متمثلة في مواجهة إستراتيجية أميركيةٍ إسرائيليةٍ للعالم العربي، على مدى طويل. وبمعنى آخر، لقد قام تحالف واتحاد أميركي إسرائيلي يشهد رسوخًا وقوةً يومًا بعد يوم منذ عام 1948، بتوجيه عداء إستراتيجي تجاه المنطقة العربية، ومن ضمن الأهداف الكبرى والعظمى لذلك التحالف احتلال مصر المركز من خارج حدودها، وهو ما نشهده حاليا، ليس فقط من خلال إطلاق يد إسرائيل في حرب غزة 2008، ولكن أيضا من خلال اللعب السياسي الجاري حاليا في السودان تحت شعار "الحرية الدينية".

سلام مقابل العداء
وبالنظر إلى المعطيات السابقة ظلت إسرائيل عدوا إستراتيجيا في رؤى وسياسات الحكومات المصرية، على اعتبار أن ذلك يعتبر افتراضًا منطقيًّا لما يُُمليه الواقع السياسي. إلا أنه مع حلول اتفاقية "كامب ديفد" (1979)، ضربت القيادة السياسية المصرية بهذا الافتراض عرض الحائط، مُستبدلة به افتراض السلام الإستراتيجي.

ومن ثم، يجوز القول إنه بعد أن ظلت القيادة السياسة المصرية متمسكة بخيار العداء الإستراتيجي تجاه إسرائيل، من 1948 حتى 1979، أمضت ثلاثين عاما أخرى وهي تتبنى خيار السلام الإستراتيجي تجاه إسرائيل، على الرغم من أن الأخيرة لم تُغير من خيارها العدائي الاستيطاني التوسعي، سواء من خلال احتفاظها بمفاعلها النووي (ديمونة) ورفضها الانضمام إلى اتفاقية "حظر الانتشار النووي"، أو من خلال توغلاتها في أفريقيا، عبر إثيوبيا وإريتريا، لتطويق الوجود العربي الإسلامي هناك، أو من خلال سياساتها الاستيطانية في "مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني" وفي مدينة القدس.

قبل اتفاقية "كامب ديفد" –التي كان يهرع إليها الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات منذ 1975 حينما رفع شعار "مصر بدون عروبة"– كان هناك تمسك واضح من قبل النخبة الحاكمة المصرية بثوابت السياسة العربية والإقليمية تجاه العدو المباشر المُسمى إسرائيل.(5)

وكان هناك اقتناع مطلق لدى النخبة بأن إسرائيل تمثل مصدر تهديد إستراتيجي للأمن القومي العربي عامة والمصري خاصة، مما يشكل خطرا على مكانة مصر المركز، وكان هناك اقتناع مطلق بأن الحياد في قضية الصراع العربي الإسرائيلي غير جائز وغير ممكن، كما كانت أجهزة الدولة السيادية المصرية -الممثلة في وزارات الدفاع والخارجية وأجهزة الاستخبارات– على يقين تام بمقتضيات الأمن القومي المصري، التي لا يمكن أن تتفق بأي حال من الأحوال مع خيار السلام الإستراتيجي.

وعلى الرغم من ذلك فقد فرض السادات رؤيته وسياسته، ضاربا بأجهزة الدولة السيادية عرض الحائط، وهو ما أكده أحمد ثابت قائلاً: "[إن] البلاد النامية والعربية التي يكون فيها الحاكم الفرد المصدر الرئيسي للسلطة الدستورية والقانونية والفعلية، عادة ما تنشأ فيها فجوة واسعة بين تقديرات وسياسات وتصريحات رئيس الدولة، وبين التقديرات الإستراتيجية وتقديرات الموقف التي تأخذ بها مؤسسات أو أجهزة الدولة، وخصوصًا تلك التي تتعامل مع قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية".

من عدو إستراتيجي إلى حليف إستراتيجي
لقد انتهك السادات المقتضيات الثابتة للأمن القومي المصري من خلال ربط الأخير بالتحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة، ومن خلال تحويل العدو الإستراتيجي إلى حليف إستراتيجي. وقام بتعديل الأمن القومي المصري -وهو أمر غير قابل للتعديل لكونه خاضعًا لحتمية الجغرافيا والتاريخ- فجعل مصر تخسر محاورها الأمنية ليس في الشرق فقط، بل في الجنوب أيضًا، حيث تم تقزيم الدور السياسي الخارجي المصري، وحصره في حدود مصر فقط، بعد أن كان ممتدًا عربيًّا وأفريقيًّا وإسلاميًّا.(6)

مصر انتصرت في حرب أكتوبر لكنها لم تنتصر في حفظ أمنها القومي (الجزيرة-أرشيف)
ولم تكن معركته في أكتوبر 1973 بهدف التحرير، ولكنها كانت بهدف تحريك المفاوضات والصلح المنفرد مع إسرائيل، وخطب ود واشنطن التي اعتبرها السادات المُمسكة بكافة خيوط اللعبة. وإذا كانت مصر السادات قد انتصرت في تلك الحرب، فإنها لم تنتصر في حفظ أمنها القابع خارج حدودها، كما يؤكده المستشار والمؤرخ طارق البشري. 

وكما تم جر مصر السادات نحو عقد صلح منفرد مع إسرائيل، فقد تم جر مصر عبد الناصر نحو حرب نظامية لم يكن في مقدور مصر مجابهتها، وكلاهما عرض بوابة مصر الشرقية للتهديد الخارجي الإسرائيلي، وكلاهما تصرف بدكتاتورية وتسلط، وهو شأن الدولة القومية العربية بصفةٍ عامة. فلم تعن حرب 1967 التي جُر إليها "عبد الناصر" جرًّا، إلا مزيدا من الاحتلال الإسرائيلي لحدود مصر الشرقية، ومزيدا من انتهاك أمنها، وتقويض استقلالها. ولذلك فعلى الرغم من اختلاف إستراتيجيتهما، فقد أفضت سياسة كل منهما إلى تضييع أمن مصر واستقلالها.

لقد غاب عن كلا الرئيسين خيار المقاومة الشعبية الذي كان –ولا يزال– هو الطريق الأنجع الوحيد لتكبيد العدو خسائر يومية مستمرة، تؤدي في النهاية إلى جلائه. إنه ذلك الخيار الذي كان موجودًا قبل ثورة 1952، والذي كان يدعمه الملك فاروق ولم تدعمه حكومات "الاستقلال" الوطني. إنه ذلك الخيار الذي كان مُتاحًا لطلاب جامعة القاهرة قبل ثورة 1952، ولم يعد متاحا بعدها.

وفي النهاية، يجب طرح سؤالين مُهمين: لماذا كانت قيادات مصر العثمانية أكثر إدراكا وتفهما لمفهوم الأمن القومي المصري من قيادات مصر "الاستقلالية"؟ أليس عجيبًا أن تكون قيادات "الاستقلال" الوطني –بعد ثورة 1952– هي نفسها القيادات التي تسببت في تضييع أمن مصر واستقلالها؟
_______________
باحثة مصرية

الهوامش:
[1]"محمد علي ومشروع بناء الدولة الحديثة: إعادة قراءة الخبرة التاريخية من واقع الهموم المعاصرة"، ندوة علمية، مركز البحوث والدراسات السياسية، (القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 11-12/4/ 2007). (تم رصد هذه الندوة  من قبل الباحثة ونشرها في مجلة "المجتمع" الكويتية، تحت عنوان "قراءة في تجربة محمد علي في مصر"، 7/7/2007) http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InSectionID=2332&InNewsItemID=230626)
[2] طارق البشري، "ملف العدوان على غزة"، محاضرة، مركز الحضارة للدراسات السياسية، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 4/2/2009).
[3] المرجع السابق.
[4] المرجع السابق.
[5] أحمد ثابت، "كيف تُقيم الإستراتيجية المصرية التهديد الإسرائيلي؟"، موقع إسلام أون لاين.نت، أكتوبر/تشرين الأول 2000
[6] محمد حسنين هيكل، "هيكل والأمن القومي المصري"، محمد حسنين هيكل، "مع هيكل - زمان الحرب.. الأمن القومي"، قناة الجزيرة الفضائية، 10 يناير 2008

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة