المشهد السياسي الإسرائيلي قبيل الانتخابات التشريعية   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:44 (مكة المكرمة)، 16:44 (غرينتش)

*بقلم/ أودي أديب

منذ سقوط باراك وانتصار شارون الحاسم في الانتخابات لرئاسة الحكومة في فبراير/ شباط 2001، ظهر أن موقف الجمهور الإسرائيلي تغيّر نحو الاتجاه العسكري القومجي المعادي للفلسطينيين والمتمثل أساسا بالأحزاب اليمينية. وكان من شأن الفارق الكبير بين شارون وباراك في نتائج انتخابات فبراير/ شباط 2001 – 62% مقابل 38% - أن يدلل على البعد الكمي للتغيير المذكور. لكن الأمر المركزي الأساس هو البعد الأيديولوجي -الإدراك الذي يتم التعبير عنه على صفحات الجرائد الواسعة الانتشار مثل "يديعوت أحرونوت" و "معاريف"- إضافة طبعا إلى كل وسائل الدعاية الحكومية، وعلى وجه الدقة والتحديد المحطات الإذاعية والتلفزيونية.

اليمين الإسرائيلي وعداء الفلسطينيين
تأثير الطبقة الاجتماعية والهوية الثقافية على التصويت

اليمين الإسرائيلي وعداء الفلسطينيين

يمكننا القول إنه منذ فشل "كامب ديفد" -وبالأساس منذ بدء الانتفاضة- تشدد جميع النشرات الإخبارية وعناوين الصحف الرئيسية هذه، وبالبنط العريض الذي يملأ أحيانا مساحة الصفحة الأولى كلها، على أعمال العنف التي يرتكبها الفلسطينيون، وخصوصا العمليات الانتحارية. إن الأجواء الإسرائيلية مسممة من جديد بدعايات معادية للفلسطينيين وللعرب على حد سواء. لقد عاد موقف الجمهور الإسرائيلي الذي كان قد أخذ يتحرر تدريجيا في أيام أوسلو، من عقدة الخوف اليهودية والعداوة والموقف المسبق ضد الفلسطينيين والشعوب العربية. عاد بتأثير الدعاية الحكومية والصحفية إلى نفس سلوكيات التخوف الشديد وإلى طبائع التفكير التي كانت قبل أوسلو. وتشير كل استطلاعات الرأي التي تم إجراؤها في السنتين الأخيرتين بوضوح بالغ، إلى التغيير الذي تحدثنا عنه في موقف الجمهور الإسرائيلي. فثمة ازدياد ملموس في عدد الأشخاص الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم ينتمون إلى أحزاب المركز واليمين. ففي استطلاع للرأي تم إجراؤه بتاريخ 11 إبريل/ نيسان 2002، تبين أن 20% من المستطلَع رأيهم عرّفوا أنفسهم كيمينيين متطرفين، وأن 22% كيمينيين معتدلين، و41% عرفوا أنفسهم بأنهم ينتمون إلى المركز، و 11% كيساريين معتدلين و6% كيساريين متطرفين. هذا في مقابل قسمة أقل مساواة بين اليمين واليسار قبل عامين. لقد تراجع دعم أوسلو إلى الحضيض. فوفقا لاستطلاع للرأي تم إجراؤه في 13 سبتمبر/ أيلول 2002، اعتقد 80% من المستطلع رأيهم أن اتفاق أوسلو مُلغى. واعتقد 67% أن اتفاق أوسلو ألحق أضرارا بدولة إسرائيل. واعتقد 81% أن ياسر عرفات لا يريد بعدُ سلاما. في 2002 اعتقد 37% فقط أن الفلسطينيين يريدون سلاما في مقابل 52% في العام 2000 و 64% في العام 1999. واعتقد 22% فقط أنه يمكن إنهاء الصراع عن طريق معاهدة سلام، في مقابل 67% في العام 1999.
إلى جانب ذلك فإن الانتفاضة -وخاصة العمليات الانتحارية- أثارت وقوّت الشعور بالتهديد والخوف من الفلسطينيين، ودعَّمت أكثر فأكثر الدعاية الحكومية. في العام 2002 أحس 92% بأنهم مهددون بشكل شخصي وجماعي كيهود، في مقابل 68% في العام 1999.

هناك عنصر آخر عزّز الإجراءات العسكرية القومية، وهو ضعف اليسار الإسرائيلي، وخاصة خنوع حزب العمل التام، الذي أصبح في ظل قيادة بن إليعازر وبيريز خادما ينفّذ ما يمليه عليه حزب ليكود. لقد نظر الجمهور الإسرائيلي إلى جلوس حزب العمل في الحكومة كتحقيق للـ "الوحدة القومية اليهودية".
يعتبر شعار الوحدة القومية تاريخيا، بمثابة السلاح السياسي الأمضى والأساسي لدى الأحزاب اليمينية. فالأيديولوجيا القومية تطبق الإجماع الوطني في صفوف الجمهور، وتخرس الأصوات الأخرى الناقدة والناشطة ضد الحكومة. في إسرائيل نادت سلطة الحكم، دائما، بالوحدة الداخلية للشعب ضد التهديد "العربي" الخارجي.

من الأهمية بمكان أن نذكر هنا أن التجربة التاريخية في القرن العشرين، وخصوصا محاولة الفاشية في العشرينيات والثلاثينيات، تدل على مدى قوة وتأثير الأيديولوجيا القومية. هؤلاء هم في الأساس أبناء الطبقات الدنيا من طبقة العمال، الذين بدلا من أن يحاولوا النضال بغية تغيير أوضاعهم نرى أن إغراء الدعاية القومية الوحدوية ينطلي عليهم. وهي دعاية لا تقود إلا إلى تعميق تدنيهم وتخلفهم مقارنة بالطبقات الحاكمة. وهذا هو بكل وضوح التناقض الكبير الكامن في الحالة الإسرائيلية أيضا، وهو يشير إلى أن تأييد الأحزاب اليمينية "القومية" بارز، تحديدا لدى المواطنين اليهود من أصل شرقي ولدى المهاجرين الروس، وهما فئتا المهاجرين الأشد فقرا والمهمشتان الموجودتان في أسفل طبقات المجتمع الإسرائيلي. إنها الأغلبية الصامتة المشدودة بقوة إلى الدعاية القومية، والمدفوعة من جرّاء العمليات الانتحارية لمعاداة الفلسطينيين.

إضافة إلى ذلك ووفقا للأيديولوجيا القومية اليمينية فإن مثالية الدولة اليهودية تتحقق وتُطبق، من خلال العنف العسكري الموجه دون أي مبرر ضد الفلسطينيين. إذا العنف تجاه الفلسطينيين هو الصيغة التي تعبر من خلالها الطبقة الدنيا الإسرائيلية عن مشاركتها وتضامنها مع الدولة. كذلك إن ممارسة العنف ضد الشعب الفلسطيني -كطريقة للتعبير عن الوطنية الإسرائيلية- تضمن للأحزاب اليمينية تأييد السواد الأعظم من بسطاء الشعب، خصوصا أن طريقة التعبير والمشاركة هذه متاحة ومفتوحة أمامهم جميعا.

الإشكنازيون
(اليهود من منشأ أوروبي)

اليهود من منشأ شرقي

وضع الأعمال القائم-3 الدرجات العليا 1988

مواليد خارج البلاد

مواليد داخل إسرائيل

40%

50%

20%

21%

الدخل

1988

100%

80%

الدخل الفردي

1988

100%

64%

الاكتظاظ السكاني-أقل من فرد واحد في الغرفة

1988

مواليد خارج البلاد

60%

32%

مواليد إسرائيل

40%

23%

التحصيل العلمي-أجيرون من مواليد إسرائيل 25-54

سنوات التعليم

1975

12.8

9.9

1982

13.8

10.5

1992

14.2

12

1995

14.4

12

نسبة خريجي الجامعة

1975

25%

6%

1982

35.5%

8.7%

1992

38%

10.3%

1995

36.6%

10.3%

الجدول 1: يظهر العلاقة بين الخصائص الاجتماعية الاقتصادية وبين المنشأ الفئوي

خلال السنوات التي مرت منذ العام 1995، طرأ تحسّن على المكانة الاقتصادية الاجتماعية لدى جميع الفئات الإثنية داخل إسرائيل. لكن هذا التحسّن لم يغيّر من المكانة النسبية للفئتين المذكورتين الإشكنازيين واليهود الشرقيين، بشكل بارز.
لقد غيّرت الهجرة الروسية الجماعية في التسعينيات الطابع الشرقي لطبقة العمال الإسرائيلية. ويمكن الافتراض إنه على المدى البعيد، وكما رأينا منذ الآن في بعض القطاعات الاقتصادية، سينخرط المهاجرون الروس ضمن الطبقة الوسطى الإشكنازية. لكن في المرحلة الحالية وعلى المدى القريب، فإن معظم المهاجرين الروس ينتمون إلى طبقة العمال الدنيا. ويبين أحد استطلاعات الرأي الذي تم إجراؤه في أعقاب الانتخابات العام 1999 أن أكثر من ثلاثة من كل أربعة مصوتين روس، ذكروا أن دخل العائلة لديهم أقل من 8000 شيكل للشهر. وبلّغ معظمهم بأن دخلهم أقل من معدل الدخل في إسرائيل. (جيطلمان، غودلشتاين 2001).

تأثير الطبقة الاجتماعية والهوية الثقافية على عملية التصويت

يعرّف الباحثون الإسرائيليون أربعة عوامل يفحصون حسبها توزيعة التصويت في إسرائيل:

  • المنشأ الفئوي
  • الطبقة
  • التدين
  • مكان السكنى

وتقول الفرضية إن الطبقة الاجتماعية الدنيا متعلقة -بشكل بارز- بالمنشأ الشرقي و/أو الروسي الآسيوي، وبالتدين وبمكان السكنى في المناطق الفقيرة في الضواحي. ووفقا للجدول التالي يمكن أن نرى بوضوح أن تأييد نتنياهو في انتخابات العام 1999 يُفسر فعلا بناء على العوامل التي سبق ذكرها.

الاكتظاظ السكني

حتى 1

من 1 إلى 1.33

أكثر من 1.33

نسبة تأييد نتنياهو

40%

64%

74%

التحصيل الدراسي

ذو لقب أكاديمي

12 سنة تعليم

أقل من 12 سنة

نسبة التأييد

37%

50%

47%

مصروف شهري بالنسبة للمعدل

فوق المعدل

المعدل

أقل من المعدل

نسبة التأييد

36%

52%

63%

الجدول 2: تأثير الطبقة الاجتماعية على التصويت لنتنياهو (استطلاع رأي قبل انتخابات 1999)

يكشف الجدول 2 العلاقة الوثيقة بين الطبقة الاجتماعية الدنيا -وهي الطبقة التي يتم تعريفها وفقا للاكتظاظ السكني العالي- ومستوى التحصيل الدراسي المتدني ومصروف العائلة، وبين التأييد القوي لنتنياهو. في حين تكشف الظروف العكسية عن علاقة وثيقة بالتأييد الجارف لباراك. وبينت أبحاث أخرى وجود علاقة وثيقة بين المنشأ الفئوي ومدى التدين وبين التصويت لصالح نتنياهو. وتتطرق هذه الأبحاث بشكل تفصيلي إلى نتنياهو وباراك، لكن من الواضح أن العوامل الأربعة المذكورة أعلاه تفسر إلى حد بعيد توزيعة التصويت الحزبي. وتظهر هذه الأبحاث ما يلي:

  1. صوّت المتدينون والمتشددون دينيا (الحريديم) جميعهم تقريبا لصالح نتنياهو، دون أي علاقة بالخلفية الفئوية التي ينتمون إليها.
  2. الهرمية الفئوية في التصويت واضحة: أيّد معظم أبناء الفئات الشرقية والمهاجرون الروس الجدد نتنياهو، وفضّل الإشكنازيون العلمانيون باراك بشكل بادٍ للعيان.
  3. تأثير الطبقة الاجتماعية الاقتصادية كان الإبراز، إن كان فيما يتعلق بالتدين أو بالفئوية، وكشف عن انخفاض واضح في تأييد نتنياهو كلما ارتفعت مكانة الطبقة الاجتماعية الاقتصادية. (شيلو 2001)

الانسجام القائم اليوم بين التديّن والقومية العسكرية لدى اليمين، هو ثمرة تطوّر بدأ في أعقاب حرب 67 فقط. فوفقا للتاريخ الصهيوني كان التيار الصهيوني الديني، "همزراحي" وبعد ذلك "مفدال"، متصلا أساسا بالـ"مباي" (حزب عمال أرض إسرائيل)، وهو التيار المركزي الواقعي الذي قاد الصهيونية منذ العشرينيات من القرن الماضي وحتى صعود الليكود إلى الحكم في العام 1977. هذا التيار الديني كان مسؤولا عن الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل، ولم يتدخل بالسياسة الخارجية والأمن. وطرأ التغيير على موقف "مفدال" في أعقاب حرب 67 فقط. فالانتصار العسكري في الـ 67 واحتلال الضفة والقطاع أثارا حماسا في أوساط الجيل الشاب في لمفدال"، وأساسا في أوساط مجموعة معينة تعلمت في مدرسة دينية في "مركاز هراب" (مركز الراب – رجل الدين اليهودي). وتتبع هذه المدرسة الدينية (الييشيفاه) لـ "الراب تسفي يهودا كوك" (1891-1982 )، وهو نجل "الراب إبراهم يتسحاق هكوهين كوك"، الراب الرئيسي والسلطة الروحية العليا للتيار الصهيوني الديني خلال حقبة الانتداب. وكان الراب تسفي يهودا كوك غيورا قوميا متدينا كثير الوعظ على تلامذته بضرورة وجود التقاطب السياسي، خصوصا في المجال الاستيطاني.

ووفقا لنهجه فإن الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة هما عبارة عن تحقيق و/أو إعادة إحياء للماضي اليهودي التوراتي. لكن ما لا شك فيه أن أعمال الاستيطان لم تكن تتم إرضاء للسماء فقط، وإنما وُظفت هذه الأعمال الاستيطانية كأداة للسيطرة على "مفدال"، وكذلك كأداة للتأثير والسيطرة على الدولة. وبالفعل فإن هذه المجموعة المؤلفة من بضع عشرات من الشبان التي أطلقت على نفسها اسم "غوش إمونيم" (كتلة المؤمنين) في بداية السبعينيات، سيطرت تدريجيا على "المفدال" وأصبحت عنصرا ذا تأثير كبير على الدولة. ووفقا لأقوال الكاتب الإسرائيلي عاموس عوز فإن "مفدال" الذي كان في الماضي مراقبا على الحلال من الطعام في قطار الصهيونية، أصبح تحت حكم الليكود في الثمانينيات والتسعينيات، قائدا لهذا القطار. ثمة مؤشر بارز على مدى تطرف "مفدال" وهو إنشاء حزب "ميماد" قبل انتخابات العام 1999. وتأسس هذا الحزب الديني المعتدل ليقف في وجه التيار الأصولي التابع للـ"مفدال"، وانضم إلى حزب العمل.

إن تضامن المعسكر الديني المتشدد (الحريديم) مع القومية العسكرية اليمينية، هو الآخر ظاهرة جديدة أخذت بالتطور تدريجيا في ظل سلطة ليكود في الثمانينيات والتسعينيات. بنظرة تاريخية، ومع بدء فترة الانتداب عاش جمهور المتشددين دينيا "الحريديم" في إحياء متفرقة في القدس وطبرياو صفد والخليل، من دون أن يكون لهم أي تدخل سياسي وثقافي بالاستيطان الصهيوني. وبعد إقامة الدولة طرأ تدريجيا تحول في سياسة جمهور "الحريديم"، واعترف السواد الأعظم منهم بالدولة كما شاركوا في انتخابات الكنيست. لكن حتى الثمانينيات لم تولِ أحزاب "الحريديم" اهتماما سوى بشؤون واحتياجات مؤيديها، فلم تتخذ موقفا سياسيا واضحا فيما يتعلق بالاحتلال وبالفلسطينيين. لكن كان لنجاح الأحزاب في الحصول على ميزانيات وزيادة عدد تلاميذ المدارس الدينية إلى حد كبير، إن شرعت أبواب معسكر "الحريديم" على مصراعيه أمام الرياح القومية المعادية للفلسطينيين السائدة في صفوف الجمهور الإسرائيلي. أضف إلى ذلك فإن عشرات الآلاف من تلاميذ مدارس "الحريديم" الجديدة قدموا من أوساط الجمهور اليهودي الشرقي المنشأ الفقير وعديم التحصيل العلمي، وهو أكثر جمهور عرضة للدعاية الحكومية.

إن العلاقة بين الفئوية الشرقية وبين اليمين القومي هي أيضا غير مفهومة ضمنا. فوفقا لنماذج دولة القومية المعاصرة (غيلنر 1983، هوبسباوم 1989، بروبيكر 1996) فإن المتوقع من مجموعات الأقلية الإثنية الثقافية، هو أن تندمج في الإطار الحيادي الجديد للدولة. إن فشل دول القومية في دمج مجموعات الأقلية في التسعينيات -في الأساس- في دول أوروبا الشرقية، لكن أيضا في الدول الغربية شد من أزر النقد المتعدد الثقافات للنموذج الاندماجي المعاصر. فوفقا لنظرية "ميخائيل هكطر"، مثلا، يمكن ربط وتفسير انعدام اندماج مجموعة الأقلية بمكانتها على سلم تقسيم العمل الاجتماعي. إن الادعاء هو أن تضامن الطبقة الاجتماعية مع ثقافة قائمة يزيد من صرامة التقسيم الطبقي القائم، ويحول دون الريادية والاندماج. لكن في إسرائيل يمكن أن نرى لدى الجمهور الشرقي دمجا فريدا من نوعه، يتشكل من الرفض والعداوة تجاه الصفوة الأوروبية الممثلة كما ذكرنا سابقا من خلال حزب "العمل" من جهة، والتضامن التام مع الأيديولوجيا القومية الحاكمة من جهة أخرى. وهذه الأيديولوجيا هي نفس الأيديولوجيا التي تربطهم وتوحدهم مع تلك الصفوة الأوروبية التي أنشأت الدولة.

ليبمان ودون يحيى، وهما باحثان في جامعة بار إيلان، ويوآب فيلد وهو باحث في جامعة تل أبيب، يربطون هذه الازدواجية لليهود الشرقيين بالطبقة الاجتماعية التي ينتمون إليها، والمتموضعة ما بين الصفوة الأوروبية من فوقهم وبين الفلسطينيين من تحتهم. ومن خلال اعتقادهم الأيديولوجي القومي اليميني المتطرف فإنهم يحققون غايتين في وقت واحد، وهما "الانتصار" على الفلسطينيين الذين هم في منزلة أدنى منهم والتشديد على تميّزهم، لا بل تفوقهم على الصفوة الأوروبية "المندمجة" التي لم تعد مخلصة كما يعتقدون، للمثل الأعلى القومي اليهودي. كذلك فإنهم يقدمون تفسيرات تقول إن الجمهور الشرقي المحافظ يستوعب الأيديولوجيا القومية بمفاهيم دينية، وبالطبع فإن هذا الدمج بين الدين والقومية -كما يمكن لنا أن نراه بوضوح في حالة "شاس"- يتماشى تماما مع المفهوم القومي المتطرف للأحزاب اليمينية.

اليوم قبل أسبوعين على موعد الانتخابات، يمكن القول إن نتائجها ستكون مختلفة إلى حد بعيد، عن نتائج الانتخابات السابقة في عام 2001 التي هزم فيها شارون رئيس الحكومة آنذاك إيهود باراك بأغلبية ساحقة. ما زال موقف الجمهور الإسرائيلي بأغلبيته الكبرى، معاديا للفلسطينيين ومتخوفا منهم ومغسولا بمشاعر قومية يهودية. لكن بعد عامين من الانفجارات الانتحارية المتواصلة والأوضاع الاقتصادية الآخذة بالتدهور شهرا فشهر، فإن الشعور السائد هو اليأس وانعدام وجود المخرج. قبل عامين وعد شارون الجمهور بالسلام والأمن، واليوم ما من أحد يصدقه أو يؤمن بسلامه، حتى من بين مؤيديه المتحمسين له المحروقين عليه. إن أحد الملصقات الانتخابية الأكثر انتشارا التي تمتد على عرض الشارع وعلى المركبات الكبيرة هو "شارون، شكرا على السلام وصحتين على الأمن". إن هذا الملصق الانتخابي يعبر عن الحالة النفسية الشعبية لدى المصوتين، بمن فيهم مصوتو شارون نفسه. ويمكن أن نجد اليقين التام بمواصلة الاحتلال والحرب ضد الفلسطينيين في أوساط المستوطنين المتدينين والمتشددين دينيا (الحريديم). هناك ثلاث مجموعات مركزية ستصوت لأحزاب اليمين المتطرف وهي: "هئيحود هلئومي" (الاتحاد القومي)، و "يهدوت هتوراه" و "شاس".

بيّن أحد استطلاعات الرأي الذي أجري في فبراير/ شباط 2002، أن 80% من المواطنين يعتقدون أن الوضع الاقتصادي في إسرائيل سيئ أو سيئ جدا، في مقابل 40% في العام 1996 و26% في العام 1992. إضافة إلى ذلك تظهر استطلاعات أخرى للرأي أن التشاؤم المذكور مصحوب بتفكير عقلاني ومعتدل أكثر، فيما يتعلق بالمدى الأبعد لدى معظم الجمهور. ففي استطلاع للرأي تم إجراؤه بتاريخ 30 أغسطس/ آب 2002، أيد 54% من المستطلع رأيهم إقامة دولة فلسطينية، مقابل 38% عارضوا إقامتها. وفي استطلاع تم إجراؤه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2002، أيد 62% من المستطلع رأيهم إخلاء عدد كبير من المستوطنات كجزء من اتفاقية سلام، في مقابل 44% من المستطلع رأيهم الذين أيدوا إخلاءها فور كامب ديفد وقبل اندلاع الانتفاضة. و58% إخلاء جميع المستوطنات من قطاع غزة. و64% يؤيدون التجميد التام لموضوع المستوطنات حتى الوصول إلى اتفاق. اليوم 54% يعتقدون أن المستوطنات تضر بأمن إسرائيل أكثر مما تساهم في الحفاظ عليه، في مقابل 35% يعتقدون العكس. 60% يعتقدون أن المستوطنات تضر باحتمالات السلام. و58% يؤيدون الانسحاب أحادي الجانب، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق من خلال المفاوضات بعد مرور عام على الانتخابات. أما الانسحاب مع إبقاء بعض الكتل الاستيطانية، لكن بما في ذلك تقسيم القدس. وهو موضوع كان حتى كامب ديفد بمثابة "طابو" في السياسة الإسرائيلية يعارضه اليوم 33% فقط.

يمكن القول إذا إن استطلاعات الرأي التي عرضناها أعلاه تعكس تفتّحا معينا في موقف الجمهور الإسرائيلي، خصوصا في موضوع الحل القومي المستند إلى القوة الذي يؤيده معسكر اليمين. أما التناقض فهو أن هذا التفتح لن يحول دون فوز شارون والأحزاب اليمينية في الانتخابات القريبة. لكن التقديرات تشير إلى أن الليكود سيفقد كثيرا من قوته بسبب فضيحة الفساد في انتخابات قائمته للكنيست، وخاصة الفضائح المتعلقة بشارون نفسه وبابنيه الاثنين. فوفقا لاستطلاعات الرأي الأخيرة خلال الشهر الماضي، وبعد أن تم الكشف عن فضائح شراء الأصوات وأعمال الفساد التي قام بها شارون، فقدَ الليكود حوالي 10 نواب. والحالة هذه سيكون صعبا جدا على شارون أن يقيم ائتلافا مستقرا مع الأحزاب اليمينية. إن حزب "شينوي" (تغيير)، وهو المستفيد الأساسي من ترك ليكود، لن يستطيع الانضمام إلى ائتلاف يميني في الأساس، بسبب معارضته المبدئية للأحزاب الدينية، وخصوصا "شاس" و"يهدوت هتوراه". في هذه الحالة سيكون حزب العمل مرة أخرى على مفترق طرق يحدد مصيره إلى حد بعيد، هل سيبقى مخلصا لبرنامجه السياسي المعارض المعتدل أم سينضم إلى الحكومة مرة أخرى برئاسة شارون؟ على أي حال من الواضح أن "العمل" في ظل قيادة متسناع لن يستطيع التنازل بسهولة عن موقفه في المعارضة، ويبدو أنه سيتجدد الصراع الداخلي بعد الانتخابات بين متسناع ومؤيديه من الحمائم وبين بن إليعازر ومؤيديه من الصقور. ولقد بدأنا منذ اليوم -أي قبل أسبوعين من موعد الانتخابات- سماع أصداء هذا الصراع عبر وسائل الإعلام المختلفة. إن هذا الخلاف الداخلي بين هذين المعسكرين حول مسألة الانضمام إلى الحكومة سيودي بحزب العمل دون أدنى شك، إلى حافة التشقق. اليوم قبل أسبوعين من موعد الانتخابات، من الصعب التنبؤ بسيرورة الأمور وتطورها، غير أن الاحتمال الأسوأ هو أن يصرف حزب العمل متسناع من بين صفوفه ويقرر الانضمام إلى الحكومة برئاسة بن إليعازر وبيريز.

وفي وضع كهذا من المتوقع أن نعيش فترة أخرى من تدهور الأوضاع البطيء في المناطق المحتلة، وهو وضع ليس بمقدورنا أن نتخيل ما هي نهايته وكيف ستكون. إن الاحتمال الواقعي الوحيد يتعلق بالتطورات بشأن الحرب في العراق. ونفترض أنه في أعقاب الحرب ستضطر الولايات المتحدة -وهي القوة العظمى الوحيدة ذات التأثير على حكومة اليمين الإسرائيلي- أخيرا إلى فرض نوع ما من الاتفاق على إسرائيل. فدون التدخل الأميركي سيتدهور الوضع الداخلي في إسرائيل إلى الأسوأ، خصوصا من ناحية اقتصادية. وهو ما سيؤدي إلى أزمة جديدة في المدى القريب، وسيقود بالتالي إلى سقوط الحكومة مجددا وإلى إجراء انتخابات جديدة. أما الاحتمال الثاني الممكن لحزب العمل، وهو أن يبقى مخلصا لبرنامجه السياسي ولا ينضم إلى الحكومة، فإن من شأنه تقصير أيام الحكومة المنتخبة أكثر فأكثر. إذ من دون حزب "العمل" و "شينوي" ستتألف حكومة يمينية مقلصة، ستضطر إلى الوقوف أمام جبهة داخلية واسعة تضم حوالي 50 عضو كنيست، ناهيك عن 10 ممثلين آخرين من الأحزاب الفلسطينية. ومن دون أغلبية مستقرة في الكنيست وفي صفوف الجمهور، سيكون من الصعب على هذه الحكومة أن تواجه الضغطين الخارجي والفلسطيني مدة طويلة. ونفترض أن حكومة شارون المقلصة ستصل مرة أخرى إلى نهاية طريقها في غضون أشهر معدودة.
_______________
* - كاتب وأكاديمي إسرائيلي ينتمي إلى اليسار الراديكالي.
ولد أودي أديب عام 1946 في كيبوتز صهيوني يساري، يتبع لحركة ميام.
وبعد حرب 1967 انتسب لحركات يسارية مثل "ماتسبين"، ودخل في نشاط سري مع مجموعة من النشطين الفلسطينيين (مجموعة داوود تركي). وبسبب ذلك فقد حكم عليه بالسجن لمدة 17 سنة.
درس في جامعة تل أبيب، وأكمل دراسته في جامعة لندن.
يعمل بالتدريس في الجامعة المفتوحة، كلية العلوم السياسية.
ناشط في حركات يسارية راديكالية متضامنة مع الشعب الفلسطيني.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة