مواقف المكونات العراقية من مسودة الدستور   
الأربعاء 1426/9/3 هـ - الموافق 5/10/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:14 (مكة المكرمة)، 9:14 (غرينتش)
 
 
على الرغم من كثرة التصريحات التي أدلى ويدلي بها زعماء الأطراف السياسية والمكونات الأخرى بشأن رفض الدستور أو قبوله، فإنه من الصعب جداً إعطاء تقديرات تقريبية عن الفارق العددي بين حجم الرافضين وحجم القابلين، لعدد من الأسباب:
  • أولها التباين بين الرافضين للدستور بصيغته الكاملة وبين المعترضين على عدد من البنود الواردة فيه.
  • وكذلك لسرعة المتغيرات في المشهد السياسي العراقي العام وكثرة الأخبار والتقارير الملفقة عن الموضوع.
 
 
مع كل هذا الغموض الحاصل في مواقف العراقيين إزاء مسودة الدستور، يمكن بوضوح تلمس مواقف للمكونات الدينية والعرقية ضمن إطار تأكيدات معلنة، وفي مقدمتها ما صدر عن المرجع الشيعي علي السيستاني على لسان ناطق باسمه في النجف أكد فيه أنه دعا العراقيين إلى التصويت لصالح ما ورد في الدستور، وذلك رغم أن أنباء أخرى نقلت عن مكتب السيد المدرسي أشارت إلى أن السيد السيستاني دعا فقط إلى المشاركة في الاستفتاء على الدستور لكنه لا يتدخل في خيارات الناس تجاهه.
 
ومن الطبيعي والحتمي أن تتبع الفتوى أيا كانت كل الأحزاب والتنظيمات الشيعية بما فيها التيار الصدري مع وجود استقلالية نسبية في ذلك، والواضح من المراجعة الدقيقة لما نشر أن للتيار الصدري وجهات نظر بشأن بعض البنود ومنها بند الفيدرالية، والتشريعات الخاصة بالأحوال الشخصية.
 
وبالمقابل يلاحظ أن هيئة علماء المسلمين أعطت موقفاً تركت فيه للعراقيين المشاركة في الاستفتاء أو عدمه مضيفة أن ذلك شأناً شخصياً للمواطن يحدده هو، لكنها لن تخفي موقفها من أن ما يتضمنه الدستور فيه الكثير مما يكرس الانقسام والتجاوز على هوية العراق العربية والإسلامية.
 
"
مواقف المؤسسة الدينية وتياراتها كانت واضحة في الدعوة لقبول الدستور أو رفضه لكن مواقف العشائر ما زالت غير مستقرة وخاضعة لاعتبارات مختلفة

"
وإلى جانب موقف هيئة علماء المسلمين هناك مواقف الوقف السني ومؤتمر أهل العراق والحزب الإسلامي ومنظمات إسلامية أخرى انصب اهتمامها على المشاركة في الاستفتاء على الدستور مع هامش واضح يفيد أنها ستصوت ضده. ويقع ضمن هذا التوجه أغلب الأعضاء المضافين إلى لجنة صياغة الدستور بموجب التسوية التي تمت تحت يافطة العرب السنة وفي مقدمتها ما يعرف بجبهة الحوار الوطني التي يمثل صالح المطلق دور المتحدث الرسمي باسمها، حيث أكدت علناً أن ما جاء في الدستور يتعارض مع وحدة العراق وهويته ومركزية الدولة، ونستطيع أن نتبين موقفين متكاملين في ذلك:
  1. الأول ما أعلنه المطلق من أنه بصدد جمع خمسة ملايين توقيع لرفض الدستور.
  2. والثاني انعقاد مؤتمر الأحزاب والمكونات السياسية في العاصمة الأردنية عمان.
 
ولعل أكثر التقاطعات بين رفض الدستور وقبوله يكمن في موقف العشائر العراقية، إذ لا يمكن إعطاء صورة ما عن هذه المواقف فهناك طروحات رؤساء العشائر وهي بالضرورة لا يمكن أن يكون لها تأثيرات كلية على مواقف أبناء العشائر أنفسهم وقد ظهر ذلك بشكل جلي في الانتخابات التي جرت في الثلاثين من يناير/ كانون الثاني الماضي، بالنسبة إلى الأصوات التي حصلت عليها قائمة غازي الياور التي تضم حازم الشعلان أيضاً، فالرجلان من زعماء عشائر كبيرة في شمال العراق وجنوبه لكن قائمتهما لم تفز بغير خمسة مقاعد في الجمعية الوطنية.
 
وعموماً تخضع أصوات العشائر والمناطق الريفية لأربعة اعتبارات:
  1. تأثير المرجعيات الدينية بالنسبة لعشائر الجنوب تحديدا.
  2. تأثير رؤساء العشائر في الحاشية الأكثر قرباً لرئيس العشيرة.
  3. تأثير بعض الأحزاب المشاركة في السلطة.
  4. الإغراءات المالية والخدمية.
والخلاصة من هذا التشخيص أن أصوات المناطق الريفية والعشائرية ستكون موزعة بين هذه الاعتبارات مع تأثير الهوامش العرقية


والجغرافية.
 
"
موقف منظمات المجتمع المدني محكوم بتأثير مرجعياتها العرقية والمذهبية والسياسية، فيما تبنت الأحزاب الصغيرة الكثيرة مواقف الأحزاب المؤثرة بالرفض أو القبول

"
وبالنسبة إلى منظمات المجتمع المدني فلابد من الاعتراف بأن التأثيرات التي تحكمها عديدة جداً وأغلبها في إطار سياسي وديني وعرقي وإن بدا في طروحاتها أنها تخوض في الحقوق المدنية العامة وهذا ما تبين في المنظمات التي تغذيها الأحزاب الشيوعية الثلاثة، الحزب الشيوعي اللجنة المركزية، والحزب الشيوعي القيادة المركزية، والحزب الشيوعي العمالي، وكذلك حركة الوفاق الوطني بزعامة إياد علاوي، والحركة الديمقراطية الآشورية.
 
أغلب تلك المنظمات مؤيدة للدستور مع اعتراضها على بعض البنود التي تتعلق بالأحوال الشخصية وحقوق تكوين المنظمات والأحزاب والاقتراب أو الابتعاد من العلمانية، مع ملاحظة أن أغلب منظمات المجتمع المدني نشأت في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية، وفي كردستان بينما تفتقر محافظات الأنبار وديالى وصلاح الدين (تكريت) ونينوى (الموصل) إلى بعض هذه المنظمات، ويلاحظ من خلال ما ينشر في وسائل الإعلام


التذبذب الحاصل في مواقفها مع أن بعضها يمثل آراء الأحزاب التي تغذيه. 
 
 
أما الأحزاب الأخرى فهي أصلاُ تخضع لعدد من الاعتبارات بشأن موقفها من الدستور، إذ إن جميع الأحزاب والمنظمات المنضوية تحت ما يعرف بالائتلاف العراقي الموحد الذي يقوده عبد العزيز الحكيم تتوجه أصواتها لصالح الدستور امتداداً لوجودها المعروف في لجنة صياغة الدستور نفسه من خلال رئاسته أو من خلال طروحاتها المعروفة. ويتناغم التحالف الكردستاني مع توجه الائتلاف، وإن كان ذلك بأطر عرقية معروفة، وقد أعلن ذلك مسعود البرزاني بشكل جلي عندما دعا جميع الأكراد إلى التصويت لصالح الدستور لكن ذلك لا ينفي وجود تيار ديني في منطقة كردستان لم يظهر بإيقاعات جلية، غير أن له تأثيرات معروفة في الأوساط الكردية لا تبلغ حد تشكيل قوة ذات أثر في مواجهة الحزبين الرئيسيين.
 
أما الأحزاب التركمانية فقد تباينت طروحاتها، فمنها ما يقع تحت تأثير المناخات السياسية الكردية ومنها ما يقع تحت تأثير الجبهة التركمانية التي تضم أربعة عشر تنظيماً تركمانياً عارض عدد منها الدستور بنصه الحالي، ومنها ما يخضع لتيارات طائفية، حيث يتخذ بعض التركمان الشيعة المنضوين تحت لافتة الائتلاف موقفه بشكل كامل بغض


النظر عن مواقف التركمان ذات الطبيعة العرقية.
 
 
والواقع أن جميع هذه التباينات في رفض أو قبول الدستور قد ظهرت بشكل واضح من خلال الصحف وأجهزة الأعلام العراقية المختلفة، والمؤكد أن ما نشر في وسائل الإعلام العراقية ومنها الصحف قد نقل وجهات النظر التي طرحتها الأحزاب السياسية والدينية والعرقية، ولم تشذ عن ذلك أية صحيفة، إذ كان الانحياز واضحاً بالقبول أو الرفض ولم يحصل أن ناقشت صحيفة من هذه الصحف الدستور بموضوعية أو بشكل محايد إلا في حالات قليلة، في حين انبرت أغلبية الصحف للترحيب بالدستور أو لمهاجمته. والغريب في الأمر أن الكثير من الصحف الصادرة في العراق استسهلت تناول الموضوع من خلال القراءات السياسية التي نشرتها صحف عربية وأجنبية.
 
"
لم تناقش وسائل الإعلام مسودة الدستور بشكل موضوعي ومحايد بل رحبت بالمسودة أو هاجمتها تبعا لخلفيتها السياسية وسعى معظمها إلى خلق رأي عاطفي مع الدستور أو ضده

"
كما أن ما أجري من استطلاعات نشرت في بعض الصحف ظهرت عليه علامات الانحياز
 بالرفض أو القبول تبعاً للاتجاهات السياسية الممولة للمراكز التي نظمت تلك الاستطلاعات وينطبق ذلك أيضا  على أراء الكثير من الأكاديميين الذين استفتتهم الصحف ووسائل الإعلام، وبذلك يمكن القول إن المواطن العراقي البسيط قد تعرض إلى ما يشبه غسيل المخ الفكري والسياسي إزاء الدستور من خلال الرؤية الجاهزة التي قدمت إليه.
 
أما بالنسبة لموقف المرأة من الدستور فيمكن رصد خطين متناقضين من الطرح
  1. أحدهما تمثله المنظمات النسائية ذات المنهج العلماني والتي انصب اهتمامها على ما يضمن حقوقها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتحذير من خطورة الطابع الديني والمذهبي.
  2. والخط الثاني تمثله المنظمات النسائية المرتبطة بالأحزاب الدينية والعرقية، وهذه المنظمات ما زالت مواقفها ضعيفة نسبياً بقدر ضعفها التنظيمي لكونها تمثل الواجهات لهذه الأحزاب فحسب.
إجمالاً يمكن القول إن المواطن العراقي وقع تحت تأثير ضخ إعلامي مشوش لم يعنه أصلاً على تبصر وفهم ما تناولته مسودة الدستور وهذا في حد ذاته يجعله أسير الصراعات التي يشهدها العراق حالياً في محاولة كسب أكبر الأصوات لصالح الرفض أو القبول علماً بأنه لا يحق للعراقي عندما يدلي بصوته إلا أن يوافق على الدستور كله أو يرفضه كله، وبذلك لا يكون


لصوته أهمية على صعيد التفصيلات التي ما زالت محط خلافات شديدة بين الأطراف العراقية.
_______________
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة