الحالة التونسية في ميزان لعبة الأقليات العرقية   
الأحد 1426/10/26 هـ - الموافق 27/11/2005 م (آخر تحديث) الساعة 11:57 (مكة المكرمة)، 8:57 (غرينتش)

برهان بسيّس

تونس وانسجام التعريب
الدولة الوطنية والانصهار الاجتماعي

لم يكن القرن السابع الميلادي مجرد تأريخ عابر لإطلالة الفاتح العربي الذي بدأت خيوله تتحسس تضاريس أرض جديدة بيزنطية العنوان بربرية الملمح، هي أرض أفريقيا التي خرجت إليها جيوش الفتح الإسلامي حاثة الخطى نحو رسم خريطة عالم جديد سيأخذ لاحقا هيكلته الإمبراطورية الممتدة، بل كان هذا التاريخ إشارة البدء لمضمون الهوية الجديدة التي ستسم منطقة المغرب كجزء غربي ثابت لعالم الإسلام، يتبادل مع هذه الهوية عناصر الخصوصية والتعريف ويرسم إلى حدود المعاصرة أسس الشخصية الأساسية لمجتمعات المغرب العربي الإسلامي.

تونس وانسجام التعريب

"
تبدو تونس المغاربية أكثر دول المغرب العربي انسجاما مع تعريبها التاريخي الذي لم يترك فرصة لبقاء أقلية بربرية مؤثرة في التركيبة الاجتماعية
"

لا يمكن أن نعرف إن كان موسى بن نصير يدري أن هزيمة الكاهنة -الرمز الأسطوري للممانعة البربرية- ستعني الاستقرار النهائي لتعريب المغرب. ولكن هذه اللحظة الدرامية لم تكن في الحقيقة سوى الإطلالة الحاسمة على الزمن العربي الإسلامي للمغرب الذي سيوقف وبشكل نهائي مسيرة التناوب الاحتوائي الذي عرفته المنطقة منذ العصور القديمة، بحيث بدت فيها عناصر مقاومة الغازي والمحتل أقل قوة وأكثر خفوتا من عناصر الاندماج والانصهار والتأقلم مع الآتي الفينيقي أو الروماني أو الإسلامي بفروعه العربية والتركية. لقد آل الأمر في النهاية إلى التعريب الإسلامي مفصلا مركزيا حاسما في رواية تاريخ المنطقة وحياكة حاضرها.

لكن نفس خيال ابن نصير أو ابن زياد أو ابن نافع لم يكن يتخيل حجم استمرارية جيوب المقاومة البربرية الممتدة في التاريخ ضد التعريب القسري الذي فشل وعاؤه الإسلامي في جعله مستساغا من قبل فئات من بربر المنطقة الذين لم يصنعوا من إسلامهم مذبحا لبربريتهم وقربانا للعروبة الوافدة.

جزائر ثورة نوفمبر/تشرين الثاني ومغرب العرش العلوي وليبيا الفاتح العروبي، وقفت جميعها في الطور المعاصر لتشكل مجتمعاتها ودولها على الأصداء المترددة للصوت البربري الأمازيغي وهو يخاطب الذاكرة وصناع الحاضر بلغة حقوق الأقلية وشرعية الاعتراف بالهوية البربرية لجزء من سكان المنطقة الذين حموا لغتهم وتقاليدهم من التعريب الاندماجي، بل حولوا هويتهم الأمازيغية إلى جزء من التنظّم السياسي الذي يرتوي في المشروع والخطاب والأهداف، بل وفي التحركات والاحتجاجات والانتفاضات، من مخزون الماضي البربري الأصيل، لينضاف حضورهم إلى بقية القطع المركبة للوحة الاندماج والتهميش في المغرب الكبير بمراتبها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

في هذا المجرى من التجاذب بين فكرة الأغلبية والأقلية في ملمحها العرقي، تبدو تونس المغاربية أكثر دول المغرب انسجاما مع تعريبها التاريخي الذي لم يترك فرصة لبقاء أقلية بربرية مؤثرة في التركيبة الاجتماعية بشكل بارز وقوي، رغم الحضور الأمازيغي الماثل في صياغة أقرب إلى الفولكلور المتجول عبر أروقة أنثربولوجية تترجمها لغة الفضاء والأمكنة والبناءات ومفردات اللهجة في بعض المدن التونسية.

تبدو تونس منسجمة مع عروبتها وكأنها لا ترضى لملحمة الإخضاع العربي للممانعة البربرية التي تمت على أرضها أن ترتد عن مكاسب الفتح العربي الإسلامي في الإدماج ليس الديني فقط بل والعرقي أيضا، رغم الإعجاب والتقدير الذي تكنه الهوية المعاصرة للتونسيين التي صاغتها دولة الاستقلال لسيرة الكاهنة وصمودها.. لعله إعجاب وتقدير لامرأة تونسية


تحملت مهام المقاومة والقيادة أكثر من إعجاب بقائدة بربرية قاتلت من أجل بربريتها ضد العرب والمسلمين.

الدولة الوطنية والانصهار الاجتماعي

"
لعبت الخلفية الفكرية والعقدية لنخبة الاستقلال وخصوصا الرئيس بورقيبة دورا بارزا في تذويب كل أشكال الانتماءات لفائدة الانتماء للوطن
"
على خلاف الجار الجزائري وبنسبة أقل المغربي لم يتهيأ للفضاء السياسي المعاصر الذي أنشأته الدولة الوطنية التونسية عوامل الاتصال بالخلفية العرقية للمكون الاجتماعي بالنظر إلى حالة التجانس السوسيولوجي الذي ورثته الدولة الناشئة وعملت عليه، بل وحولته إلى مكسب من مكاسبها ومعركة من معاركها ترجمه الخطاب البورقيبي حول وحدة الأمة التونسية وعبقرية الإنجاز البورقيبي الذي حول كتلة من البشر إلى شعب متكامل السيادة العضوية والوحدة الوطنية والشخصية المستقلة التي تعلو الانتماء القبلي والعشائري والفئوي.

لقد لعبت الخلفية الفكرية والعقدية لنخبة الاستقلال وتحديدا شخص قائدها الحبيب بورقيبة دورا بارزا في حالة الانسجام الاجتماعي المافوق عرقي أو عشائري، بالنظر إلى الأدلجة التحديثية التي ملكت هواجس بناة الدولة الوطنية التونسية وانصهرت بشكل قوي في مسار دولنة المجتمع وإخضاعه لسلطة بيرقراطية متعالية، تسمو عن الانتماء الفئوي وتصب كل ثقلها القانوني والقسري في مجرى تذويب كل أشكال الانتماءات لفائدة الانتماء للوطن الناشئ الذي يعبر عنه حزب قائد استلهم من عقيدة الحكم وبناء الدولة والمجتمع الحديث ومقولة القومية أو الأمة التونسية، عناصر شرعيته المتقاطعة مع شرعية زعيمه.

لم يكن الانخراط في التحديث بمظاهره المتنوعة من تغيير منظومة الأحوال الشخصية إلى إصلاح التعليم ووضع نواة الإدارة المركزية باستنساخ فرنكفوني بونابرتي، سوى الرافعة التي نهض عليها الاستثناء الاندماجي في تونس مقارنة بتجارب دول مثل الجزائر والمغرب لم يشر استقلالها ضرورة إلى حقبة تأسيس ثقافي جديد بالعمق الذي عرفته التجربة التونسية.

فقد غابت إرادة التحديث في هاتين الدولتين لأسباب وعوامل مختلفة منها ما يتعلق بشرعية النظام نفسه المرتبطة بالتقليد المخزني كالمغرب مثلا، أو للأصول العسكرية لنخبة الحكم الجديد المنزوعة عن هاجس التأسيس الثقافي في معناه الأيدولوجي العميق والخائضة في الرهان الحسي السطحي لمهمة بناء دولة دون أن يعنيها أو يشغلها مشروع بناء مجتمع، مما أدى في النهاية إلى انفجار كل التناقضات الكامنة في مجتمع طالما غفلت عن اعتمالاته الخافتة دولة انشغلت بأدلجة التحرير وظنت أنها تكفي لاحتواء المجتمع.

لكن هذا المجتمع انفجر بقوة تراكم همومه المتروكة وتناقضاته المتراكمة التي جذبت وراءها شبكة معقدة من ضحايا التهميش والإقصاء، بدت ضمنها ورقة الأقلية العرقية الأمازيغية تحديدا إحدى عناوينها الجذابة الساطعة.

سارت التجربة التونسية على حافة لعبة الإقصاء والإدماج دون أن تقع في مسربها العرقي أو تتورط في قالبها الأقلي، وهو مسار طبيعي ومنسجم مع تركيبة اجتماعية تونسية متجانسة على المستوى العرقي عركها تحديث الدولة ليعطيها شكل الهيكلة الاجتماعية الحديثة التي أكسبت طابعها الحديث لفائدة لوحة تناقضاتها وصراعاتها، فجاهد صراعها السياسي أن يكون امتدادا لحراكها الطبقي الناشئ في غمرة ورشة التحديث.

أعطى التحديث لتونس طبقة وسطى واسعة كانت بالفعل المكسب الرئيسي لمجمل الاختيارات الاقتصادية والثقافية لدولة الاستقلال، شكلت بعناصرها تموينا رئيسيا لمكونات الفضاء السياسي من أحزاب وجمعيات ونقابات، لم تلتفت ضرورة إلى أي خلفية فئوية عشائرية أو جهوية أو عرقية بقدر ما قارعت استبدادية دولة التحديث البورقيبي بذات آلياتها التحديثية من خلال التنظم الحزبي وخصوبة التجربة التنظيمية هيكلة وأفكارا وعقائد جعلت من التيارات السياسية التونسية -بما فيها تيار الإسلام السياسي- في مظهر الأبناء الشرعيين لمشروع التحديث البورقيبي الذي تعامل مع آلية الصراع والتناقض من خلال منظومة الولاء والمعارضة معزولة عن أي خلفية فئوية أو عرقية.

في مخيال التونسيين ترقد ميثولوجيا ماثلة بمعاني الوسطية والاعتدال والاندماج تمثلها شخصية سلطان المدينة أو الولي الصالح سيدي محرز بن خلف الذي تنسب له الرواية التاريخية حرصه على حماية حقوق الأقلية اليهودية من أبناء الحاضرة التونسية، وينسب له المخيال الشعبي إلى اليوم مناخ السلامة والأمان الذي تحياه تونس عدا لحظات غفت فيها بركات سيدي محرز فكان الطاعون ثم الاستعمار ثم انتفاضتا يناير/كانون الثاني 1978 و1984.

لكن لنقل اقتفاءً لأثر هذا المخيال العتيق لعلها بركات سيدي محرز بن خلف حرست تونس من شرور التناقضات الحادة بما فيها التناقضات العرقية، لكن لا بد لعيون سيدي محرز


المحترسة لتونسه أن تشتد يقظة أكثر وأكثر في مواجهة شرور العولمة الطارئة.
_______________
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة