مستقبل التحالف الهندي الإسرائيلي   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:30 (مكة المكرمة)، 16:30 (غرينتش)

* مدحت أيوب

منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي وتحديدا بعد مؤتمر مدريد للسلام في أكتوبر/ تشرين الأول 1991، أخذت العلاقات الهندية الإسرائيلية تتطور بشكل سريع في المجالات المختلفة، مما أثار تساؤلات كثيرة حول تأثير ذلك على الأمن العربي وعلى العلاقات الهندية العربية. ومن هنا تسعى هذه الدراسة إلى تناول نشأة العلاقات الهندية الإسرائيلية وتطورها ومجالاتها، وآثارها السلبية على الأمن العربي والعلاقات الهندية العربية.

- نشأة وتطور العلاقات الهندية الإسرائيلية
- التعاون العسكري الهندي الإسرائيلي
- أثر التعاون الهندي الإسرائيلي على القضية الفلسطينية

نشأة وتطور العلاقات الهندية الإسرائيلية

بعد انطلاق عملية التسوية السلمية بين العرب وإسرائيل بمؤتمر مدريد في أكتوبر/ تشرين الأول 1991 أعلن رئيس وزراء الهند ناراسيما راو (حزب المؤتمر) يوم 29 يناير/ كانون الثاني 1992 إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين الهند وإسرائيل، وتبادلت الدولتان السفراء.

غير أن هذا التاريخ كان نقطة تحول في هذه العلاقات ولم يكن بداية نشأتها، إذ ترجع هذه النشأة إلى اعتراف الهند واقعيا بإسرائيل (1) يوم 17 سبتمبر/ أيلول 1950 بموافقتها على تأسيس مكتب تجاري لها في بومباي -حيث توجد أقلية يهودية- ليشرف على هجرة يهود الهند والعراق وأفغانستان إلى إسرائيل، وهذا المكتب هو الذي تحول إلى قنصلية إسرائيلية في يونيو/ حزيران 1953 في أعقاب زيارة المدير العام للخارجية الإسرائيلية والتر إيتان إلى الهند عام 1952 لمناقشة الخطوات المطلوبة لإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين.

وتمثلت أهم المحطات في تاريخ البلدين منذ الستينيات على النحو التالي:

  • في عام 1962 وعندما اشتعلت الحرب بين الهند والصين طلب نهرو من رئيس الوزراء الإسرائيلي بن غوريون مساعدات عسكرية تمثلت في نوعيات محددة من الأسلحة الإنجليزية الصنع التي كان يستخدمها الجيش الهندي، مثل الهاون 81 مم و120 مم ومدافع الميدان 25 رطلا وذخائرها، وقد استجابت إسرائيل بسرعة للمطالب الهندية، ودعم هذا الموقف الهندوسي الداعي إلى تطوير العلاقات مع إسرائيل.
  • في عام 1963 قام عضوا حزب المؤتمر الهندي تي أس باهيتمان وشاكر رغو ناثان بتعليمات من نهرو بزيارة إسرائيل لدعم التعاون العسكري بين البلدين، ورداً على هذه الزيارة قام رئيس الأركان الإسرائيلي ديفد شالفيت بزيارة الهند، حيث قام بتوقيع اتفاقية عسكرية للتعاون الاستخباراتي والتدريبات المشتركة وتلبية احتياجات الهند العسكرية (في هذه الفترة كان هناك تعاون عسكري بين الهند ومصر في مجال تطوير مقاتلة التدريب النفاثة ومجالات دفاعية أخرى).
  • في عام 1965 وبمناسبة حرب الهند مع باكستان قدمت إسرائيل للهند كميات ضخمة من الأسلحة والمعدات العسكرية خاصة في مجال الصواريخ المضادة للدبابات وقذائف المدفعية وأجهزة الاتصالات. وفي 1967 أرسلت الهند لإسرائيل كميات ضخمة من قطع غيار مركبات القتال التي تحتاجها إسرائيل خاصة بالنسبة لدبابات إم إكس 13، وفي أعقاب هذه الحرب أرسلت الهند وفدا عسكريا إلى إسرائيل للوقوف على الخبرة الإسرائيلية في القتال على أكثر من جبهة وكذا تخطيط وتنفيذ العمليات البرية الشاملة.
  • تكثفت الزيارات بين المسؤولين العسكريين للبلدين في السنوات الثلاث الأخيرة من الستينيات، وكان أبرزها زيارة قائد سلاح الطيران الهندي لنظيره الإسرائيلي في مايو/ أيار 1970، وكان لهذه الزيارة ثمارها في الحرب التي شنتها الهند على باكستان في 1971 وأسفرت عن إنشاء دولة بنغلاديش، وفي هذه الحرب قدمت إسرائيل كميات ضخمة من ذخائر المدفعية والدبابات والصواريخ المضادة للدبابات.
  • بعد حرب 1973 تعددت زيارات الوفود الهندية لإسرائيل للحصول على خبرات الحرب الإلكترونية، وعقب غزو لبنان 1982 حرصت الهند على الحصول على الخبرة الإسرائيلية في مجال توجيه الضربات الجوية باستخدام طائرة الاستطلاع والإنذار المبكر الإسرائيلية E2C، وانعكس هذا في طلب الهند من إسرائيل تزويدها في التسعينيات بنظام فالكون للإنذار المبكر.
  • عقب فوز راجيف غاندي في انتخابات 1984 أخذت النزعة البراغماتية تطغى على سياسات حزب المؤتمر، فتكثفت العلاقات مع إسرائيل من خلال الاتصالات المباشرة. وقد ساعد على ذلك اتجاه الحرب الباردة إلى نهايتها ودخول الدول العربية في مفاوضات مع إسرائيل, ونشأت حاجة الهند إلى إسرائيل كي تدعم العلاقات الهندية مع الولايات المتحدة.
  • يوم 12 مارس/ آذار 1992 قام وكيل الخارجية الهندية جي إن ديكشت بزيارة لتل أبيب في أعقاب أحداث العنف في بومباي التي راح ضحيتها أكثر من 350 شخصا، كما قام وزير الدفاع الهندي الأسبق شارا دايا وار بزيارة لإسرائيل لمشاهدة معرض للتكنولوجيا الزراعية الدولية المقام هناك وشاركت فيه نحو 500 شركة هندية.

وبين زيارة بيريز للهند في أبريل/ نيسان 1993 التي وضعت أسس العلاقات بين البلدين في المجالات المختلفة وزيارته لها يوم 7 يناير/ كانون الثاني 2002 -لاسيما في ضوء توتر الموقف بين الهند وباكستان عقب حادث الهجوم على البرلمان الهندي يوم 13 ديسمبر 2001- سعت إسرائيل لتنسيق مواقفها مع الهند خاصة ضد باكستان وإيران بذريعة مقاومة الإرهاب. وبين هاتين الزيارتين يمكن رصد المحطات الآتية في تطور علاقات البلدين:

  • قفز ميزان التبادل التجاري بين البلدين من 202 مليون دولار عام 1992 إلى 1085.8 مليون دولار عام 2000، وكان بيريز أثناء زيارته الأولى في 1993 قد أبرم اتفاقيتين ومذكرتي تفاهم في مجالات الثقافة والسياحة والنقل الجوي والعلوم والزراعة والتكنولوجيا والاستثمارات الخارجية والتعاون الاقتصادي، كما قام وزير الزراعة الإسرائيلي أثناء زيارته للهند عام 1993 بتوقيع مذكرة تفاهم لنقل التكنولوجيا الزراعية من إسرائيل إلى الهند, وتخصيص 2000 هكتار للأبحاث الزراعية بجانب 50 ألف هكتار أخرى يجري العمل فيها بولاية مهارشترا الهندية من قبل خبراء إسرائيليين.
  • زار رئيس اتحاد الصناعات الهندي جمشيد إيراني إسرائيل في سبتمبر/ أيلول 1993، كما زار الهند في نفس العام وفد اقتصادي إسرائيلي مكون من عشرة أعضاء يمثلون اتحاد الصناعات الإسرائيلي برئاسة المدير التنفيذي لمجموعة دلتا جليل الصناعية إحدى كبريات شركات النسيج الإسرائيلية.
  • سعيا للاستفادة من المزايا التي حصلت عليها إسرائيل في الأسواق الأوروبية والأميركية بدخول المنتجات القادمة من إسرائيل بدون رسوم جمركية –شرط أن يكون 35% منها قيمة مضافة في إسرائيل- قام اثنان من رجال الأعمال الهنود المقيمين في أوروبا بإقامة مشروعين في إسرائيل: أحدهما للمنسوجات في منطقة بئر سبع بتكلفة 15 مليون دولار ويستورد احتياجاته من الغزل من الهند بقيمة 10 ملايين دولار سنوياً، والآخر خاص بحامض الكبريتيك بتكلفة 120 مليون دولار.
  • في عام 1994 تم توقيع اتفاق للتعاون الزراعي والعلوم والتكنولوجيا والبحث والتدريب، ومنحت الهند وإسرائيل كلاً منهما الأخرى ميزة الدولة الأولى بالرعاية، كما تم توقيع اتفاق لمنع الازدواج الضريبي وآخر في مجال الاتصالات، وأثناء زيارة الرئيس الإسرائيلي عزرا وايزمان للهند عام 1996 تم توقيع أربعة اتفاقات للتعاون الصناعي والزراعي والفنون والطاقة، وارتفع حجم التجارة بين البلدين حتى بلغ 994.4 مليون دولار عام 1999.
  • عقب زيارة وزير الداخلية الهندي أدفاني لإسرائيل في يونيو/ حزيران 2000 قام وزير الخارجية الهندي بزيارة تل أبيب يوم الثلاثين من الشهر نفسه، حيث اتفق مع نظيره الإسرائيلي على تأسيس لجنة وزارية مشتركة لمكافحة الإرهاب، كما اتفق الجانبان على الاجتماع كل ستة أشهر لإجراء مناقشات إستراتيجية مشتركة.
  • في أغسطس/ آب 2000 قام شمعون بيريز بزيارة الهند للحصول على دعمها في المباحثات التي كانت جارية مع الفلسطينيين تحت إشراف الرئيس الأميركي بيل كلينتون في كامب ديفد، كما قام المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية أموس بارون بزيارة نيودلهي في سبتمبر/ أيلول 2000 تحضيرا لإبرام صفقة عسكرية كبيرة من المعدات الإسرائيلية.

هدفت الهند من وراء تعاونها مع إسرائيل إلى تطوير علاقاتها الشاملة مع الولايات المتحدة، من ذلك مثلا أن رئيس الوزراء الهندي فاجبايي في زيارته للولايات المتحدة في سبتمبر/ أيلول 2000 في إطار قمة الألفية للأمم المتحدة، حرص على الحصول على دعم اللوبي اليهودي الأميركي في مباحثاته مع الإدارة الأميركية في مجال الحصول على احتياجات الهند الدفاعية أو التكنولوجية أو الاقتصادية, زاعماً أن الهند تقف في وجه ما أسماه بالإرهاب الإسلامي في جنوب آسيا، ومن ثم فهي في حاجة إلى الدعم والمساندة الأميركية في هذه المواجهة.

أيضا استطاعت إسرائيل أن توظف عنصر المهاجرين الروس إليها لتنفذ إلى الدول التي اعتمدت في منظماتها العسكرية على التسليح السوفياتي كالهند للدخول في عمليات تطوير هذه الأسلحة وتزويدها بما يلزم من معدات، وقد كان سقوط الاتحاد السوفياتي متزامناً مع نمو العلاقات الهندية الإسرائيلية.

وسعت إسرائيل من وراء تطوير علاقاتها مع الهند إلى الاستفادة من ميزة السوق الهندية الواسعة خاصة في المجالين العسكري والتكنولوجي، وإلى تحويل الهند من صديق إستراتيجي للعرب إلى صديق إستراتيجي لإسرائيل، وتنشيط جبهة باكستان الهندية لوقف أي احتمال لتطوير القدرات النووية الباكستانية كعنصر تهديد لإسرائيل.

التعاون العسكري الهندي الإسرائيلي

تعددت مجالات التعاون بين البلدين، رغم حرص الهند الدائم على التصريح بأن علاقاتها مع إسرائيل هي كعلاقة أي دولة معها في العالم، وأن ما يذكر عن التعاون في تقارير كثيرة عن تعاون إستراتيجي بين البلدين خاصة في المجال النووي لا يزيد على كونه تقارير إعلامية. ومن أبرز مجالات العلاقات بين الهند وإسرائيل المجالان العسكري والأمني.

المجال العسكري
في يوم 16 أبريل/ نيسان 1997 ضبطت السلطات السريلانكية أربع حاويات تحمل 18 طناً من مواد كيماوية تستخدم في صناعة غاز الأعصاب، وكانت هذه الحاويات قادمة من بومباي إلى إسرائيل
, فقد شمل التعاون العسكري بين البلدين مبيعات معدات عسكرية وأسلحة وتدريب وتطوير، وقد بدأت عمليات بيع الأسلحة والمعدات العسكرية كما ذكرنا في عام 1962 أثناء الحرب الهندية الصينية، وتطورت عام 1965 أثناء الحرب الهندية الباكستانية، ثم في الحرب الهندية الباكستانية في 1971، ثم أخذت هذه العلاقات تتنامى كوسيلة للحصول على التكنولوجيا الغربية والأميركية من البوابة الإسرائيلية.

وقد عرض الوفد الأمني المرافق بيريز أثناء زيارته للهند عام 1993 بيع نظام رصد وتحكم في النيران للدبابة الهندية أرغون، وتحديث الأسلحة والمعدات السوفياتية (دبابات ت 55 و62 و72 ومقاتلات ميغ 21) وإمداد الهند بذخائر المدفعية 155 مم وصواريخ مضادة للدبابات ونظم رادارية. وفي منتصف عام 1998 قررت الهند شراء 16 طائرة بدون طيار من إسرائيل من نوعيات هنتر وسكاوت بالإضافة إلى محطة تحكم خاصة بإدارتها. وعندما تفجرت أزمة كارغيل في كشمير يوم 26 مايو/ أيار 1999 وافقت إسرائيل على مطالب الهند من الأسلحة والمعدات والذخائر الإسرائيلية التي كانت الهند قد تقدمت بطلب شرائها قبل نشوب هذه الأزمة خاصة القنابل الجوية الموجهة بالليزر.

وعندما فرضت واشنطن عقوبات على كل من الهند وباكستان بسبب التفجيرات النووية عام 1998، تمكن اللوبي اليهودي من تمرير عملية بيع نظام إلكتروني إسرائيلي متقدم إلى الهند من إنتاج مصانع الطائرات الإسرائيلية IAI، وتغاضت واشنطن عن هذه الصفقة بعد أن كانت تعترض عليها.

وفي 29 مايو/ أيار 2000 نشرت مجلة ديفنس نيوز الأميركية أن الهند تسعى لشراء أنظمة دفاعية مضادة للصواريخ من إسرائيل، وأن سلاح البحرية الهندي يتفاوض على شراء أنظمة مضادة للصواريخ من مؤسسة الصناعة الحربية الإسرائيلية روفائيل، كما أن وزارة الدفاع الهندية مهتمة بشراء سبعة أنظمة من طراز باراك المضادة للصواريخ بتكلفة 25 مليون دولار لكل منها على أن يتم تسليمها في غضون عامين.

وفي يوليو/ تموز 2001 وقع البلدان على عقد بقيمة مليار دولار تزود إسرائيل بمقتضاه الهند بنظام رادار متطور وطائرات بدون طيار وتجدد لها عددا من طائرات سلاح الجو الهندي, ثم أعقب ذلك في يناير/ كانون الثاني 2002 وأثناء زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز إلى نيودلهي الإعلان عن صفقة قيمتها 250 مليون دولار لبيع طائرات رادار إسرائيلية من طراز فالكون.

وقد أقنعت إسرائيل الولايات المتحدة بأن تعاونها العسكري مع الهند يحقق للولايات المتحدة ثلاثة أهداف:

  1. استكمال تطويق إيران من الجنوب الشرقي تمهيداً لإخضاعها للسيطرة الأميركية أو ضربها إذا اقتضى الأمر.
  2. احتواء الصين القوة المرشحة لمنافسة الولايات المتحدة في القرن الحالي.
  3. قمع الحركات الأصولية الراديكالية في المنطقة.

ولم يقتصر مجال العلاقات العسكرية بين الهند وإسرائيل على الأسلحة والمعدات العسكرية التقليدية فحسب، ولكنه امتد إلى المجال النووي. ويرجع تاريخ التعاون النووي بين البلدين إلى عام 1962 عندما وقعا اتفاقاً للتعاون النووي بينهما يتم بمقتضاه تبادل الخبرات والمعرفة النووية وتنظيم الزيارات بين العلماء في البلدين، وقد قامت الهند بتزويد إسرائيل بمادة الثوريوم واليورانيوم التي توجد باحتياطيات كبيرة في الهند مقابل تزويد إسرائيل الهند بالتكنولوجيا النووية الجديدة والخبرات النووية. ومن أهم مجالات التعاون النووي بين البلدين: التعاون في مجال تصغير الأسلحة النووية، بما يعني إنتاج قنابل ورؤوس وقذائف نووية ذات أعيرة أقل، والتعاون في مجال التجارب النووية وفي مجال الصواريخ.

ويرجع التعاون في مجال التدريب العسكري إلى منتصف الثمانينيات حين تلقت فرقة قوات خاصة هندية تدريبات في إسرائيل على التعامل مع مختطفي الطائرات، ففي عام 1991 تلقى حوالي 100 ضابط من المخابرات الهندية دورة تدريبية في إسرائيل على مقاومة الإرهاب، وفي نفس هذا العام قام الموساد الإسرائيلي بتدريب مجموعة أخرى من رجال المخابرات والحدود الهندية. وفي يناير/ كانون الثاني 1997 وصلت إلى الهند عقب زيارة الرئيس الإسرائيلي لها عام 1996 بعثة من 30 عنصرا من المخابرات الإسرائيلية لتدريب نظرائهم الهنود.

وفي المجال التكنولوجي العسكري قام وفد عسكري هندي في يونيو/ حزيران 1996 بزيارة إسرائيل، وأبدى رغبته في الحصول على تكنولوجيا تطوير الصواريخ البالستية متوسطة المدى في مجال توجيهها، كما بحث إمكانية شراء 31 طائرة روبوتية من إنتاج إسرائيل. وقد نشرت صحيفة هندوستان تايمز (8/4/1997) تقريراً ذكرت فيه أن إسرائيل عرضت على الهند تزويدها بتكنولوجيا جديدة في مجال الصواريخ البالستية وأنظمة الإنذار المبكر وتطوير قواتها الجوية. وفي أثناء زيارة رئيس الأركان الهندي لإسرائيل في مارس/ آذار 1993 تم الاتفاق على أن تساعد إسرائيل الهند في تطوير طائرة بدون طيار من إنتاج الهند، وتحويل "شاسيهات" الدبابات الهندية إلى مدافع ذاتية الحركة، وتسهيلات لصنع عربة قتال مدرعة، والمشاركة في تطوير المقاتلة الهندية الخفيفة LCA. وبعد تولي حزب بهارتيا جاناتا السلطة في نيودلهي تدعمت علاقات الهند بإسرائيل في مجال التكنولوجيا العسكرية، وشملت مجالات التعاون الحصول على التكنولوجيا الإسرائيلية في مجالات الكمبيوتر والسوفت وير ورقائق الأمونيوم والمواد المركبة ومكونات صواريخ الدفع وأقمار التجسس.

وفي أواخر عام 1999 نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية تقريرا عن تعاون الهند وإسرائيل في تطوير طائرة تجسس هندية، كما أن التقارير الإعلامية كانت قد ذكرت عام 1998 أن إسرائيل طلبت من الهند استخدام إحدى قواعدها القريبة من الحدود مع باكستان من أجل توجيه ضربة ضد المجمع النووي الباكستاني.

المجال الأمني
حظي التعاون المخابراتي بأهمية خاصة في علاقات الهند وإسرائيل، وقد اتضح هذا من الزيارات المتبادلة بين رؤساء المخابرات الإسرائيلية ونظرائهم من المخابرات الهندية، وامتد هذا التعاون الأمني في تأكيد إسرائيل على لسان وزير خارجيتها بيريز أثناء زياراته للهند يوم 7 يناير/ كانون الثاني 2002 على تشابك المصالح الأمنية بين البلدين، وتداخل المعادلات الأمنية بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا. وبعد يوم واحد من أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 قام مستشار الأمن القومي الإسرائيلي عوزي ديان بزيارة الهند ليبحث مع نظيره الهندي ووزير الداخلية الهندي أدفاني والخارجية سينغ تبعات الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة، وليفتح آفاقاً أمام ما تعتبره الهند وإسرائيل مزيدا من التعاون المشترك بينهما. وفي أواخر يناير/ كانون الثاني 2002 حصل وزير المواصلات الهندي أثناء زيارته لإسرائيل على دعم إسرائيلي للهند في موقفها من الإرهاب الباكستاني على حد وصفهما.

وقد استفادت إسرائيل من الأحداث الطائفية التي شهدتها الهند وجعلتها تشعر أنها ليست في منأى عن خطر الإرهاب، وأنه يوجد بينهما أرضية مشتركة للتعاون حيث يتعرضان لنفس الخطر. وكان شمعون بيريز أثناء زيارته للهند في أبريل/ نيسان 1993 قد أعرب للهند عن استعداد إسرائيل لمساعدتها في قمع الإرهاب والأصولية الإسلامية، كما تبنى وجهة نظر الهند بشأن كشمير باعتبارها جزءا من الأراضي الهندية، كما نصح الهند بتغيير التركيبة السكانية في كشمير ضد صالح المسلمين.

وفي مجال التعاون الأمني تمد إسرائيل الهند بمعلومات عن باكستان ونشطاء الحركات الكشميرية، وهي المعلومات التي تجمعها من أقمار التجسس الإسرائيلية، وما تحصل عليه من الولايات المتحدة في إطار اتفاق التعاون القائم بين إسرائيل والولايات المتحدة، وذلك في مقابل وجود مخابراتي إسرائيلي في الأراضي الهندية. كما أشارت بعض التقارير إلى وجود مشروع تساعد فيه إسرائيل الهند في إقامة حائط عازل بين الهند وباكستان في كشمير يشمل موانع هندسية وأجهزة إنذار ورادارات وكاميرات مراقبة على طول 600 كلم.

أثر التعاون الهندي الإسرائيلي على القضية الفلسطينية

استمرت الهند على موقفها المبدئي الداعم للقضايا العربية، ففي كلمته أمام البرلمان في ديسمبر/ كانون الأول 2000 قال وزير الخارجية الهندي "إنني أنتهز هذه الفرصة لأؤكد من جديد التزامنا بقيام دولة فلسطينية ذات حدود معترف بها دولياً باعتبارها حقا شرعيا للشعب الفلسطيني يلبي طموحاته وتطلعاته، ونؤكد أيضا تأييدنا لجميع قرارات مجلس الأمن وخاصة القرارين رقمي 242 و338". إلا أنه ساوى بين الطرفين المعتدي (الإسرائيلي) والمقاوم (الفلسطيني) حين قال "ونطالب جميع الأطراف بالتوقف عن الأعمال الاستفزازية واستخدام القوة والتحريض على استخدام العنف". وهذا المؤشر يعني بداية تحول الموقف الهندي في النظر إلى أعمال المقاومة الفلسطينية, وقد يتجه مع استمرار نمو العلاقات الهندية الإسرائيلية إلى تبني وجهة النظر الإسرائيلية الأميركية في اعتبار أن أعمال المقاومة الفلسطينية هي أنشطة إرهابية، وإن كانت الهند مازالت تصوت لصالح القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة, وأمام لجنة حقوق الإنسان في جنيف يوم 18 أبريل/ نيسان 2001 والتي أقرت قضية انتهاك حقوق الإنسان في الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك فلسطين، وقرار حول حقوق الإنسان في هضبة الجولان السورية المحتلة، وقرار حول المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي العربية المحتلة، وموقف حقوق الإنسان بالنسبة للمعتقلين اللبنانيين في إسرائيل، فقد صوتت الهند في صالح هذه القرارات بما يؤكد التزامها بتأييد الموقف العربي.

وفي الجلسة رقم 55 للجمعية العامة للأمم المتحدة والتي عقدت في نوفمبر/ تشرين الثاني 2000 صوتت الهند في اللجنة الثانية الخاصة بالقضايا الاقتصادية والمالية لصالح القرار الخاص بالسيادة الدائمة للشعب الفلسطيني على الموارد الطبيعية في الأراضي المحتلة. وفي اللجنة الثالثة الخاصة بالقضايا الاجتماعية والثقافية والإنسانية وأيضا المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني صوتت الهند لصالح القرار. وفي اللجنة الرابعة الخاصة بالشؤون السياسية وإزالة الاستعمار صوتت الهند لصالح قرار مساعدة اللاجئين الفلسطينيين، وأيضا لصالح قرار يدعو الدول الأعضاء إلى تقديم المنح والبعثات الدراسية للاجئين الفلسطينيين، وكذا لعمليات هيئة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين، والملكيات الخاصة باللاجئين وعوائدهم المالية، وجامعة القدس للاجئين. كما صوتت لصالح عمل اللجنة الخاصة بالتحقيق في الممارسات الإسرائيلية ضد الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني والعرب الآخرين في الأراضي المحتلة، وإمكانية تطبيق اتفاقية جنيف التي تم إقرارها يوم 12 أغسطس/ آب 1949 فيما يتعلق بحماية الأفراد المدنيين وقت الحروب على الأراضي الفلسطينية بما في ذلك القدس والأراضي العربية المحتلة، بالإضافة إلى تصويتها ضد الممارسات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني وضد المستوطنات الإسرائيلية. وفي الجلسة الطارئة الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2000 والتي تناولت الأعمال الإسرائيلية غير الشرعية شرقي القدس المحتلة وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي المجلس الاقتصادي الاجتماعي للأمم المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه جاء تصويت الهند لصالح القرارات العربية.

غير أنه مع نمو العلاقات الهندية الإسرائيلية وقناعة الهند بأن إسرائيل هي بوابتها إلى السوق والإدارة الأميركيتين، وأن الدول العربية لن تكون جادة في ردود أفعال تؤثر على المصالح الهندية في المنطقة وأهمها حصولها على النفط العربي وتجارتها مع العالم العربي وتحويلات العاملين الهنود في البلدان العربية، كان هذا النمو في العلاقات الهندية الإسرائيلية -خاصة في بعديها العسكري والأمني- من شأنه تقوية الجانب الإسرائيلي، والمزيد من اختلال الميزان العسكري والإستراتيجي لصالح إسرائيل. كما أن هذا التعاون بين البلدين وما يؤدي إليه من تنشيط جبهة الصراع الهندية الباكستانية يؤدي إلى تحييد القوة الباكستانية في الصراع العربي الإسرائيلي، ويجر ذلك أيضا إلى تحييد القوة الإيرانية إذا ما انشغلت بالخطر القادم من الهند، مع ما تغذيه إسرائيل من محاربة الاتجاهات الراديكالية الإسلامية التي تمثل إيران واحدة منها.
ـــــــــــــــ
* رئيس القطاع الاقتصادي بالاتحاد التعاوني الاستهلاكي المركزي، جمهورية مصر العربية

- أهم المصادر:
1- أحمد محمد طاهر، "العلاقات الهندية الإسرائيلية وتداعيات 11 سبتمبر"، السياسة الدولية، القاهرة، أبريل/ نيسان 2002, ص 124.
2- حسام سويلم، "العلاقات الإستراتيجية بين الهند وإسرائيل"، السياسة الدولية، القاهرة، أكتوبر/ تشرين الأول 2000، ص 242.
3- حسام سويلم، "الشراكة الإستراتيجية بين الهند وإسرائيل"، دار نهر النيل، القاهرة، 2001، ص 12.
4- هشام بدوي، "تطور العلاقات الهندية الإسرائيلية"، السياسة الدولية، القاهرة، أكتوبر/ تشرين الأول 1993, ص 207.
5- سعيد عكاشة، "العلاقات العربية الهندية.. الآمال والطموحات"، السياسة الدولية، القاهرة، أكتوبر/ تشرين الأول 2001، ص 66.
6- حوار مع وزير خارجية الهند ووزير دفاعها، السياسة الدولية، القاهرة، أكتوبر/ تشرين الأول 2001، ص 82.
7- وزير خارجية الهند في البرلمان، صوت الشرق، القاهرة، يوليو/ تموز 2001.
8- دعم الهند للقضايا العربية والفلسطينية في المحافل الدولية، صوت الشرق، القاهرة يوليو/ تموز 2001.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة