مشروع تقسيمي هدفه تفتيت المجتمع والدولة   
الأربعاء 1426/9/3 هـ - الموافق 5/10/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:08 (مكة المكرمة)، 9:08 (غرينتش)

 

د. محمد الدوري

عرفت الأنظمة الدستورية أشكالا متعددة ومختلفة للاتحادات الفيدرالية عبر العصور، ويعود مرد هذه الاختلافات أساسا إلى الدوافع والأسباب وكذلك إلى البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وتتماثل الأطر العامة للاتحادات الفيدرالية لكونها تعني اجتماع إرادات الوحدات على الاندماج في شكل اتحاد يتم فيه توزيع للاختصاصات،  بحيث تكون ممارسة الاختصاصات السيادية للسلطة الاتحادية كالجيش والسياسة المالية والنقدية والسياسة الخارجية والتمثيل الديبلوماسي، وكل ما يتعلق بعلاقات الدولة في الشؤون الخارجية والحدود الدولية، في حين تبقى الاختصاصات الأخرى للسلطات المحلية. وعادة ما يحدد تقسيم الاختصاصات بموجب الاتفاق الذي يأخذ عادة شكل معاهدة تكون أساسا للدستور الاتحادي أو هي الدستور نفسه.

ولا توجد حالة واحدة في العالم لدولة موحدة مستقلة كانت أو تحت الاحتلال تحولت إلى دولة اتحادية كما هو الحال بالنسبة للعراق المحتل اليوم، الذي يراد له أن يتحول إلى دولة اتحادية على أساس إثني قومي  وطائفي ديني أو مناطقي.

السلطة التأسيسية
المضامين الاتحادية في مشروع الدستور العراقي
التقسيم على أساس إثني وطائفي

السلطة التأسيسية

وعن كيفية إعداد الدستور ومن يقوم بهذه المهمة الصعبة ومن يتحمل هذه المسؤولية التاريخية الخطيرة، هنا يتفق الفقه الدستوري على أنه لابد من سلطة تأسيسية تناط بها مهمة وضع مقترح للدستور ويطلق عليها الجمعية التأسيسية أو المجلس التأسيسي، وهي هيئة منتخبة إذ لا يجوز أن تكون معينة من قبل أي سلطة وينتهي عملها بانتهاء المهمة التي انتخبت من أجلها أي صياغة الدستور، وهكذا كان الأمر في دستور الولايات المتحدة الأميركية وكذا الأمر بالنسبة لدساتير كل من اليابان لعام 1947 والدستور الإيطالي لعام 1947 والدستور اليوغسلافي لعام 1956 باعتبارها دساتير اتحادية.

"
يتوجب أن يتولى كتابة الدستور مجلس تأسيسي منتخب خصيصا لهذه المهمة


"

لكن الاتجاهات الحديثة تخضع مشروع الدستور الجديد، سواء تم إعداده من قبل جمعية تأسيسية منتخبة أو جهة فنية أخرى معينة، للاستفتاء الدستوري بشرط أن يبدي الشعب رأيه في جو صحي ديمقراطي ويمارس حقه السيادي بحرية  تامة بدون أي ضغوط أومؤثرات من أي طبيعة كانت داخلية أم خارجية، وخلاف ذلك يعني تزوير إرادة الشعب وفرض نظام دستوري لا يعكس الإرادة الحقيقية للشعب في ممارسته لحق أصيل من حقوقه بمعنى أن يكون الناخب حرا تماما في اختياره. لذلك لا بد من فسح المجال الكافي والوافي وللفترة التي تحتاجها المناقشة الحرة الديمقراطية التي تسمح لجميع أحزاب وفئات وهيئات وأفراد المجتمع ودونما استثناء لأي شريحة ولأي سبب كان للمساهمة والمشاركة الفاعلة والواعية والاطلاع على جميع وجهات النظر والآراء المتباينة حول مضمون الدستور الجديد وتوجهاته حتى يتمكن الشعب من تحديد اختياراته.

وهنا لابد من إعادة التأكيد على أن الفقه الدستوري لم يناقش مطلقا فكرة إعداد أو صياغة أو وضع دستور في ظل الاحتلال العسكري، والسبب يعود إلى أن مثل هذا التصرف مشوب بعيب كبير وأساسي هو عيب غياب الإرادة أو فقدانها الذي يعتبر سببا لعدم الشرعية وعدم المشروعية في آن واحد، طبقا للعرف الدولي والقانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة.

غياب الشرعية
و
في ضوء ما سبق  نود أن نوضح  بعض المسلمات:

  • إن المرجعية القانونية للجنة إعداد وصياغة مشروع الدستور في العراق هو قانون إدارة الدولة الذي وضعته سلطات الاحتلال على عهد السفير بول بريمر باعتباره الحاكم أو المفوض السامي الأميركي في العراق، وهو قانون غير شرعي لأنه من وضع سلطات الاحتلال التي لا يحق لها أصلا التعرض للدستور طبقا لأحكام اتفاقيات جنيف لعام 1949، فهو أذا باطل والباطل لا يبنى عليه.
  • "
    مشروع الدستور العراقي هو مشروع الاحتلال بغض النظر عما فيه من إيجابيات أو سلبيات ولذلك فهو باطل لأنه مؤسس على باطل


    "
    مشروع الدستور هو مشروع الاحتلال للعراق بغض النظر عما يتضمنه من جوانب إيجابية، أو سلبية وهي كثيرة، وبذلك فهو غير شرعي سواء أعد بإشراف أو من قبل سلطات الاحتلال وفي زمن الاحتلال، فكيف إذا كانت بعض مضامينه خطيرة إلى الحد الذي تهدد معه دولة العراق كوجود وكهوية وكمستقبل بما في ذلك تغييرها إلى دولة اتحادية قابلة للتقسيم والاختفاء من الخارطة تماما ليتحول إلى أكثر من دويلة قزم، بحاجة دائمة لحماية سواء من دولة الاحتلال أو دول مجاورة.
  • إن عدم انتخاب جمعية تأسيسية تمثل جميع أطياف ومكونات الشعب العراقي لصياغة الدستور واقتصار اللجنة على فئات سياسية معينة تحكم العراق باسم الاحتلال وبدعم منه وبتدخل مباشر وحضور مستمر وفاعل له في جميع مناقشات اللجنة، يصب في عدم شرعية وقانونية عملها وما توصلت إليه من صياغة لمجمل المشروع.
  • إن أي تصويت من جانب الشعب العراقي كلا أو جزءا وبأي اتجاه كان لا يمكن الاعتداد به لكونه ناقص السيادة أو بالأحرى فاقدها بسبب الاحتلال الأجنبي، فهو مسلوب الإرادة أو أن إرادته مغيبة لا يمكن أن ترتب آثارا قانونية، ومن ذلك التصويت على الدستور أو أي انتخابات أو تصرفات تؤثر سلبا على مستقبل العراق وسيادته واستقلاله. وغياب الإرادة يكون مفترضا وواقعا في حالة الاحتلال العسكري.
  • يبدو أن مشروع الدستور وثيقة من تصميم وإعداد دولة الاحتلال وهو سبب مهم يدعو لرفضها لأسباب قانونية ومضمونية.

المضامين الاتحادية في مشروع الدستور العراقي

اعتمدت الفيدرالية كأساس لمشروع الدستور على مصدرين أساسيين:

  1. الأول هو ما سمي بقانون الإدارة الانتقالية وضعه أحد أساتذة القانون الدستوري في إحدى جامعات نيويورك.
  2. أما المصدر الآخر فهو مشروع متكامل للدستور قدمته الإدارة الأميركية إلى لجنة صياغة الدستور كما أشار عضو لجنة الصياغة السيد محمود عثمان.

كما أن فكرة الفيرالية كانت طرحت من قبل الأحزاب الكردية واعتمدت، بالرغم من اعتراض الفصائل ذات التوجهات القومية العروبية، في مؤتمرات لندن وأربيل ونيويورك وواشنطن التي مولتها وأشرفت عليها الولايات المتحدة الأميركية.

أما أهم التبريرات التي قدمها مؤيدو الفيدرالية فهي:

  • كونها نظاما سياسيا يؤمن العدالة للمناطق التي تضررت خلال فترة ما قبل الاحتلال، ويفتقر هذا التبرير إلى الحجة القانونية والسياسية كما يفتقر إلى أي سابقة يمكن الرجوع إليها.
  • الإشارة إلى الدستور السويسري والدستور الأميركي والدستور الألماني وغيرها من الدساتير الاتحادية لدعم وجهة نظرهم في اختيار هذا النظام الدستوري.

كل ذلك ليس أكثر من جهل متعمد بتاريخ هذه الاتحادات وبالظروف الجيوسياسية والتاريخية التي تمخضت عنها هذه الأنظمة، ويكفي أن أشير إلى أنها جميعا لم تكن قبل اختيارها الفيدرالية دولا مركزية بل هي مجموعة من الدول أو الأقاليم أو الكانتونات اجتمعت وقررت التوحد في أطر أنظمة اتحادية مختلفة، كل حسب رؤيته ومصلحته وظروفه.

"
إن مطالب الطائفية السياسية بالفيدرالية أمر مستفز وغير مبرر وطنيا ولا يستند لغير منطق التعصب والمصالح الفئوية


"
الحقوق القومية

لدى الأكراد فرصة نادرة وسانحة لاستكمال  مشروعهم في دولة كردية دونما أدنى اكتراث لمصلحة كل الشعب العراقي الذي أعلن في أكثر من مناسبة تمسكه بوحدة أراضيه، لكن قد يكون هذا الأمر مستبعدا في الوقت الراهن لأسباب جيوبوليتيكية إقليمية وحتى دولية، إضافة إلى أن الأكراد مازالوا يفتقدون السند التاريخي لإقامة دولة كردية في هذه الدول ومنها العراق البلد الوحيد الذي لبى المطالب الكردية في حكم ذاتي اعترف لهم فيه بحقوقهم القومية وطبق جزءا مهما منها.

وكون "الأكراد" قومية قائمة بحد ذاتها فهذا أمر لا يقبل النقاش ولا ينازعهم فيه أحد، لكن ذلك لا يعتبر سندا قانونيا كافيا للمطالبة  بالانفصال أو حتى تقرير المصير، فمعظم دول العالم تتكون من قوميات وأقليات قومية كبيرة وصغيرة لا تطالب لا بالفيدرالية ولا بحق تقرير المصير، بل تكتفي بالحصول على حقوقها التي يضمنها لها القانون الدولي والدساتير الوطنية، من مساواة وعدالة وممارسة لحقوقها الثقافية والسياسية والاقتصادية في إطار ديمقراطي دستوري.

إن تطبيقا سليما لنظام الحكم الذاتي في منطقة كردستان العراق وتطبيق النظام اللامركزي في بقية مناطق العراق الأخرى يعتبر كافيا من وجهة عموم الشعب العراقي لبناء عراق المستقبل، في ظل المساواة التي يجب أن يضمنها الدستور المتفق عليه من قبل جميع أطياف وتكوينات الشعب العراقي دونما تمييز.

لذلك تبدو مطالبة الطائفية السياسية من غير الأكراد بالفيدرالية أمرا مستفزا غير مقبول وغير مبرر وطنيا ولا يستند إلى أى منطق غير منطق التعصب الطائفي وتغليب المصالح الطائفية الفئوية وتنفيذ رغبات الاحتلال. كما أن مشكلة التنمية والتخلف في المناطق التي يطالب البعض بالفيدرالية لأجلها، والتي استندوا إليها في تبرير طروحاتهم فهي مشكلة جميع مناطق العراق وليس منطقة بحد ذاتها، كما أن حل هذه المشكلة  لا يكون بالفيدرالية بل سيكون بيد الجمعية الوطنية المنتخبة والحكومة التي يفترض أن تضع الخطط التتنموية لجميع مناطق البلاد مع وضع أولويات لتطوير المناطق التي هي بحاجة ماسة إلى تطوير أكثر من غيرها.

المنطق الذرائعي
إن تقسيم العراق على أساس طائفي إلى ثلاث دول تكون فيها دولة الجنوب الأغنى من حيث الثروة والأقوى في التأثير السياسي كمبرر مقنع لأهالي المنطقة لقبول فكرة الاتحاد، هو منطق ذرائعي نفعي غير مقبول أخلاقيا بين أبناء الشعب الواحد الذي يتطلع لتحرير أرضه من ربقة الاحتلال وتسخير ثروات البلاد لمصالحه.

إذن الفيدرالية في العراق ليست توحيدية كما يدعي المدافعون عنها، إنها تقسيمية إذ ستنتهي إلى فيدرالية دويلات لمدن الطوائف التي ستزيد من تعقيد المشاكل القائمة بسبب الاحتلال، كما ستزرع روح الأنانية والفرقة والتناحر وتنشئ مصالح ذاتية جديدة على مستوى المدينة بحيث يتحول الانتماء الوطني انتماء إلى المدينة وسيلغي الهوية الوطنية لتحل محلها  هوية المدينة وهوية الطائفة.

مشروع الدستور الجديد مبني أساسا على هذا التوجه التقسيمي الخطير الذي تكرسه ديباجته الغريبة من حيث الأسلوب والمضمون والتي تبدأ بزرع الفتنة والضغينة وإثارة النعرات الطائفية والإثنية وكأنها تريد ابتداء زرع بذور الشر والاقتتال والثأر والانتقام وتبشر بالانفصال والتجزئة على خلاف ديباجات الدساتير الفيدرالية. وذلك من خلال الدستور الذي نقرأ فيه: "مستذكرين مواجع القمع الطائفي... استباحة المدن المقدسة والجنوب... وعذابات القمع القومي"، لينتهي إلى "التطلع بثقة نحو المستقبل من خلال نظام جمهوري... اتحادي... إن الالتزام بهذا الدستور يحفظ للعراق اتحاده".

لماذا لم يتم الاستفادة من تجارب الشعوب التي وضعت لنفسها في التسامح والمصالحة وسيادة القانون وحفظ الحقوق والديمقراطية والانتخابات الحرة طرقا للمستقبل كما كان عليه الحال في جنوب أفريقيا أو في دول الاتحاد السوفياتي سابقا؟

التقسيم على أساس إثني وطائفي

استهل مشروع الدستور مادته الأولى  ليكرس الفيدرالية كنظام للحكم على حساب وحدة المجتمع والدولة وهو في ذلك يهدف إلى التأسيس لثقافة التقسيم والتجزئة ودق أخطر إسفين دائم بين أبناء الشعب الموحد من خلال وضع أسس إثنية وطائفية ومناطقية، ويبرز ذلك واضحا من خلال ما ورد في مادته الثالثة التي تركز على كون العراق بلدا متعدد القوميات والأديان والمذاهب التي وردت عناوينها وأسماؤها بالتفصيل بالديباجة.

وهنا لا يمكن أن نتفق مع من يقول بأن التركيز على الإثنية والطائفية إنما يهدف للتوحيد بين أبناء الشعب وتوفير حماية للأقليات أيا كانت، خاصة أن العراق يمر في فترة تاريخية حرجة كان يجب أن يشار إليها في الديباجة كأسوأ مرحلة في تاريخ العراق المعاصر، واعتبار التحرير الهدف الإستراتيجي الذي ينبغي على جميع أبناء الشعب العراقي بغض النظر عن انتماءاتهم التوحد حوله ومن أجله.

أما النقطة الأخطر في المشروع فهي التركيز على أن عرب العراق  "دون العراق" ينتمون إلى الأمة العربية، والتي حل محلها أن العراق عضو مؤسس في الجامعة العربية ويلتزم بقرارتها فهي لا تعني أكثر من أن العراق ككيان وكوجود وكدولة لا ينتمي إلى هذه الأمة وغير معني بها. وتبرير ذلك هو وجود أجناس أخرى غير عربية ترفض مثل هذا الانتماء الذي يسلبها هويتها الطائفية أو الإثنية، وهذا يبرر مطالبتها بدولة فيدرالية لضمان حقوقها القومية وكأن الدولة الموحدة لا يمكنها تقديم هذه الحماية لهذه لأقليات.

"
قسّم الدستور الشعب العراقي إلى مكونات كما أنه جعل من القوات المسلحة نموذجا للانقسام بدلا من أن تكون بوتقة لترسيخ الوحدة


"
تلغيم النص

أما ما يكرس التوجه التجزيئي التقسيمي فهو ما ورد في الفقرة الأولى من المادة التاسعة والمتعلقة بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، التي كما يشير النص، يجب أن تتكون من مكونات الشعب العراقي (الإثنية طبعا والطائفية) وذلك يعني تخصيص حصص لكل هذه المكونات. فبدلا من أن تكون القوات المسلحة العراقية كما كانت دائما بوتقة لصقل وحدة أبناء الشعب العراقي يضع الدستور لغما في أخطر مفصل من مفاصل المجتمع ليكون جاهزا للاستخدام في أي لحظة.

وتستمر الإشارة إلى مكونات الشعب العراقي التي يراد لها أن تكون سببا وطريقا للقضاء على وحدة العراق والقضاء على هويته العروبية من خلال نص آخر يؤكد أن علم العراق وشعاره ونشيده الوطني ينظم بقانون بما يرمز إلى هذه "المكونات"، وهذه كلمة حق يراد بها باطل وكأن الديقراطية التي يكرسها مشروع الدستور نفسه لا تكفي لضمان حقوق جميع هذه المكونات.

أما بالنسبة للملاحظات على "السلطات الاتحادية" الواردة في الباب الثالث من المشروع، فمنها التركيز على عدالة توزيع المنح والمساعدات والقروض بموجب استحقاقات الأقاليم، والذي يهمنا هنا هو معاني كلمات "توزيع"  "واستحقاقات" و"اقتسام" و"النسب المقررة" الواردة في المادة (104), والتي يجب ألا ينظر إليها أبدا بحسن نية. إذ لا يوجد في العراق من لا يريد العدالة والمساواة لجميع العراقيين في جميع أرجائه، كما لا يوجد من بين المخلصين من لا يتمنى انتخاب حكومة عادلة ترعى شؤونه دونما تمييز من أي طبيعة كانت، لكن التركيز على توزيع الحصص والمحاصصة والاستحقاقات والنسب يعني وضع بذور الطمع وتغليب المصالح الخاصة واحتمالات التنازع على من يستحق حصة والأقاليم  وأي المعايير يجب اتباعها في التقسيم  بدلا من التأكيد على تغليب المصلحة العامة.

صناعة غربية وغريبة
لا يبدو أن هناك صعوبة في فهم الدوافع الحقيقية من وراء وضع نصوص كهذه والجهات التي تقف وراءها، خاصة أن المشروع وكما هو واضح صناعة غربية وغريبة عن العراق لا يهمها غير مصالحها.
أما الأمر الأكثر خطورة فهو ما كرسته المادة (110) المتعلقة بشؤون النفط والغاز، وهي الثروة الوطنية الأساسية، للعراق والتي تشير إلى   إدارة حقول النفط الحالية المشتركة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم، كما تشير إلى توزيع الواردات على أساس التوزيع السكاني وتحديد حصة للأقاليم المتضررة.

إن هذا التوجه، كما هو بالنسبة لإشراك الأقاليم في رسم السياسات الإستراتيجة لتطوير الثروة النفطية، يمثل ذروة ما يمكن أن يصل إليه الفكر التدميري التجزيئي لبلد ما، وينطبق عليها رأينا في الفقرة السابقة من كونها قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر عاجلا أو آجلا لما تتضمنه من تفكيك للحمة هذا البلد لصالح أفكار شوفينية إقليمية مناطقية طائفية.

أما بشأن حقول النفط التي سيتم اكتشافها واستغلالها لاحقا فلم تتم الإشارة إليها صراحة إذ تمت الإشارة إلى الحقول التي تنتج حاليا ولذلك تفسيرات عدة وكلها تصب في مصلحة المطالبين بتشظية العراق وتقسيمه بين محتل ومتعاون معه. الموضوع كله باختصار توزيع مغانم بين جهات معروفة مكافأة لها على حسن صنيعها مع المحتل وعقابا لمن قاوم المحتل بحرمانه من ثروة بلده، بالرغم من كونه يملك حقا مساويا للآخرين في وطنه، وفي ذلك مخالفة واضحة لبعض مضامين مشروع الدستور ذاته ناهيك عن كونها تشكل خرقا فاضحا لمبادئ الديمقراطية في العدالة والمساواة ومبدأ عدم التمييز.

"
صلاحيات الأقاليم غريبة على النظم الفيدرالية وتصل إلى حد تأسيس مكاتب في السفارات في تشظية واضحة لمفهوم السيادة


"

التهيئة للانفصال
أما بشأن الباب الخامس المتعلق بسلطات الأقاليم فإن فلسفته قائمة على نقطة واحدة وهي تهيئة الأقاليم للاستقلال، ويكفي في ذلك النظر إلى المادة التي تتحدث عن أقاليم ومحافظات لا مركزية وإدارات محلية وعاصمة باتجاه واضح لتثبيت أحقية الأقاليم في تقرير مصيرها مستقبلا. كما أن صلاحيات الأقاليم كما وردت  غريبة حتى عن المفهوم الفيدرالي في إعطائها الحق في تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الإقليم، وتخصيص حصص عادلة  للأقاليم، بدون الإشارة إلى مكونات الدولة الأخرى من مدن أو محافظات، من الإيرادات الاتحادية على أساس مواردها وحاجاتها ونسبة السكان فيها.

والأغرب من ذلك كله هو إيراد نص في هذا الباب سيكون محل تساؤل من قبل المتخصصين في القانون الدستوري يتعلق بتأسيس مكاتب للأقاليم والمحافظات في السفارات والبعثات الدبلوماسية..... ولا يمكن فهم هذا النص إلا بكونه ترضية للأكراد الذين يرغبون حتما بتهيئة الكوادر الكردية ومن الأقاليم الأخرى التي تنوي الانفصال وتهيئة المجتمع الدولي لقبول الواقع العراقي الجديد لكونه مرشحا لأن يكون مجموعة دول في أقرب الآجال.

بقي أن نعرف معنى مضمون الفقرة الخامسة من المادة 118 والمتعلق بـ"قوى الأمن الداخلي" (كالشرطة والأمن وحرس الإقليم)، التي وردت على سبيل المثال لا الحصر بمعنى أن هناك إمكانية إنشاء قوى أمن أخرى في الأقاليم، وفي ذلك تأكيد على تهيئة هذه الأقاليم لكي يكون لكل منها جيشها وما استمرار قيام المليشيات الحالية بدور عسكري في المنطقة الكردية والمناطق الأخرى إلا خير دليل على ذلك.

ويسير المنهج "الاتحادي" للدستور في تحقيق التجزئة والانفصال، إذ تقضي المادة 120 بجواز تفويض سلطات الحكومة الاتحادية الورادة في الباب الرابع للمحافظات، دون الإشارة للأقاليم، ولا يمكن أن يذهب التفسير إلا باتجاه واحد هو تهيئة وتشجيع بعض المحافظات مجتمعة أو منفصلة لكي تكون أقاليم تمهيدا للحاق بركب الأقاليم الأخرى وتهيئتها للانفصال عن الدولة، خاصة أن بإمكانها ممارسة اختصاصات الحكومة الاتحادية.

أما المادة الثالثة والعشرون بعد المائة من المشروع المتعلقة بتعديل الدستور وخاصة الفقرة الرابعة فتقضي بعدم المساس بدساتير الأقاليم -استكمالا لشروط استقلالها- بما ينتقص من صلاحيات الأقاليم إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني وموافقة أغلبية سكانه باستفتاء عام   في الإقليم نفسه، دونما اكتراث لمصلحة عموم الشعب العراقي في حالة اقتضائها خلاف ذلك وهو أمر لا يخرج عن فلسفة التجزئة وإنهاء العراق التي بني عليها مشروع الدستور الحالي.

وفي الختام هل تملك هذه الفيدرالية شروط ديمومتها؟ قد يكون ذلك ممكنا على الأمد القصير لكن الشعب العراقي الواعي لما يدبر ضده سوف يلغي هذا الدستور الذي لا يملك شرعية لكونه لا يعبر عن إرادته الحرة بقدر ما يعبر عن إرادة الاحتلال ومريديه. ولذلك سوف تكون الفيدرالية، بعد وقت سوف لن يطول، جزءا من الماضي لأنها لا تلبي طموحات غالبية الشعب العراقي العربي الموحد الهوية بتاريخه وانتمائه وثقافته. لكن ذلك سوف لن يكون أمرا سهل المنال بعد كل الدمار الذي ستخلف سياسة "فرق تسد" التي أراد الاحتلال زرعها من خلال مشروع الدستور.
_______________
أستاذ القانون/ سفير العراق السابق لدى الأمم المتحدة

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة