الاتحاد المغاربي.. بين الافتراض والواقع   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:25 (مكة المكرمة)، 16:25 (غرينتش)

* بقلم/ عبد النور بن عنتر

اعتادت الأدبيات العربية المتخصصة في العمل العربي المشترك على نوع من التحليل الافتراضي بمعنى أنها تتحدث عن هذا الأخير وكأنه بنى إقليمية قائمة ومجسدة على أرض الواقع. والحقيقة أن مؤسسات العمل المشترك بقيت حبراً على ورق مما جعل هذه الأدبيات يغلب عليها الطابع الأيدلوجي وتعداد المقومات العربية الخاصة أو القواسم المشتركة, وتتحدث عن العالم العربي وكأنه وحدة سياسية منسجمة لها نفس المصالح، وبالتالي ابتعدت هذه الأدبيات عن واقع تطبعه سلوكيات دولتية تحكمها اعتبارات وطنية محضة.

العمل المغاربي المشترك
معوقات العمل المغاربي المشترك
تفعيل الاتحاد المغاربي

خاتمة.. نحو حوار جزائري مغربي

العمل المغاربي المشترك


تميزت الحركات الوطنية في المغرب العربي ببعدها الوطني أولاً ثم الإقليمي المغاربي ثانياً وهذا ما يفسر غياب الصراع بين الدولة القطرية والقومية

السياق التاريخي:
على عكس التجمعات الإقليمية العربية الأخرى مثل مجلس التعاون الخليجي الذي كان وليد هواجس سياسية وأمنية حديثة جداً، فإن الوعي الإقليمي بوحدة المغرب العربي بدأ يتبلور في إطار الحركات الوطنية المغاربية منذ مطلع القرن العشرين عندما بدأ مفهوم المغرب العربي يتكوّن سياسياً، إذ دأبت حركات التحرر في تونس والجزائر والمغرب على التأكيد على البعد المغاربي لما بعد الاستقلال.

وعلى عكس الحركات الوطنية العربية في المشرق التي اتخذت بعداً قومياً حيث نادت بتأسيس الدولة العربية الموحدة دولة الاستقلال، تميزت الحركات الوطنية في المغرب العربي ببعدها الوطني أولاً ثم الإقليمي المغاربي ثانياً. وهذا ما يفسر غياب الصراع بين "الدولة القطرية" والقومية، إذ لم تعرف الدول المغاربية ذلك الهجوم على "الدولة القطرية"، وحتى هذا التعبير لا أثر له في الأدبيات المغاربية التي تتحدث عن الدولة الوطنية، وعليه فبناء المغرب العربي لم يوضع إطلاقاً قبل بناء الدولة الوطنية مما حال دون أي صراع أيدلوجي بين التوجهات المحلية (الوطنية) والإقليمية (المغاربية)، على عكس ما حدث في المشرق.

واستمر تبلور مفهوم المغرب العربي كوحدة إقليمية خلال العقود المتتالية، وكانت إحدى مراحله التأسيسية مؤتمر المغرب العربي الذي انعقد بالقاهرة في فبراير/شباط 1947. لكن السنة التاريخية تبقى عام 1958 لأهميتها بالنسبة للوعي السياسي المغاربي، حيث انعقد مؤتمر طنجة يوم 26 أبريل/نيسان 1958 بالمغرب والذي ضم ممثلين عن حزب الاستقلال المغربي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية وحزب الدستور التونسي.

عقد هذا المؤتمر بعد استقلال المغرب وتونس في حين كانت الثورة الجزائرية لا تزال متواصلة. ويعتبر المؤتمر بداية التأريخ للمشروع الإقليمي المغاربي, خاصة أن قضية توحيد الجهود في مواجهة السوق الأوروبية المشتركة الناشئة كانت من بين القضايا التي تطرق إليها المؤتمر الذي يعبر عن وعي سياسي يفوق بكثير من حيث الرؤية الإستراتيجية وعي النخب المغاربية الحاكمة حالياً. ولا نبالغ إن قلنا إنه حدث تراجع في الوعي السياسي المغاربي مقارنة مع تلك الحقبة.

لم يتحقق حلم زعماء الحركات الوطنية المغاربية، فما إن استقلت الدول المغاربية حتى بدأت الخلافات السياسية لاسيما بسبب الخلافات الحدودية. ودخلت المغرب والجزائر في "حرب الرمال" (أكتوبر/تشرين الأول 1963) بسبب مطالب ترابية مغاربية على حساب الجزائر. ولكن هذه الحرب لم تمنع الدول المغاربية من محاولة إرساء قواعد للتعاون الإقليمي، فقد أنشئ المجلس الاستشاري المغاربي الدائم عام 1964 بين الجزائر والمغرب وتونس، والذي يعتبر أول مشروع ملموس للتعاون الإقليمي مغاربياً. وكانت أهم أهدافه: تنسيق السياسات الاقتصادية والجمركية، وضمان حرية تنقل البضائع الصناعية، وتنسيق السياسات في مواجهة الشركاء التجاريين لاسيما السوق الأوروبية المشتركة. والتحقت ليبيا بهذا المجلس ثم تلتها موريتانيا، ليصبح أول بنية إقليمية جمعت دول المغرب العربي الخمس.

لكن هذه التجربة الأولى في البناء الإقليمي المغاربي سرعان ما أجهضت من جراء الخلافات السياسية بين الدول المغاربية وأجواء الحرب الباردة والصراع العربي الإسرائيلي والصراعات العربية العربية (الجزائر في المعسكر التقدمي والمغرب في المعسكر المحافظ) التي ألقت بظلالها على العلاقات البينية المغاربية.

وشهد مطلع السبعينات نوعاً من التحسن في العلاقات المغاربية لاسيما الجزائرية المغربية مما أسهم في حل الخلافات الحدودية, حيث وقعت الجزائر مثلاً اتفاقاً مع تونس في فبراير/شباط 1970 وآخر مع المغرب في يونيو/حزيران 1972 (لكن الرباط لم تصادق عليه إلا في عام 1989). ولكن هذا الانفراج في العلاقات المغربية سرعان ما غمره التوتر السياسي من جديد بين الجزائر والمغرب والذي ازداد حدة مع انفجار أزمة الصحراء الغربية عام 1974 وتدعيم الجزائر لجبهة البوليساريو رداً على الاتفاق الثلاثي بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا والذي قسم بموجبه إقليم الصحراء الغربية بين المغرب وموريتانيا، فكان أن توقف العمل المغاربي المتعدد الأطراف في حين تواصل التعاون الثنائي بدرجة متدنية. هذا التوتر أدى إلى الاتفاق في الدورة الثانية عشرة للمجلس المغاربي على تعليق نشاطه إلى أجل غير مسمى، ومنذ ذلك الحين أصبحت أزمة الصحراء الغربية أحد المحددات الرئيسية للعلاقات المغاربية.

تأسيس اتحاد المغرب العربي:
بعد توتر شديد في العلاقات الجزائرية المغربية شرع البلدان في التقارب بينهما والذي دُشن بقمة العقيد لطفي (بلدة على الحدود المغربية) جمعت الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد بالعاهل المغربي الحسن الثاني يوم 26 فبراير/شباط 1983. وبعد أقل من شهر من انعقاد هذه القمة وبالتحديد في 19 مارس/آذار وقعت الجزائر "معاهدة الإخاء والوفاق" مع تونس والتي انضمت إليها موريتانيا في 13 ديسمبر/كانون الأول 1983. ورغم تأكيدهما أن هذه المعاهدة ركيزة لبناء المغرب العربي الكبير فإن المغرب وليبيا اعتبراها حلفا ضدهما ومحاولة جزائرية لعزلهما إقليميا. وكرد فعل قررت طرابلس والرباط تشكيل حلف بينهما لمواجهة المعاهدة الجزائرية التونسية، فوقّع الطرفان يوم 13 أغسطس/آب 1984 اتفاقا في وجدة (مدينة مغربية على الحدود مع الجزائر) أسستا بموجبه "اتحاد الدول العربي الأفريقي".

إستراتيجية المغرب من خلال هذا الحلف كانت مزدوجة الهدف: الرد على التحرك الجزائري ووقف الدعم الليبي للبوليساريو بتحييد طرابلس في هذه النزاع. أما ليبيا فكانت تسعى لئلا تُقصى من سياسة المحاور المغاربية وتضمن عدم تدخل المغرب في نزاعها مع تشاد (الرباط كانت هددت طرابلس بدعم نجامينا إن لم تتوقف عن مساندتها للبوليساريو). والجزائر بدورها رأت في الاتفاق المغربي الليبي تحالفاً ضدها، ويبدو أنها كانت تتخوف من تقارب عسكري بين جاريها الغربي والشرقي مما قد يهدد أمنها القومي، خاصة أن المادة 12 من اتفاق وجدة المغربي الليبي تنص على أن أي عدوان على أحدهما هو عدوان على الآخر.


من التقليد في العلاقات العربية العربية أن تمر بين عشية وضحاها من حالة عداء شديد إلى مشاريع تكاملية سريعة والعكس صحيح، فكان أن أفقد التسرع جدية المشاريع الإقليمية العربية

وكانت مشاركة الحسن الثاني في القمة العربية التي عقدت بالجزائر في يونيو/حزيران 1988 رمزاً قوياً للمصالحة الجزائرية المغربية لدرجة أن هذه المصالحة كادت تصرف الاهتمام والدعم عن الانتفاضة الفلسطينية. وهكذا بدأت مرحلة جديدة في العلاقات المغاربية، وتطرق قادة الدول المغاربة الخمس في قمة زرالدة في يونيو 1988 -وهي أول قمة مغاربية في التاريخ بصفة رسمية- إلى مبدأ إنشاء اتحاد مغاربي وتم الاتفاق على إنشاء خمس لجان، إلا أن أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988 تسببت في إرجاء القمة المغاربية التي كانت مقررة خلال نفس العام.

والملاحظ أن المدة الزمنية التي فصلت تاريخ عودة العلاقات الجزائرية المغاربية عن قمة زرالدة التي تقرر فيها إنشاء بنية إقليمية مغاربية مدة قصيرة جداً، مما يدل على التسرع الكبير في إنشاء الاتحاد المغاربي، وهذا طبعاً تقليد في العلاقات العربية العربية التي تمر بين عشية وضحاها من حالة عداء شديد إلى مشاريع تكاملية سريعة والعكس صحيح، فكان أن أفقد هذا التسرع جدية المشاريع الإقليمية العربية.

واجتمع قادة دول المغرب العربي الخمس في مراكش يوم 17 فبراير/شباط 1989 وأعلنوا إنشاء "اتحاد المغرب العربي"، وتميزت معاهدة مراكش المؤسسة لهذا الاتحاد بعمومية أهدافها إذ لم يُشر مثلاً في نصوص المادتين الثانية والثالثة المتعلقة بأهداف الاتحاد إلى وحدة جمركية أو اقتصادية، وإنما اقتصر نص المعاهدة على عبارات عامة حول التعاون الاقتصادي والسياسة المشتركة.

والنقطة الأخرى التي تثير الانتباه في هذه المعاهدة هي عدم تحديدها لمفهوم المغرب العربي ولا حدوده الجغرافية، بل إن صفة "العربية" لم تعتبر ميزة خاصة أو معيار قبول أو رفض عضوية دول أخرى، فتنص المادة السابعة من المعاهدة على أن "للدول الأخرى المنتمية إلى الأمة العربية أو إلى المجموعة الأفريقية أن تنضم إلى هذه المعاهدة إذا قبلت الدول الأعضاء".

هذا الطغيان في منطق السيادة والتواضع في الأهداف الاقتصادية يجعلان معاهدة اتحاد المغرب بعيدة عن مشروع تكامل إقليمي، إذ طغى العامل السياسي في إنشاء اتحاد المغرب العربي على الجانب الاقتصادي. والغريب أن الأدبيات المغاربية المتخصصة تتحدث عن اتحاد المغرب العربي وضرورات تنشيطه وكأنه بنية إقليمية رفيعة المستوى في مجال التكامل.

وتقرر حسب المادة الخامسة من المعاهدة عقد مجلس الرئاسة المغاربية في دورات عادية مرة كل سنة بالإضافة إلى دورات غير عادية إن اقتضت الضرورة. وعقدت منذ القمة التأسيسية (مراكش 1989) ست دورات على مستوى الرئاسة كانت الأولى في تونس ثم الجزائر ورأس لانوف في ليبيا فالدار البيضاء فنواكشوط، وأخيرا تونس في أبريل/نيسان 1994. أما الدورة السابعة المزمع عقدها في الجزائر فلم يكتب لها الانعقاد بسبب الخلافات الجزائرية المغربية.

أما دورات الاتحاد اللاحقة لاسيما رأس لانوف (ليبيا 1991) ونواكشوط (1992) فقد أكدت ضرورة اتخاذ التدابير العملية اللازمة لتنفيذ مختلف الاتفاقات في سبيل إقامة منطقة تجارة حرة مغاربية، وذلك قبل مدة لا تتجاوز عشر سنوات. غير أنه لم يتم تجسيد شيء على أرض الواقع.

تعثر اتحاد المغرب العربي:
بعد أكثر من ست سنوات على تجميد مؤسسات اتحاد المغرب العربي بطلب من الرباط، تمكنت الدول الأعضاء من إعادة إحيائه بانعقاد اجتماع في الجزائر يومي 18 و19 مارس/آذار 2001 ضم وزراء خارجية دول الاتحاد باستثناء المغرب الذي أوفد إلى العاصمة الجزائرية وزير الدولة للخارجية والتعاون الطيّب الفاسي الفهري بدلا من وزير الخارجية محمد بن عيسى. وجدد الفهري رفض بلاده وضع ملف الصحراء الغربية جانباً والتفرغ لبناء المغرب العربي، حسب اقتراح قدمته الجزائر. وقضية الصحراء الغربية لم تكن منذ إنشاء اتحاد المغرب العربي ضمن جدول الاجتماعات المغاربية، إلا أنها ألقت بظلالها على هذا اللقاء رغم تأكيد الأطراف أن هذه القضية في يد الأمم المتحدة.

وأشارت بعض المصادر الجزائرية إلى أن المشاركة المغربية في اجتماع الجزائر بمستوى منخفض تهدف إلى "الضغط على الجزائر لقبول تسوية ثنائية لا تراعي حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره"، ولهذا فالجزائر ستسعى لأن يتبنى الوزراء في اجتماعهم تعديلات تضع حداً لتداخل "العلاقات الثنائية مع المصالح الإقليمية لهذه الدول".

وبغض النظر عن مستواها فإن مشاركة المغرب في الاجتماع الجزائري تعد تغيراً في سياسته تجاه الاتحاد المغاربي وربما تعكس قبوله بمناقشة بعض الملفات مع الجزائر دون إقحام قضية الصحراء الغربية في كل التفاصيل والمناسبات، خاصة أن المغرب جمد عضويته في الاتحاد بحجة موقف الجزائر المناوئ لمصالحه فيما يخص قضية الصحراء، لكن ها هو يعود إلى مؤسسات الاتحاد دون أن تغير الجزائر موقفها من هذه القضية. ويبدو أن تونس وليبيا تصران على ضرورة تنشيط مؤسسات الاتحاد، ذلك أن تجميده يضر بمصالح الدول الأعضاء ولن يحل نزاع الصحراء الغربية.

لم يحدد الوزراء في اجتماعهم تاريخاً لانعقاد قمة مغاربية واكتفوا بتأكيد العمل على تنشيط مختلف مؤسسات الاتحاد بما فيها اجتماع قمة يسعى بعض الأطراف لعقدها قبل نهاية عام 2001. أما فيما يتعلق بانضمام مصر إلى الاتحاد فقد أشار بلخادم إلى أن هذه الأخيرة قدمت طلبا بهذا الخصوص وقد أحيل إلى الهيئة القانونية للنظر فيه. يبدو أن بعض أعضاء الاتحاد مثل تونس تفضل تنشيط مؤسسات اتحاد المغرب العربي قبل انضمام مصر إليه، لكنه لم يتم الاتفاق على جدول زمني للقمة المغاربية التي طال انتظارها منذ عام 1995.

إذن.. كان من المقرر أن تنظم قمم الاتحاد بصفة دورية كل سنة، لكن لم تعقد أي قمة منذ قمة تونس عام 1994. والحقيقة أن شلل الاتحاد بدأ قبل قرار المغرب تجميد مؤسساته، إذ رفضت ليبيا في يناير/كانون الثاني 1995 تسلم رئاسة الاتحاد احتجاجاً على تقيد الدول المغاربية بالحظر الدولي المفروض عليها، فعادت رئاسته إلى الجزائر. وجاءت الأزمة المغربية الجزائرية في عام 1994/1995 لتشل مؤسسات هذا الكيان الإقليمي المحتضر أصلاً عندما جمد المغرب رسميا عضويته احتجاجا على ما اسماه بالسياسة الجزائرية المناوئة لمصالحه (الصحراء الغربية). وهذه الأزمة تظهر مدى هشاشة البنية الإقليمية المغاربية، إذ رجعت المنطقة إلى نقطة البداية وجو التوتر من جديد.

معوقات العمل المغاربي المشترك


كان من المقرر أن تنظم قمم الاتحاد بصفة دورية كل سنة، لكن لم يعقد أي اجتماع منذ قمة تونس عام 1994.

غلبة الهاجس السياسي:
الأزمة الجزائرية المغربية تعكس مدى ضعف الاتحاد المغاربي وعجزه سياسياً واقتصادياً، وقضية الصحراء الغربية كانت موجودة قبل تشكيله لكن ذلك لم يجعلها عائقاً أمام عمل هذا الاتحاد. وهنا نتساءل عن قيمة الاتحاد المغاربي والحاجة إليه أو الأسباب الداعية إلى تأسيسه.

ومن المعلوم أن الاتحاد تم إنشاؤه لتطوير التعاون الإقليمي ومواجهة أوروبا الشريك الرئيسي لبلدان المغرب العربي، ومواكبة عصر التكتلات الإقليمية في العالم، إلا أن هذه الهواجس لا سيما الأساسية منها -أي العامل الاقتصادي (العلاقة مع أوروبا)- تبدو غير كافية لضمان السير العادي لمؤسسات الاتحاد المغاربي.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الهاجس الاقتصادي مازال يلعب دوراً هامشياً في تحديد العلاقات العربية العربية عموماً، في حين يبقى الهاجس الأمني عاملاً مستقلاً. فمثلاً كان الهاجس الأمني وراء تأسيس وصمود مجلس التعاون الخليجي أمام كل الزوابع الداخلية (فيما بين أعضاء المجلس) والإقليمية، في حين أبدى اتحاد المغرب العربي عجزاً فادحاً في مقاومة الهزات السياسية لكونه تأسس على أساس سياسي دون هاجس أمني، مما جعل التمسك به من قبل مختلف أعضائه يبقى ضعيفاً رغم عولمة الاقتصاد وتعدد وتصلب عود التكتلات الاقتصادية الدولية.

ويبدو أن التجمعات الإقليمية العربية جاءت للحفاظ على الأنظمة القائمة وليس للتعاون بين الدول، إذ يبدو الانخراط فيها يهدف أساساً إلى وقف الحملات الإعلامية وعدم استقبال معارضة النظام في البلد المجاور لا أكثر. كما يبدو أن تعود الأنظمة العربية على تحسين الجزء الظاهر من سلطتها التسلطية بتجميل مؤسساتها (تعددية الواجهة) امتد إلى العمل المشترك، فتزودت هذه الأنظمة بمؤسسات إقليمية تعطيها الانطباع بأنها دخلت عصر التكتلات الدولية وزمن العولمة.

وهكذا تنفرد التجارب التكاملية العربية بثقل الخطاب وبؤس الواقع، إذ رغم تأكيد الدول الأعضاء على أن الاتحاد المغاربي يبقى "خياراً إستراتيجياً" فإنها تتصرف على العكس من ذلك تماما, فسلوكها السياسي لا يزال حبيس الرؤى القطرية الضيقة وتصورات السيادة التقليدية التي تجاوزها الزمن.

المعوقات المؤسساتية:
يتميز اتحاد المغرب العربي بتعدد معوقاته المؤسساتية الناجمة عن الطبيعة المتخلفة للمعاهدة المؤسسة له مما جعله عرضة لأي خلاف سياسي بين الدول الأعضاء، إذ يبدو جلياً أن الريبة فيما بين الدول الأعضاء جعلتها تتوخى الحذر كما أن عقدة السيادة حالت دون رقي هذه المعاهدة إلى مستوى مشروع تكاملي إقليمي. ولعل الدليل على هذه الريبة المتبادلة وعقدة السيادة وأيضاً غياب الرؤية الإستراتيجية والخبرة في مجال التكامل الإقليمي تكمن في تبني قاعدة الإجماع في اتخاذ القرارات (المادة السادسة).

وتعلم الدول المؤسسة لاتحاد المغرب العربي جيداً بحكم عضويتها في الجامعة العربية أن مبدأ الإجماع عطل الجامعة وحولها إلى جسد بلا روح، إلا أنها أقرته في النص التأسيسي للاتحاد المغاربي. وما زاد من تعقيد الأمور هو تبني المعاهدة شرط موافقة كل الأعضاء على أي اقتراح تعديل أحكام هذه المعاهدة (المادة الثامنة عشرة)، وسنرى فيما بعد أن الدول المغاربية أدركت مدى عقم هذا المبدأ وحاولت تصويب الأمور لتنشيط الاتحاد.

كما أن أحكام معاهدة مراكش تشترط موافقة وتوقيع كل الدول الأعضاء لتنفيذ اتفاقية وقع عليها، فكان أن عطلت هذه الآلية العمل المغاربي المشترك، فمن بين 37 اتفاقية وقعت في إطار اتحاد المغرب العربي صادقت الجزائر على 29 وصادقت تونس على 27 وصادقت ليبيا على أقل من ذلك في حين لم يصادق المغرب إلا على خمس اتفاقيات فقط. وعليه لم تدخل حيز التنفيذ إلا تلك الاتفاقيات الخمس. ولذا تقترح دول مثل الجزائر تعديل هذه الآلية بطريقة تسمح بتنفيذ الاتفاقيات بمجرد تصديق غالبية الدول عليها. وقد درس الوزراء في اجتماعهم في مارس/آذار 2001 في الجزائر اقتراح تعديل المعاهدة المؤسسة واستبدال مبدأ الأغلبية في اتخاذ القرارات بقاعدة الإجماع، ولكن هذه القضية أحيلت إلى لجنة فنية للبحث فيها في انتظار انعقاد قمة مغاربية.

معوقات تطبيع العلاقات الجزائرية المغربية:
تعد معوقات تطبيع العلاقات الجزائرية المغربية أهم وأبرز معوقات العمل المغاربي المشترك، إذ من غير الممكن بناء المغرب العربي بدون الجزائر أو بدون المغرب بحكم ثقلهما السياسي والاقتصادي فهما الفاعلان الأكثر نفوذاً في المنطقة. وعليه فمعوقات التطبيع الجزائري المغربي أصبحت عملياً معوقات العمل المغاربي المشترك، وهذه المعوقات الثنائية ذات الثقل المتعدد الأطراف يمكن أن تلخص في النقاط التالية: الخلاف حول التعاطي مع الملف الإسلامي، والقضايا العالقة لإعادة فتح الحدود، ونزاع الصحراء الغربية.

على عكس بعض الدول العربية التي حاولت التوسط في الأزمة الجزائرية، تفادى المغرب اقتراح وساطته في هذه الأزمة لأنه يعلم مدى حساسية العلاقة مع الجزائر، ولكن بعض المسؤولين المغربيين أدلوا بتصريحات أثارت ردود فعل جزائرية شديدة اللهجة، فقد وصف العاهل المغربي الحسن الثاني الجزائر بـ "مخبر تجارب في تطرقه لتعاطي الحكومة الجزائرية مع قضية الإسلاميين"، مما عرّضه لانتقادات شديدة من قبل السلطات السياسية والصحافة الجزائرية.

وكان المغربيون يأملون -على ما يبدو- أن يصل الإسلاميون إلى السلطة في الجزائر لأن ذلك سيسمح بحل نزاع الصحراء الغربية لصالح المغرب، ذلك أنهم كانوا يعتقدون أن الإسلاميين الجزائريين معادون للبوليساريو الماركسية التوجه. وهذا الطرح الذي عبر عنه مصطفى سحيمي -وهو باحث في مركز للدراسات والبحوث بالمغرب- يرى وجود نوع من الاتفاق بين الإسلاميين الجزائريين والحسن الثاني حول الموضوع، مشيراً إلى استقبال الحسن الثاني في عام 1991 لزعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ عباس مدني.

وبلغ التوتر أوجه بين الجزائر والمغرب في صيف 1994 بسبب الخلاف حول التعاطي مع الملف الإسلامي إثر حادث اعتداء فندق "أطلس آسني" بمراكش (شارك فيه فرنسيون من أصول جزائرية ومغربية وأودى بحياة إسبانيين)، حينما أكدت الرباط تورط جزائريين في الحادث متهمة في الوقت نقسه الأمن الجزائري بالضلوع فيه (أثبتت التحقيقات المغربية والفرنسية فيما بعد عدم تورط الأمن الجزائري في العملية). فبادر المغرب في 26 أغسطس/آب 1994 إلى فرض التأشيرات ليس فقط على الرعايا الجزائريين بل على كل الأجانب من أصل جزائري، وهو ما تم اعتباره سابقة تاريخية لأنه ينطوي على تصور عرقي، وكان رد فعل الجزائر سريعاً حيث طبقت مبدأ المعاملة بالمثل فارضة نظام التأشيرات على رعايا المغرب، لكنها لم تطبق هذا الإجراء على الأجانب من أصل مغربي، كما أغلقت يوم 27 أغسطس/آب 1994 حدودها مع المغرب.

لقد عاد فتح الحدود الجزائرية المغربية بين عامي 1989 و1994 على المغرب بفوائد ضخمة، إذ تشير أرقام أوردتها صحف جزائرية إلى أن تنقل الجزائريين إلى المغرب في مطلع التسعينات عاد عليه بمداخيل تقدر بحوالي 1.5 مليار دولار، في حين ألحقت حركة عبور الحدود الواسعة هذه أضراراً كبيرة بالاقتصاد الجزائري بسبب مختلف عمليات التهريب لسلع اقتنتها الجزائر بالعملة الصعبة نحو المغرب، وهي إحدى القضايا العالقة التي تحول دون إعادة فتح الحدود.

وحاولت السلطات المغربية مراراً إقناع الجزائر بإعادة فتح الحدود لكن دون جدوى، لأن هذه الأخيرة تتمسك بضرورة بحث محاربة التهريب ودخول المخدرات والأسلحة إلى التراب الجزائري وكذا عبور الجماعات المسلحة الحدود إلى الجزائر. وفشلت في ذلك أيضا محاولات الوساطة العربية (المصرية والأردنية والسعودية) والأجنبية (الفرنسية)، وتزايد الزيارات المتبادلة بين وزيري داخلية البلدين لم يمكن الجارين بعد من تجاوز العقبات وإعادة فتح حدودهما.

يبدو أن تطبيع العلاقات بين البلدين غير وارد على المدى القصير، فالمغرب يشترط تسوية قضية الصحراء الغربية في مصلحته للشروع في تعاون وطيد وإعطاء دفع جديد لاتحاد المغرب العربي، معتبراً أن الصحراء الغربية "قضية وطنية" لا يمكن أن تُوضع جانباً وأن تترك لتسوية في إطار الأمم المتحدة، بل يجب أن تسوى بين المغرب والجزائر, إذ يعتبر العاهل المغربي محمد السادس أن النزاع القائم في الصحراء الغربية هو بين المغرب والجزائر التي أنشأت البوليساريو على حد قوله.

أما الجزائر فتعارض هذه النظرة وتحبذ تسوية الملفات واحدا واحدا دون ارتباط بينها حتى يتسنى التقدم في القضايا التي تتقارب فيها وجهات نظر الطرفين، وترى أن نزاع الصحراء الغربية يجب أن يُفض بين الطرفين المعنيين: المغرب والبوليساريو في إطار تسوية سياسية طبقاً لقرارات الأمم المتحدة. كما تشترط على المغرب اتخاذ الإجراءات اللازمة حتى لا يكون "قاعدة خلفية للجماعات الإسلامية المسلحة"، ويحظى هذا الملف الأخير بعناية خاصة من قبل الجزائر.

واتهم مسؤولون جزائريون المغرب بالسماح بمرور الأسلحة عبر حدوده للجماعات المسلحة التي تقترف جرائم في حق المواطنين الجزائريين. وقد حاول المغرب مساومة الجزائر في عام 1993 عندما طالبته بتسليمها القائد السابق للجماعة الإسلامية المسلحة محمد العيايدة، إذ سعى للحصول على تنازلات فيما يخص الصحراء الغربية مؤكداً أن "الأمن كل لا يتجزأ.. وأن كل الأجزاء متصلة".

ورغم الدفء في العلاقات بين البلدين بعد مشاركة بوتفليقة في جنازة الحسن الثاني في يوليو/تموز 1999 والتي رأت فيها الرباط إشارة طيبة ومشجعة لبعث العلاقات بين الجارين، وما قيل بعدها عن لقاء قمة وشيك بين بوتفليقة ومحمد السادس، فإنه تعذر حتى الآن عقد مثل هذه القمة التي طال انتظارها خاصة أن الزعيمين أكثرا منذ توليهما السلطة في بلديهما من الزيارات الرسمية إلى الخارج، وهذا يعكس طبعا عمق الهوة بين مواقف البلدين حول مختلف الملفات العالقة.

ومع تعذر إجراء الاستفتاء بسبب الخلافات بين المغرب والبوليساريو حول قوائم الناخبين وعدم تمكن المغرب من تمرير "الحل الثالث" المفروض من البوليساريو والجزائر المتمسكتين بتطبيق القرارات الأممية, اقترح الأمين العام للأمم المتحدة مبدأ التقسيم لكن المغرب يعارضه مصراً على سيادته على الإقليم.

لقد كلف نزاع الصحراء الغربية الأطراف المعنية وخاصة المغرب أموالاً طائلة، إذ تشير أرقام كشفت عنها وكالة الأنباء الفرنسية في نوفمبر/تشرين الثاني 1995 أن نفقات المغرب العسكرية بسبب وجوده في الصحراء الغربية بلغت بين 1980 و1985 مليون دولار يومياً، وانخفض هذا الرقم إلى النصف بين 1985 و1991 (تاريخ وقف إطلاق النار مع البوليساريو) حسب خبراء غربيين. وأنفق المغرب حتى عام 1995 أكثر من أربعة مليارات دولار للإبقاء على قواته المرابطة في الصحراء الغربية التي زادت على مائة ألف أي ثلثي الجيش المغربي في مطلع الثمانينات. وتمثل نفقات المغرب أضعاف ما أنفقته الجزائر لتمويل نشاطات البوليساريو. ولا ينحصر الإنفاق المغربي في الصحراء الغربية في المجال العسكري فقط بل يتعداه إلى القطاع المدني، فقد استثمرت الرباط بين 1978 و1992 أكثر من 1.5 مليار دولار في البنى التحتية للجزء الخاضع لسيطرته في هذا الإقليم. وبهدف استمالة الصحراويين ليقبلوا بالسيادة المغربية أولى المغرب عناية خاصة بالمنحدرين من أصول صحراوية، مما أثار حفيظة سكان جنوب المغرب الذين نددوا بسياسة سلطاتهم التي فعلت أكثر من اللازم للصحراويين في حين لم تفعل ما فيه الكفاية لهم.


يجب في بعض الأحيان أن تطرح الأسئلة الموجعة مثل: ما جدوى اتحاد المغرب العربي إذا كانت الدول المغاربية تتفاوض فردياً مع الاتحاد الأوروبي وتوقع معه اتفاقات شراكة ثنائية؟

المعوقات المنهجية:
في كل تجربة عربية للعمل المشترك توضع القواسم المشتركة من وحدة التاريخ والمصير والدين واللغة والثقافة والتواصل الجغرافي في ديباجة كل معاهدة، ولم يسلم النص التأسيسي أيدلوجياالمغربي العربي من هذا التقليد العربي. ويعتبر هذا مدخلاً أيدولوجياً لقضايا التكامل والاندماج التي تبنى أساساً على جدوى المشروع. وافتقر العرب عموماً إلى دراسات علمية حقيقية حول جدوى مشاريعهم التكاملية، فجاءت كل التجمعات الإقليمية العربية (الحالية والمنهارة) نتيجة قرارات سياسية إرادية للأنظمة الحاكمة. وهكذا غلب التسرع والحماس على التريث والتحضير الجيد والجدي لمثل هذه الكيانات الإقليمية.

وأزمة التكامل العربي أنه اختزل في قرارات ومراسيم سياسية هي نفسها عرضة أهواء الحكام وبورصة التوترات العربية العربية في حين أن التكامل هو أصلاً سيرورة اقتصادية واجتماعية معقدة وطويلة الأمد، فأوروبا تعمل منذ زهاء نصف قرن من الزمن لكنها لم تتوصل بعد إلى مستوى من الاتفاق السياسي بين أعضائها يسمح بتبني سياسة خارجية موحدة، ولكن في المنطقة العربية تبدأ المشروعات بالسياسة والقواسم المشتركة فكانت الكارثة، فكل مشروع تكاملي يبنى على السياسة ينهار بمجرد نشوب خلاف سياسي كما هو شأن اتحاد المغرب العربي، وأما القواسم المشتركة فقد حملت ما لا طاقة لها فيما أهملت العوامل المادية والموضوعية.

إن القواسم المشتركة غير كافية إطلاقاً لبداية مشروع تكاملي، فالدول الأوروبية لا تشترك فيما بينها في شيء إلا في الديمقراطية، لكن هذه الأخيرة كانت كافية كقاسم مشترك لتهيئة ودعم المسار التكاملي الأوروبي الذي بني أساساً على المصالح المشتركة والمتبادلة. ولكن في مجلس الوحدة المغاربي لم تطرح بتاتاً القضايا المادية وكيفية خدمة مصالح المجتمعات المغاربية أو إشراكها في هذه التجربة الهامة.

والحديث عن منطقة للتبادل الحر شيء مهم، لكن لتبادل ماذا.. يجب في بعض الأحيان أن تطرح الأسئلة الموجعة، مثل: ما جدوى اتحاد المغرب العربي إذا كانت الدول المغاربية تتفاوض فردياً مع الاتحاد الأوروبي وتوقع معه اتفاقات شراكة ثنائية؟ وكان من المنطقي أن يشرع في تنظيم البيت المغاربي قبل البدء في المفاوضات مع الغير لا سيما أوروبا. وهذا طبعاً يطرح قضية مصالح الدول المغاربية إذ برغم أنها غير متناقضة فإن الممارسات السياسية للنخب الحاكمة جعلتها كذلك، وأما المواطن فلم يشعر بتحسن في حياته اليومية من جراء دخول معاهدة اتحاد المغرب العربي.

الاستقطاب التجاري الأوروبي:
الاستقطاب الجغرافي لتجارة بلد ما يجعل اقتصاده معرضاً للصدمات الخارجية حيث يستخدم حجم المبادلات لأغراض سياسية خاصة لما يتعلق الأمر بالمواد الإستراتيجية كالمواد الغذائية، وتتميز الاقتصاديات المغاربية باستقطابها الشديد من قبل الاتحاد الأوروبي حيث يستحوذ هذا الأخير على حوالي 70% من المبادلات التجارية لدول المغرب العربي. وإذا كانت أوروبا تمثل حوالي ثلثي التجارة الدولية المغاربية فإن المغرب العربي لا يمثل إلا حوالي 2% من المبادلات الأوروبية مع العالم، وتختلف درجة الاستقطاب من دولة لأخرى، حيث تبدو تونس والمغرب أكثر استقطاباً من قبل الاتحاد الأوروبي. فما يقارب 78% من صادرات تونس تذهب إلى الاتحاد الأوروبي الذي يزودها بـ 72% من وارداتها. أما المغرب فتستحوذ أوروبا على ما يزيد على 60% من مبادلاته التجارية، وتذهب 62 % من صادرات الجزائر إلى الاتحاد الأوروبي وتأتي 58 % من وارداتها منه، وتأتي 20 % من واردات موريتانيا من الدول المغاربية، و13% من الدول الأفريقية الأخرى. أما الاتحاد الأوروبي فيزودها بنسبة تقارب 50% من حاجياتها، والحجم النسبي لأوروبا في مبادلات موريتانيا مقارنة بتونس والمغرب يرجع إلى كون اليابان أحد أبرز شركائها (مستورد للمنتجات السمكية).

وهكذا تعاني الاقتصاديات المغاربية من فقر تنوعها كونها اقتصاديات تبادل، أي أنها مبنية على الاستيراد والتصدير. وبالتالي فهي رهينة تطورات التجارة الخارجية، وقد استخدمت أوروبا مثلاً في عام 1995 الورقة الاقتصادية (تخفيض كمية الطماطم المغربية التي يسمح لها بدخول السوق الأوروبية) في مفاوضاتها مع المغرب حول الخلاف حول الصيد. حيث هددته بإجراءات عقابية إن لم يستجب لها، وفرضت أوروبا عام 1996 حظراً على الواردات السمكية الموريتانية (40% من صادرات موريتانيا من السمك مسها هذا الحظر) بدعوى عدم ملاءمة وسائل الإنتاج للمعايير الأوروبية. وما يثير التساؤل هو لماذا تبقى اقتصاديات المغرب العربي تحت رحمة هذا الاستقطاب الجغرافي الأوروبي لمبادلاتها رغم تحرير التجارة العالمية؟
التجارة البينية المغاربية هي صورة صادقة للتجارة البينية العربية عموماً والتي تبقى ضعيفة جداً لا تتجاوز 10% من مبادلات العالم العربي مع العالم الخارجي، بينما تبلغ التجارة ما بين دول الاتحاد الأوروبي ما يزيد على 60% من مبادلات أوروبا مع الخارج. وتبلغ نسبة التجارة البينية المغاربية حالياً حوالي 3% من التجارة الخارجية المغاربية والتي تقدر بحوالي 70 مليار دولار، وهذا برغم مرور 13 سنة على إنشاء الاتحاد المغاربي. وهذه النسبة تكفي لإظهار مدى الفشل الذريع الذي مني به اتحاد المغرب العربي، إذ تعددت اللقاءات وكثرت اللجان لكن أوضاع المغرب العربي بقيت على حالها إن لم تزدد سوءاً.

لكن إذا كانت التجارة البينية الرسمية شبه معدومة، فإن التجارة الموازية الحدودية المبنية على التهريب في نمو مستمر, وتشير بعض التقديرات إلى أنها بلغت ما قيمته 4 إلى 5 بلايين دولار. وهذه التجارة غير الشرعية أضرت إلى حد كبير بالاقتصاد الجزائري لا سيما خلال سنوات الاقتصاد الموجه لما كانت الدولة تدعم أسعار المواد الغذائية خاصة الأساسية, مما شجع على تهريب هذه المواد التي تؤمنها الجزائر بالعملة الصعبة نحو المغرب وتونس وبيعها بالعملة المحلية لهذين البلدين. فكان أن ساهم ذلك في ندرة بعض المواد الغذائية في الجزائر. والمنتجات النفطية الجزائرية تشكل أيضاً قسماً كبيراً من نشاط التهريب عبر الحدودية، ويحصل المهربون مقابل هذه المواد المهربة من السوق الجزائرية على بضائع محلية مغربية وتونسية، وقد أثارت هذه الظاهرة المضرة بالاقتصاد الجزائري قلق السلطات الجزائرية.

الخلل البنيوي للاقتصاديات المغاربية:
برغم التقارب الاقتصادي الكبير بين دول المغرب العربي بعد تبني الجزائر لاقتصاد السوق وتحرير ليبيا لاقتصادها تدريجياً، فإن هذا الخلل حال دون التعاون السليم بين الدول الأعضاء كما زاد من حدة سلوكها الأناني والوطني الضيق, حيث يسعى كل طرف للحصول على مزيد من المساعدات الأجنبية الأوروبية أساساً ولو كان هذا التهافت مضراً بالتعاون الإقليمي، وكان يقال أن سبب الاختلافات هو السياسات الاقتصادية المختلفة، حيث تبنت تونس والمغرب الانفتاح الاقتصادي، بينما كان الاقتصاد موجهاً في الجزائر وليبيا، ولكن اتضح مع مرور الوقت أن تبني الدول المغاربية اقتصاد السوق بدرجات متفاوتة لم يساهم في تحريك عملية الاندماج الإقليمي. وهذا لا يعني أن المدخل الاقتصادي لا يصلح لشرح أسباب تعثر التجربة المغاربية ذلك أن الخلل البنيوي لاقتصاديات دول اتحاد المغرب العربي يشكل بدون شك عائقاً كبيراً أمام التكامل الإقليمي. ودون محاولة التقليل من شأن المعوقات التي نعتبرها أساسية، يجب ألاّ نحملها ما لا تستطيع وأن ننظر إلى الأمور من الزاوية الاقتصادية أيضاً. ذلك أن الطبيعة الاقتصادية المغاربية تجعل من الصعب على الأقل في الظرف الراهن بناء مشروع تكامل حقيقي.

فاقتصاديات الدول المغاربية تتميز بفقر تنوعها حيث تعتمد أساساً على المواد الأولية بنسبة تفوق 90% من الصادرات؛ المحروقات بالنسبة للجزائر وليبيا والمعادن (الفوسفات أساساً) والنسيج (فيما يخص المنتجات الصناعية) بالنسبة للمغرب. كما أنها اقتصادية تبادلية بمعنى أنها قائمة على التجارة مع العالم الخارجي بنسبة كبيرة جداً (التجارة تمثل 87% من الناتج الداخلي لموريتانيا) وهذا يجعلها تحت رحمة الضغوط الأجنبية، أما فقر التنوع الاقتصادي فيجعلها عرضة لتقلبات الأسعار في الأسواق الدولية. وبحكم تخلفها فإن واردات هذه الدول هي أساساً مواد مصنعة مما يزيد صعوبة تطوير المبادلات بين هذه الاقتصاديات الموجهة أساساً نحو العالم المصنع، لكن القيادات السياسية لم تتخذ أي إجراء في سبيل دعم وتطوير التجارة البينية خاصة وأن إمكانيات التكامل موجودة في بعض المجالات مثل القطاع الزراعي الذي قد يساهم في تقليص التبعية الغذائية لبعض الدول، وللإشارة فإن كل الدول العربية تستورد أكثر مما تصدر من المواد الغذائية ما عدا تونس والمغرب وموريتانيا.

فتونس تقترب من الاكتفاء الذاتي، وأما المغرب فقد عرف أزمة غذائية مما زاد من حجم وارداته من القمح، فيما تحطم الجزائر الرقم القياسي المغاربي والعالمي في مجال الواردات الغذائية، حيث يصل عجزها الغذائي إلى نسبة 80%، وهي أول مستورد في العالم للقمح. وبالتالي يعاني المغرب العربي من تبعية اقتصادية لأوروبا، ويؤدي التخصص الكبير لهذه البلدان (الطاقة بالنسبة للجزائر وليبيا، الزراعة والمواد المصنعة البسيطة بالنسبة لتونس والمغرب) إلى الاعتماد على الخارج لإمدادها بحاجياتها من المواد المصنعة مما حال دون تطوير التجارة البينية.

وتعاني المنطقة العربية من بطالة قياسية تفاقمت بسبب الضغط السكاني، إذ تشير أرقام منظمة العمل العربية إلى أن معدل النمو السكاني يفوق بكثير معدل النمو الاقتصادي، وبسبب ذلك فإن القوى العاملة (حوالي 12 مليونا في 17 دولة عربية عام 1997) في العالم العربي عموماً تنمو بمعدل يقارب 3%, وهذا المعدل المرتفع يتطلب إيجاد حجم أكبر في فرص العمل يتجاوز 3 ملايين سنوياً وحتى 4 ملايين مع نهاية العقد الحالي لتخفيف حدة البطالة. وتشير نفس الأرقام إلى أنه كان على الدول المغاربية إيجاد حوالي 390 ألف فرصة عمل جديدة سنوياً خلال السنوات الثلاث الأخيرة للحيلولة دون تفاقم معدلات البطالة، وهذا الخلل البنيوي للاقتصاديات المغربية يبدو أنه مرشح للاستمرار خلال السنوات القادمة وقد يزداد سوءاً مع التحرير الكامل للتجارة العالمية.

تفعيل الاتحاد المغاربي


طور المغرب في ظرف قياسي مبادلاته مع إسرائيل فيما عجز (لسبب أو لآخر) عن تطوير مبادلاته مع جيرانه المغاربة. ونفس الشيء يقال تقريباً عن تونس

محاولات تفعيل الاتحاد المغاربي:
لفهم سر محاولة تفعيل اتحاد المغرب العربي في هذا الظرف الإقليمي والدولي بالذات نقترح فرضية مؤداها أن دول المغرب العربي أدارت ظهرها للمغرب العربي لكثرة المشاريع الإقليمية الأخرى التي تقودها قوى أجنبية اعتقاداً منها بأنها ستحقق من خلالها مكاسب أكبر بكثير من تعاونها البيني مغاربياً، ولكن بعد أن خاب الأمل كانت العودة من جديد إلى المغرب العربي. وما يقوي مثل هذه الفرضية هو أن الأسباب السياسية التي كانت وراء تجميد مؤسسات اتحاد المغرب العربي مازالت قائمة، ولكن الدول الأعضاء لا سيما المغرب الذي كان وراء تجميد هياكل الاتحاد يشارك اليوم في محاولات تفعيلها.

بدأ اتحاد المغرب العربي قبل مشاريع إقليمية أخرى بسنوات مثل الشرق أوسطية والمتوسطية واتحاد دول الصحراء والساحل، لكنه بقي جسداً بلا روح فيما نشط أعضاؤه بقوة في المشاريع الإقليمية المذكورة. فدول المغرب العربي لا سيما المغرب وتونس راهنت على الشرق أوسطية مثل دول عربية مشرقية ولعبت دوراً في دفع مسيرة مؤتمرات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وطور المغرب في ظرف قياسي مبادلاته مع إسرائيل فيما عجز (لسبب أو لآخر) عن تطوير مبادلاته مع جيرانه المغاربة. ونفس الشيء يقال تقريباً عن تونس، ولكن بحكم تبعيته الأتوماتيكية لتطورات عمليات السلام العربية الإسرائيلية فإن مشروع الشرق أوسطية سرعان ما انحسرت موجته وتراجعت للتوقف سفينته منذ مؤتمر الدوحة عام 1997. فكانت خيبة أمل كبيرة لكل من أراد تحقيق مكاسب من هذا المشروع الذي تميز أيضاً بتنافس عربي عربي (لا سيما حول من يستفيد من قروض بنك الشرق الأوسط للتنمية).

أما في مجال المتوسطية فكان الحماس أقوى والمطامع أكثر بحكم أن الشراكة الأوروبية المتوسطية أقل تأثراً بمجريات عملية السلام من الشرق أوسطية وبحكم القوة الاقتصادية والمالية للاتحاد الأوروبي، ودأبت كل الدول على خدمة مصالحها دون مراعاة مصالح جيرانها أو محاولة التنسيق للتفاوض بصوت واحد مع العملاق الاقتصادي الأوروبي، إلا أن المتوسطية كانت هي الأخرى مخيبة للآمال. فأوروبا تفرض مجالات التفاوض والتعاون ولا تخصص الأموال اللازمة لدفع عجلة النمو في بلدان الضفة الجنوبية، بينما تخصص أموالاً طائلة لبلدان أوروبا الشرقية. كما أن الدول المغاربية التي تسرعت لإبرام اتفاقات شراكة مع الاتحاد الأوروبي وخاصة تونس والمغرب أدركت سريعاً أن هذه الاتفاقات غير متوازنة وهي في صالح الاتحاد الأوروبي الذي فرض عليها إرادته، فقد أبقى على الحمائية الاقتصادية في المجال الزراعي فيما تشكل المنتجات الزراعية التونسية والمغربية أهم صادرات البلدين إلى أوروبا، وتسرع تونس والمغرب كان لغرض الحصول على النصيب الأكبر من القروض والمساعدات المالية الأوروبية لكن لم يكن لها ما أرادت، بل إن الاتحاد الأوروبي لا يحترم كل التزاماته، حيث يتأخر في منحهما المساعدات المتفق عليها مقابل تخفيضهما التدريجي للحواجز الجمركية والتي سترفع فيما بعد نهائياً ترقباً لإقامة منطقة التبادل الأوروبية المتوسطية، فكانت إذاً الخيبة الثانية.

وأما خيبة الأمل الثالثة فهي أفريقية، فليبيا المستاءة من عدم تضامن الدول المغاربية والعربية عموماً معها في خرق الحظر الدولي المفروض عليها (بين عامي 1992 و1999) فيما خرقته دول أفريقية جعلتها تتبنى توجهاً أفريقياً معوضة خطابها العروبي بخطاب قاري، فكان أن بادرت إلى إنشاء اتحاد دول الساحل والصحراء بين عامي 1997 و1998 والذي يضم اليوم حوالي 16 دولة منها كل الدول العربية الأفريقية باستثناء الجزائر، ويهدف هذا التجمع إلى إقامة منطقة لتبادل الحر بين أعضائه. لكن هذه الدول التي عجزت على الاتفاق فيما بينها في إطار بنية محدودة العدد كيف يمكنها النجاح في مشروع ولد أساساً بسبب عوامل سياسية لا علاقة لها بالمسائل الاقتصادية؟

يضاف إلى هذه العوامل عامل تحرير التجارة الدولية الزاحف وإنشاء منطقة التبادل الحر التي دخلت حيز التنفيذ عام 1998 على أن تكتمل في حدود 2008، بالإضافة طبعاً إلى منطقة التبادل الأوروبية المتوسطية وتزايد مناطق التبادل الحر الثنائية بين الدول المغاربية والعربية عموماً. كل هذه العوامل مجتمعة دفعت بالدول المغاربية بالعودة إلى نقطة البداية، إلى اتحاد المغرب العربي، فهي ليست بحاجة للتحدث بصوت واحد في إطار اتحاد دول الساحل والصحراء أو في إطار السوق العربية المشتركة المزمع إنشاؤها، لكنه يتحتم عليها التنسيق في مواجهة أوربا، شريكها الرئيسي في إطار الحركات المغاربية منذ العام الماضي، لتفعيل مؤسسات الاتحاد المغاربي التي لم تعمل إطلاقاُ حتى قبل تجميدها بطلب من المغرب.

اتفق وزراء الاقتصاد والمالية في الاتحاد في آذار/مارس 2002 على إحياء مشروع تأسيس المصرف المغاربي للتجارة والاستثمار برأس مال قدره 500 مليون دولار، ويعد هذا تمهيداً لقيام منطقة تجارة حرة مغاربية، ومن المحتمل أن يفتتح هذا المصرف في عام 2003 إن لم تقحم فيه الخلافات السياسية. وأهمية مثل هذه المصارف تكمن في إنشاء بنية اقتصادية مغاربية حقيقية وتسهيل التبادل فيما بين الدول الأعضاء، وهذه الأخيرة كانت تتعامل فيما بينها بالفرنك الفرنسي والآن تتعامل باليورو. وعليه فإنشاء هذا المصرف قد يؤدي مستقبلاً إلى إصدار عملة موحدة تكون بحد ذاتها عاملاً لتطوير المبادلات البينية المغاربية، وللتذكير فإن اتفاقية هذا المصرف وقعت عليها دول المغرب العربي في آذار/مارس 1991، أي أنها انتظرت إحدى عشرة سنة لمحاولة تجسيد اتفاقية موجودة! وهذا يعني أن تصريحات القادة المغاربة حول اتحاد المغرب العربي كـ "خيار إستراتيجي" هي من قبيل الخطاب العربي الذي لا يجد كالعادة أي تجسيد عملي له، فلو كان ذلك لما انتظروا إحدى عشرة سنة لتفعيل اتفاقية أبرموها بأنفسهم، والآن المشاورات جارية للاتفاق على قمة مغاربية بقصد تفعيل مؤسسات الاتحاد.

وهكذا استغرق اتحاد المغرب العربي إحدى عشرة سنة ليقر مشروع بنك الاستثمار المغاربي الذي وقع عليه في 1991، بينما تمكن تجمع دول الساحل والصحراء بعد سنتين فقط من وجوده من تأسيس بنك للتنمية والتجارة، ومنذ عشر سنوات لم ير أي مشروع مغاربي اتفق عليه النور باستثناء هذا المصرف الذي يرتقب افتتاحه العام القادم.


استغرق اتحاد المغرب العربي إحدى عشرة سنة ليقر مشروع بنك الاستثمار المغاربي الذي وقع عليه عام1991، بينما تمكن تجمع دول الساحل والصحراء بعد سنتين فقط من وجوده من تأسيس بنك للتنمية والتجارة

الدور الغربي في تفعيل الاتحاد المغاربي:
يبدو أن العرب لا يعملون فيما بينهم إلا بضغط أو إيعاز من قوى أجنبية. وعليه سنركز في تحليلنا لمقومات نجاح العمل المغاربي وفشله على العوامل الخارجية التي نصفها بـ "الضغوط الإيجابية" لأنها قد تجبر العرب على الإقبال على ما يرفضون الإقبال عليه بمحض إرادتهم، وتعطي بالتالي فرصة حقيقية لإمكانية إنجاح الاتحاد المغاربي، فتبدو مقومات نجاح التجربة المغاربية أساساً ذات مصدر خارجي.

ومن الغريب أن تكون القوى الاقتصادية الأجنبية هي التي تدفع حالياً نحو تعاون مغاربي، فأوروبا التي فضلت دائماً المدخل الثنائي في مفاوضاتها مع دول المغرب العربي الذي لا تعتبره اقتصادياً كتلة واحدة، فأبرمت اتفاقات شراكة مع تونس والمغرب والجزائر في إطار الشراكة الأوروبية المتوسطية، فيما تعاونها مع موريتانيا يتم في إطار ما سمي باتفاقات أفريقيا الكاريبي والهادي، أما ليبيا فلا تربطها اتفاقات بأوروبا. لكنها بدأت تدرك اليوم أن مشاكل الدول المغاربية لا يمكن حلها من خلال مدخل ثنائي عمودي، فالهجرة عموماً والسرية منها خصوصاً مثلاً تشكل هاجس أوروبا التي بدأت تؤمن بضرورة حل إقليمي لهذه الظاهرة من خلال تنمية منطقة جنوب المتوسط بأكملها.

ورغم أن الشراكة الأوروبية المتوسطية تمثل تحدياً لاقتصاديات المغرب العربي خاصة مع مشروع منطقة التبادل الحر الأوروبية المتوسطية لعام 2010 والتي ستجعل المنتجات المغاربية في وضع حرج أمام جودة المنتجات الأوروبية وقوتها التنافسية، إلا أنها تمثل أيضاً ضغطاً إيجابياً على الدول المغاربية للتعاون فيما بينها، فرغم أنها مبنية على أساس العلاقة العمودية شمال جنوب، فإن الشراكة الأوروبية المتوسطية التي انطلقت في برشلونة عام 1995 مبنية أيضاً على أساس العلاقة الأفقية جنوب جنوب. وتطالب دول الضفة الجنوبية للمتوسط المنخرطة في هذه الشراكة أن تحرر التجارة فيما بينها وأن تعقد اتفاقات شراكة على نمط اتفاقات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وتزداد الضغوط الأوروبية على دول اتحاد المغرب العربي لإقرار شراكة تجارية واقتصادية فيما بينها, ويعمل الاتحاد الأوروبي على تمويل بعض المشاريع الإقليمية لدفع مسار هذه الشراكة الأفقية قدماً مثل تمويله مشروع الطريق الساحلي المغرب الجزائر تونس. كما أن دول أوروبا الجنوبية تدفع بلدان المغرب العربي لمزيد من الانفتاح الاقتصادي والتعامل فيما بينها, حتى يتسنى لهذه الدول الدفاع عنها على المستوى الأوروبي, والحيلولة دون تركيز الجهود الأوروبية على أوروبا الشرقية تحت ضغط ألمانيا خاصة وأن بعض بلدان أوروبا الشرقية ستنضم إلى الاتحاد الأوروبي.

وأما الولايات المتحدة فقد اقترحت في عام 1997 على الدول المغاربية الثلاث تونس والجزائر والمغرب مشروع شراكة أميركية مغاربية أو ما عرف بـ "مبادرة أيزنشتات" (نسبة إلى مساعد وزير الخزينة ستيوارت أيزنشتات ) أي إقامة شراكة اقتصادية بين الولايات المتحدة وبلدان المغرب العربي من أجل المساهمة في استقرار المنطقة، وتتمحور هذه المبادرة أساساً في تحرير التجارة وتطوير القطاع الخاص والإصلاحات الهيكلية للاقتصاديات المغاربية وتطوير الاستثمارات. وعلى عكس أوروبا تعتبر أميركا أن إقامة منطقة تبادل حر بين الدول المغاربية شرط ضروري للتبادل الحر بين أميركا والمغرب العربي، ورغم إبعادها موريتانيا وليبيا عن هذا المشروع فإن الولايات المتحدة تبدو مستعدة لإدماجهما مستقبلاً ولا تعتبر إبعادهما موقفا مبدئياً. وقد تم إدماج موريتانيا بالفعل, حيث نظم الأميركيون على هامش اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن اجتماعاً ضم وزراء الاقتصاد والمالية لكل من تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا مع نظيرهم الأميركي, ووضع المجتمعون خطة لتكثيف الاستثمارات وتبادل وفود رجال الأعمال، واعتبروا أن إقصاء ليبيا من المبادرة مؤقت وليس موقفاً مبدئياً. والحقيقة أن أميركا كأوروبا ترغب في الاستثمار في السوق المغاربية الناشئة وبخاصة إن كانت هذه السوق مفتوحة, مما يسمح بالاستثمار في سوق مغاربية بحجم 80 مليون نسمة بدلاً من أسواق وطنية ضيقة.

ضرورة العمل العربي الجماعي:
يبدو أن الحديث عن التضامن المغاربي يبقى من قبيل الأحلام على الأقل في الوقت الراهن، فتونس والمغرب تسرعا -إن لم نقل هرولا- لإبرام اتفاقات شراكة مع الاتحاد الأوروبي دون أية محاولة تنسيق مع الجزائر للضغط على أوروبا لعقد اتفاقات متوازنة. وهذا التسرع جعلهما يوقعان اتفاقات تخدم الطرف الأوروبي على حساب مصالحهما، وفي عام 1999 عرضت تونس والمغرب على الجزائر التفكير في تنسيق مغاربي لمواجهة الاتحاد الأوروبي باسم التضامن المغاربي، لكن الجزائر لم تعر أهمية لهذه الدعوة معتبرة أن تونس والرباط ضربا بعرض الحائط هذا التضامن الذي يتحدثان عنه وإلا لما وقعا اتفاقات مع الاتحاد الأوروبي دون مراعاة مصالح الجزائر، وبالتالي فليتحملا عواقب سلوكهما, وسارت الجزائر على نفس النمط الثنائي ووقعت هي الأخرى مؤخراً اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي. وهكذا يتفاوض المغاربة فرادى مع أوروبا بينما نجحت دول السوق المشتركة لأميركا الجنوبية في التحدث بصوت واحد مع أوروبا.

وعلى أية حال فإن الوضع المغاربي الحالي لا يبشر بتعاون لمواجهة أوروبا, ذلك أن عقلية التحرك المنفرد تبقى سيدة الموقف خاصة وأن التنافس من أجل الحصول على أكبر قدر من المساعدات الأوروبية يهيمن على سياسات بعض الدول المغاربية، وعليه فرغم تأكيد النخب الحاكمة المغاربية على أن عالم اليوم لا يرحم الكيانات الدولتية التي تعمل بمفردها وعلى أهمية بناء صرح المغرب العربي، فإن سلوكها يبقى بعيداً كل البعد عن التوجه نحو التكتل الاقتصادي الذي يطبع العالم وعن التوجه نحو التكامل المغاربي، وكأن هذه النخب تعاني انفصاماً في الشخصية. وهذا التشخيص لا ينسحب على المغرب العربي فقط بل ينطبق على العالم العربي ككل والذي يعيش تناقضاً صارخاً بين ثقل الخطاب الوحدوي والسلوك القطري المقدس للسيادة في الوقت الذي قوضته العولمة.

وبالطبع تبدو هناك إرادة مغاربية لتفعيل مؤسسات العمل الإقليمي المشترك تعكس وعياً بضرورة تنشيط بنى الاتحاد. وتسعى الجزائر ودول أخرى باستثناء المغرب إلى تعديل المعاهدة المؤسسة لاتحاد المغرب العربي وذلك لتبني مبدأ الأغلبية في التصويت لدى اتخاذ القرارات، لكن هل تكفي الإصلاحات المؤسسية لتحريك العمل المشترك؟ الحقيقة أنه دون إرادة سياسية واضحة ونظرة علمية وعملية للأمور لن تكون هناك عملية تكاملية إقليمية حتى ولو زود الاتحاد المغاربي بأرقى آليات العمل المؤسساتي كتلك المعمول بها في الاتحاد الأوروبي.
أما التنسيق لمواجهة أوروبا فيجب أن يأخذ بعداً عربياً شاملاً, لأن الدول المغاربية لوحدها لا تزن الكثير مقارنة مع العملاق الأوروبي, خاصة وأن الاتحاد الأوروبي هو الشريك الرئيسي للعالم العربي مما يجعل مصالح العرب التجارية على الأقل غير متناقضة، وبالتالي فتنشيط العمل العربي المشترك عموماً يبقى الحل الأمثل والواجب للنهوض بالاقتصاديات العربية، وعليه فمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى تعد عملية أساسية. ويجب أن نشير إلى أن الامتيازات الاقتصادية التي تحظى بها بعض المنتجات المغاربية (لا سيما المغربية والتونسية) في السوق الأوروبية بدأت تضعف منذ سنوات وستزول نهائياً مع تحرير التجارة العالمية، وستجد هذه الدول نفسها أمام منافسة آسيوية شرسة (لا سيما في قطاع المنسوجات) في السوق الأوروبية، مما يحتم عليها النهوض بمنتجاتها ومستوى جودتها وقدرتها التنافسية.

ويبقى التعاون العربي في مجال الزراعة المجال الإستراتيجي نظراً للعجز الغذائي للعالم العربي والذي سيزداد سوءاً مع تحرير التجارة العالمية (وفقاً لقواعد منظمة التجارة العالمية) المؤدية إلى خفض وإلغاء الدعم للقطاع الزراعي في البلدان المصدرة مما سيتسبب في ارتفاع أسعار المواد الغذائية في السوق العالمية، وبالتالي تعميق هوة العجز الغذائي العربي المزمنة.

خاتمة: نحو حوار جزائري مغربي


العالم العربي يعيش تناقضاً صارخاً بين ثقل الخطاب الوحدوي والسلوك القطري المقدس للسيادة الذي قوضته العولمة.

من الأهمية بمكان الدعوة إلى حوار جزائري مغربي يساهم فيه صناع القرار والجامعيون والباحثون ورجال الإعلام حتى تُجسر الهوة بين الجارين ليتمكنا من التعارف أكثر والتقارب على أساس صحيح، وليتحاور ويتناقش كل هؤلاء بكل صراحة وموضوعية بعيدا عن المصالح المادية الضيقة لأي من البلدين. فمصير المنطقة يبقى مرهوناً بتحسن نوعي في العلاقات الجزائرية المغربية، إنها مسؤولية تاريخية على البلدان تحملها أمام الأجيال القادمة.
والتقارب على مستوى القاعدة (شعبياً) بين البلدين لابد وأن يكون محور اهتمام الجميع ولا يجب أن يبقى حبيس التقلبات السياسية للتقارب الآتي من القمة حتى نرقى إلى مصاف المجتمعات المتقدمة، ويجب أن تؤثر القاعدة على توجهات القمة وليس العكس كما هو الحال في الوقت الحاضر. وبالطبع فإن الخلافات بين الجزائر والمغرب كبيرة، لكن من مصلحة الجميع أن تُحوّل هذه الخلافات إلى اختلافات في وجهات النظر، لأن الخلاف ظاهرة مرضية، أما الاختلاف فهو ظاهرة صحية وجوهر التعددية.
وعلى الجزائر والمغرب في هذا الظرف العسير من العلاقات الدولية -التي تميزها العولمة بمحاسنها ومساوئها والتكتلات الدولية- أن يعملا فيما يتفقان عليه ريثما يجدان حلولاً لما يختلفان عليه. أما قضية الصحراء الغربية فبالرغم من مركزيتها فإن تسويتها لن تقود حتماً إلى تنشيط الاتحاد المغربي, ذلك أن معوقات هذا الأخير وديناميته السلبية مستقلة عن هذه القضية، ولا يمكن تفسير الضعف الكبير للتجارة البينية المغاربية بأزمة الصحراء الغربية، فماذا يمنع تطوير المبادلات بين تونس والجزائر وبين الجزائر وليبيا؟ تحميل هذه الأزمة ما لا تطيق هو وسيلة لتفادي النظر إلى الأمور كما هي في الواقع.

إن أي مشروع للتكامل الاقتصادي لابد وأن يُبنى على أهمية المنافع والعوائد الاقتصادية، وبالطبع فإن للقواسم المشتركة بين شعوب المنطقة دورا أساسي في إنشاء بنية تكاملية إقليمية، إلاّ أنها لا ولن تكفي دون عامل المنفعة الذي يبقى المحرك الأساسي للمشاريع التكاملية. فعلى الجزائريين والمغربيين تجاوز العقبة النفسية والحساسيات المفرطة إزاء كل ما يصدر عن الرباط بشأن الجزائر والعكس، وهذا من خلال احترام الآخر وخياراته, والتخلي عن هوس التآمر الذي يطبع معظم تحليلات الجارين.

ويتعين على الدول المغاربية أن تخرج الاتحاد المغاربي من عالم الافتراض إلى عالم الواقع وتجعل منه كياناً إقليمياً قائماً بحد ذاته، فالمسألة مسألة قناعة سياسية، لأن التحديات (وما أكثرها) لا تؤدي حتماً ولا دوماً إلى استجابة في المستوى المطلوب.
ـــــــــــــــ
* كاتب وباحث جزائري مقيم في فرنسا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة