إسرائيل.. ما بعد الانسحاب من جنوب لبنان   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 14:15 (مكة المكرمة)، 11:15 (غرينتش)

إسرائيلي يراقب الحدود مع لبنان قبل يوم من ذكري الانسحاب من الجنوب

بقلم: رندة حيدر*

الانسحاب في ضوء تغير الاستراتيجية الإسرائيلية
ماذا ربحت إسرائيل وماذا خسرت؟

دور المقاومة اللبنانية في دفع إسرائيل للانسحاب

الانسحاب أنهى المواجهات لكنه لم ينه التوتر

الانسحاب والانتفاضة الفلسطينية

الانسحاب في ضوء تغير الاستراتيجية الإسرائيلية

لم يأت الانسحاب من جنوب لبنان الذي نفذه الجيش الإسرائيلي أواخر مايو/ أيار تحقيقاً للوعد الذي قطعه إيهود باراك رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق لناخبيه بإخراج أبنائهم من "المستنقع اللبناني" مع مطلع شهر يوليو/ تموز 2000، وإنما أتى هذا الانسحاب ليحسم جدلا حاداً برز لسنوات داخل إسرائيل وأدى إلى انقسامها إلى تيارين أحدهما يؤيد الانسحاب من طرف واحد من لبنان، والآخر يعارضه.

انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان
برز هذا الانقسام في الرأي من الوجود العسكري الإسرائيلي في لبنان على خلفية اعتبارات أهمها:
1- الفشل الكامل لنظرية "الحزام الأمني" التي كانت عنواناً لسياسة إسرائيل في لبنان، منذ أواسط الثمانينات عندما أعلنت في يونيو/ حزيران 1985 وبعيد تنفيذ انسحابها الجزئي وقيام ما أسمته "الحزام الأمني" في الجنوب. وورد في القرار الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية حينئذٍ برئاسة شمعون بيريز "أن الجيش الإسرائيلي سيحتفظ لنفسه بحرية العمل ضد أي محاولة للاعتداء على إسرائيل وذلك ضمن مسافة 30 إلى 50 كلم وراء الحدود، كما ستبقي إسرائيل على "الجدار الطيب"

أما الغاية من هذا "الحزام الأمني" فكانت حماية حياة سكان المستوطنات الإسرائيلية في الشمال من سلاح الكاتيوشا، وهو السلاح الأساسي للمقاومة منذ أيام الفلسطينيين في مواجهاتها ضد الجيش الإسرائيلي.

وتشكل نظرية "الحزام الأمني" جزءاً من العقيدة الأمنية التي كانت سائدة حتى نهاية الثمانينات في إسرائيل ومفادها أن إسرائيل بلد صغير محاط بدول عربية معادية وهي بحاجة إلى عمق أمني للدفاع عن نفسها، وفي هذا الإطار يدخل احتلالها لأراضٍ عربية مثل هضبة الجولان والضفة الغربية والحزام الأمني" في جنوب لبنان.

لكن هذه النظرية تعرضت للكثير من التصدع مع نشوب "حرب الخليج" صيف 1990، وتعرض المدن الإسرائيلية للقصف بصواريخ "سكود" العراقية البعيدة المدى، إذ ألغت صواريخ أرض-أرض التي تملكها الجيوش العربية الفائدة من وجود العمق الاستراتيجي، وغيرت ملامح المواجهة العسكرية المحتملة في المستقبل.

2- تحول "الحزام الأمني" منذ نهاية الثمانينات إلى سبب لتعرض سكان المستوطنات في الشمال للقصف بدلاً من أن يكون رادعاً له.


ألغت صواريخ أرض-أرض التي تملكها الجيوش العربية الفائدة من وجود العمق الاستراتيجي، وغيرت ملامح المواجهة العسكرية المحتملة في المستقبل.
فالمقاومة في الجنوب جعلت هدفها محاربة الاحتلال الإسرائيلي لأراضيها، ولقد اكتسبت هذه المقاومة شرعية لنشاطها بعد تفاهم أبريل/ نيسان الذي جرى التوصل إليه في أعقاب عملية "عناقيد الغضب" الإسرائيلية عام 1996 ضد لبنان، وصار من حق المقاومة مهاجمة الجيش الإسرائيلي في الجنوب. وبما أن الرد على هجمات المقاومة من جانب إسرائيل كان يأخذ صيغة قصف المراكز والتجمعات المدنية اللبنانية، كانت المقاومة ترد على ذلك بقصف المستوطنات في الشمال.

وهكذا تحول الاحتلال الإسرائيلي للجنوب إلى فخ مزدوج: فهو من جهة جعل الجنود الإسرائيليين أهدافاً مشروعة لعمليات المقاومة، ومن جهة أخرى عَرّض المستوطنات الإسرائيلية لخطر القصف الدائم.

3- كان من الواضح للقادة الإسرائيليين -لاسيما العسكريين منهم- أن المواجهة العسكرية الدائرة في الجنوب لا يمكن للجيش الإسرائيلي أن يحسمها لصالحه على الرغم من قوته وتفوقه العسكريين. ففي حرب العصابات التي شنتها المقاومة على الجيش الإسرائيلي لا مجال للحسم أو لتحقيق انتصار كاسح، وإنما كان ثمة إقرار بأن "حزب الله" استطاع خلال السنوات الأخيرة تحقيق مكاسب هامة وانتصارات على الجيش الإسرائيلي رغم كونه لا يتعدى المئات من المقاتلين المدربين، وكانت المواجهة ستبقى من دون حسم ما لم تتحول إلى حرب تقليدية تخوضها قوات نظامية.

4- مع استمرار وتصاعد أعمال المقاومة في الجنوب والدعم السوري الكبير لها أدرك الإسرائيليون أن الثمن الباهظ الذي يدفعه أبناؤهم في لبنان لا يعود فقط لاحتلالهم أراض لبنانية وإنما لاستمرار إسرائيل في الاحتفاظ بهضبة الجولان، وأن المقاومة في لبنان تحولت إلى "ورقة ضغط" سياسية لدفع إسرائيل للانسحاب من الجولان.

وأبرز دليل على ذلك تصاعد عمليات المقاومة عندما كانت تتعثر المفاوضات السياسية بين إسرائيل وسوريا. وعندما توقفت المفاوضات كان هدف سوريا من وراء دعمها لعمليات "حزب الله" الضغط على إسرائيل للعودة إلى المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها قبل اغتيال رابين، أي الإقرار بالانسحاب الكامل في الجولان مقابل السلام مع سوريا. وفي الحقيقة شكلت هذه النقطة أساساً للخلاف بين المؤيدين للانسحاب والمعارضين له.

ففي رأي المؤيدين للانسحاب من طرف واحد أمثال يوسي بيلين، أو المطالبين بالانسحاب التدريجي من أمثال أرييل شارون سيفصل مثل هذا الانسحاب مسألة الجنوب عن الجولان، وسيجعل سوريا "تخسر" ورقة المقاومة. فإذا كانت المقاومة هي ضد الاحتلال الإسرائيلي لأراض لبنانية فمعنى ذلك أنها تتوقف بعد زواله. أما إذا كانت لأهداف أخرى فعلى إسرائيل معالجة الموضوع مع الطرف المعني مباشرة أي سوريا.

أما المعارضون للانسحاب وهم إجمالاً قيادة الجيش الإسرائيلي وبعض زعامات اليمين المتطرف، فرأوا أن الانسحاب لن يضع حلاً لمشكلة المقاومة المسلحة في جنوب لبنان، بل على العكس فهو قد يخلق مخاطر مواجهة عسكرية من نوع آخر، وقد يجر المنطقة إلى حرب جديدة. كأنما الدفاع عن بقاء الحزام الأمني  "هدفه تأجيل المواجهة مع سوريا، وحصرها بساحة يعرفها الإسرائيليون ويدركون حدود مخاطرها.؟؟



لم يكن
قرار الانسحاب من لبنان قراراً تكتيكياً وإنما هو قرار استراتيجي يستند إلى تبدل في عقيدة إسرائيل الأمنية

 ”

في هذه الأثناء اتخذت حركات المعارضة للوجود الإسرائيلي في لبنان في إٍسرائيل بعداً هاماً، ونجحت في استقطاب تأييد جمهور عريض من الإسرائيليين وعلى رأس هذه الحركات "الأمهات الأربع" للعائلات التي فقدت أبناءها في جنوب لبنان إلى جانب تحرك الأحزاب اليسارية الإسرائيلية وحركة "السلام الآن"، كل ذلك خلق جواً عاماً ضاغطاً كان من الصعب للقيادة العمالية تجاهله عندما خاض إيهود باراك معركة رئاسة الحكومة ضد مرشح الليكود بنيامين نتنياهو، فاتخذ قراره بتحقيق الانسحاب، وبدأ الإعداد له فور تسلمه لمهامه في مايو/ أيار 1999. وعندما فشلت المفاوضات السياسية مع سوريا مطلع عام 2000، بات باراك مقتنعاً بضرورة تنفيذ انسحاب من طرف واحد من لبنان وبأسرع وقت ممكن.

يمكن القول انطلاقاً من هذا كله إن قرار الانسحاب من لبنان لم يكن قراراً تكتيكياً وإنما هو قرار استراتيجي يستند إلى تبدل في عقيدة إسرائيل الأمنية، ويعكس التحولات التي طرأت على موقفها من محيطها العربي لا سيما بعد مؤتمر مدريد ومفاوضات السلام وتوقيع اتفاق السلام مع الأردن واتفاقات أوسلو مع الفلسطينيين.

وعندما خرج آخر جندي إسرائيلي من لبنان يوم 25 مايو/ أيار 2000 تنفس الإسرائيليون عائلات وجنوداً الصعداء لاعتقادهم بأن فصلاً دامياً وقائماً قد أغلق، ألا وهو التدخل الإسرائيلي في لبنان. واليوم وبعد سنة على الانسحاب كيف تبدو حسابات الربح والخسارة من المنظور الإسرائيلي؟

 ماذا ربحت إسرائيل وماذا خسرت؟

عندما تقيّم إسرائيل الوضع على حدودها مع لبنان بعد عام على انسحابها فإنما تفعل ذلك انطلاقاً من الإجابة على مسائل أساسية هي: إلى أي حد ساهم الانسحاب في إرساء الهدوء على الحدود وأعاد الأمن إلى حياة سكان مستوطناتها في الشمال؟ أما المسألة الثانية فهي مدى مساعدة الانسحاب في تقليص خسائرها العسكرية والحفاظ على حياة جنودها، ومدى نجاحه في إعادة الاستقرار إلى المنطقة.

والواضح اليوم بعد سنة على الانسحاب وأكثر من سبعة أشهر من عودة "حزب الله" إلى عملياته العسكرية ضد جنود الجيش الإسرائيلي في مزارع شبعا، أن الهدوء الذي كان تاماً في الأشهر الأولى على الحدود تحول إلى هدوء متوتر. ومع ذلك استطاع هذا الهدوء أن يحقق عودة وتيرة حياة طبيعية إلى سكان الجليل، وأعاد دورة الحياة إلى الاقتصاد والاستثمار إلى هذه المنطقة التي جعلتها ظروف المواجهة العسكرية المستمرة في لبنان ضمن خط المواجهة.

وبالاستناد إلى تقارير صحفية إسرائيلية تشهد مستوطنات الشمال مثل كريات شمونة والمطلة نهضة اقتصادية وعمرانية وسياحية. واستطاعت هذه المدن التغلب على الأزمة في اليد العاملة التي خلقها إغلاق الحدود أمام العمال اللبنانيين، وذلك باستبدال اللبنانيين بعمال من تايلند. وسكان الجليل الذين استجوبتهم الصحف قالوا إنهم بعد فترة من القلق والخوف والحذر أعقبت الانسحاب وانتشار قوات "حزب الله" على الحدود المتاخمة لهم، اعتادوا رؤية أعلام الحزب مقابل حقولهم طالما أن خطر المواجهات والعمليات محصور بمزارع شبعا. ومعنى هذا أن سكان المستوطنات حتى إشعار آخر هم في منأى عن خطر الكاتيوشا.


أعاد الانسحاب للمجتمع الإسرائيلي وحدته بعدما بدأت تظهر ملامح انقسام حادة حول جدوى بقاء الجنود الإسرائيليين في جنوب لبنان.
عسكريا نجحت إسرائيل خلال العام المنصرم في تقليص خسائرها من الجنود القتلى، فاقتصرت الحصيلة على ثلاثة قتلى وثلاثة مخطوفين، وهذه حصيلة ضئيلة بالمقارنة مع معدل الخسائر السنوي للجيش الإسرائيلي الذي تراوح في السنوات الأخيرة ما بين 22 و23 قتيلاً سنوياً.

ودولياً استفادت إسرائيل من تنفيذها الانسحاب من لبنان بحسب القرار 425 للأمم المتحدة، إذ حاولت أن تظهر صدقيتها أمام الدول وتكسب تأييدها. كما استغلت عدم نشر الحكومة اللبنانية لجيشها على الحدود بأن أظهرت نفسها كدولة تحترم القرارات الدولية ولبنان هو الذي يخرقها.

وداخلياً أعاد الانسحاب للمجتمع الإسرائيلي وحدته بعدما بدأت تظهر ملامح انقسام حادة حول جدوى بقاء الجنود الإسرائيليين في جنوب لبنان.

وحزبياً أظهر تحقيق قرار الانسحاب باراك بوصفه زعيماً يحترم وعوده وينفذها ثم يتحمل عواقبها.

وفي مقابل الأرباح وقعت خسائر اعترفت بها إسرائيل ضمناً أو علناً يأتي في طليعتها:
1. تصوير الانسحاب على أنه فرار وخسارة وإذلال لإسرائيل وانتصار ساحق للمقاومة، ولم يفد دفاع القيادة العسكرية بأنها نفذته من دون إراقة نقطة دم واحدة. فالصورة التي بقيت وعلقت في الأذهان هي المعدات الإلكترونية والعسكرية التي خلفها الجيش وراءه أثناء انسحابه السريع، وآلاف الجنود من "جيش لبنان الجنوبي" حليف إسرائيل الأساسي طوال الثماني عشرة سنة الماضية مع عائلاتهم يتدافعون صبيحة الخامس والعشرين من مايو/ أيار على بوابات العبور للدخول إلى إسرائيل فراراً من انتقام المقاومة بعد أن تخلت إسرائيل عنهم وتركتهم يواجهون مصيرهم لوحدهم. وأعلام "حزب الله" ترفرف فوق المناطق المحررة.

2. اعتبر بعض الإسرائيليين أن الانسحاب من طرف واحد ودون التوصل إلى اتفاقات أو ترتيبات أمنية مع الجانب اللبناني، هو سابقة خطيرة سوف تدفع إسرائيل إلى تقديم تنازلات مشابهة للفلسطينيين وللسوريين.

3. ثمة إجماع اليوم ومع عودة التوتر إلى الحدود مع لبنان الذي بلغ في المرحلة الحالية عتبة التهديد باندلاع مواجهة عسكرية شاملة أن الانسحاب أضعف هيبة إسرائيل وقدرتها على الردع، لاسيما وأن الانسحاب وتطبيق القرار 425 لم يؤديا إلى تجريد "حزب الله" من سلاحه وإلى وقف العمليات المسلحة. بل برزت ذريعة جديدة لاستمرار عمل المقاومة وهي المطالبة بانسحاب إسرائيل من مزارع شبعا التي لم يلحظها القرار السابق، وتحرير المعتقلين اللبنانيين والأسرى في السجون الإسرائيلية.

الانسحاب شجع انتفاضة الأقصى
كما تذهب فئة من الإسرائيليين خاصة العسكريين منهم إلى تحميل الانسحاب مغبة اندلاع الانتفاضة الفلسطينية. ففي رأيهم أن انتصار "حزب الله" في الجنوب شجع الأطراف المتطرفة الفلسطينية على المطالبة بالعودة إلى القتال ولغة العنف بوصفها اللغة الوحيدة التي تفهمها إسرائيل.

وفي الحقيقة فإن الجدل الإسرائيلي الآن تحوّل بعد عام على الانسحاب إلى خلاف بين تيارين: تيار يرى بأنه كانت للانسحاب انعكاسات بالغة السلبية على صورة إسرائيل لدى العرب إذ أضعفت قدرتها على الردع وقوّت المعسكر العربي المؤيد للقتال المسلح على تيار المعتدلين الذين يؤمنون بالحوار لحل النزاعات، وتيار آخر يرى أن الانسحاب هو أفضل حدث عرفته إسرائيل في السنوات العشر الأخيرة من تاريخها لأنه لم يعد الجنود إلى عائلاتهم فقط، وإنما أعاد الوحدة إلى المجتمع الإسرائيلي أيضا.

ويذهب أنصار هذا التيار بعيداً في إدانتهم لسنوات الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان التي يعتبرونها سنوات ضائعة ذهبت بحياة الجنود من دون طائل، ويطالب هؤلاء بإقامة لجنة تحقيق على شاكلة لجنة "كهانا" التي حققت بمجازر صبرا، وذلك لمحاسبة القيادة العسكرية الإسرائيلية التي ظلت طوال سنوات تدافع عن الحزام الأمني بوصفه ضرورياً للدفاع عن أمن المستوطنات في حين يتضح اليوم أن الانسحاب هو الذي أعاد الأمن وليس الاحتلال.

دور المقاومة اللبنانية في دفع إسرائيل للانسحاب

يعترف الإسرائيليون بأن سياستهم إزاء لبنان اتسمت أثناء سنوات وجودهم العسكري فيه بالبلبلة وعدم الوضوح في الأهداف، إذ كان واضحاً لهم ومنذ السنة الأولى لإقامة "الحزام الأمني" أن هذا لن يشكل حلاً في وجه الهجمات. ففي إحصاءات إسرائيلية بلغ عدد القتلى الذين سقطوا ما بين 1/6/1985 وحتى 4/4/1986 سبعة قتلى و34 جريحاً، هذا بالإضافة إلى عدد أكبر من القتلى والجرحى بين صفوف حلفائهم من جيش لبنان الجنوبي.

وشهدت هذه الأرقام خلال الأعوام التي تلت ازدياداً مطرداً، ففي عام 1988 بلغ عدد القتلى من الجنود الإسرائيليين وبالاستناد إلى المعلق العسكري في "هآرتس" زئيف شيف 36 جندياً وجرح 64 آخرين إلى جانب اختطاف اثنين. وفي عام 1985 وقعت 329 حادثة إطلاق صواريخ الكاتيوشا وقذائف في منطقة الحزام الأمني مقابل 140 حادثة عام 1987 و85 حادثة حتى أواسط عام 1988. أما الخسائر الإسرائيلية طوال التسعينات فثبتت على معدل سنوي هو حوالي 22 قتيلاً إسرائيلياً.



دفعت إسرائيل ثمن احتلالها العسكري لجنوب لبنان  1200 قتيل، وهو رقم ضخم بالمقارنة مع 2600 قتيل حصيلة حرب 1973 ونحو 800 قتيل في حرب 1967

ودفعت إسرائيل ثمن احتلالها العسكري لجنوب لبنان طوال 18 سنة ما يقارب 1200 قتيل، وهو رقم ضخم بالمقارنة مع 2600 قتيل حصيلة حرب 1973 ونحو 800 قتيل في حرب 1967.

وشهدت المواجهة الدائرة بين المقاومة والجيش الإسرائيلي في السنوات الخمس الأخيرة تطوراً نوعيا مع لجوء المقاومة إلى استخدام سلاح العبوات التي كانت تفجر عن بُعد، والتي أودت بعدد كبير من القادة العسكريين الإسرائيليين، منهم على سبيل المثال مسؤول الجيش الإسرائيلي في الحزام إيرز غرنشتاين الذي اغتيل بتفجير عبوة أثناء مرور موكبه عام 1999، وقائد جيش لبنان الجنوبي هاشم عقل الذي اغتيل أيضاً بانفجار عبوة عام 2000. وفي أرقام نشرتها القيادة الشمالية للجيش الإسرائيلي ونقلتها الصحف بلغ عدد العمليات التي قام بها "حزب الله" عام 1998م 1200 عملية مقابل 670 عملية نفّذها عام 1997 أي ما يقارب الضعف، مع استقرار في عدد قتلى الجيش الإسرائيلي كما أوردناه سابقاً.

كان لذلك كله تأثيره الكبير على قرار الانسحاب، فجميع الوسائل التي استخدمتها إسرائيل لضرب "حزب الله" لم تنجح. وأظهر الحزب بنية تنظيمية متماسكة غير قابلة للاختراق من جانب الاستخبارات الإسرائيلية، كما أن أسلوب الاغتيال الذي لجأت إليه إسرائيل في مطلع التسعينات عندما اغتالت الأمين العام للحزب الشيخ عباس الموسوي لم يجد نفعاً إذ كان الرد عليها عمليات تفجير للسفارة الإسرائيلية في الأرجنتين.

أحد مقاتلي حزب الله
أما الرد على عمليات الحزب بالقيام بعمليات عقاب جماعي كما جرى في عملية "تصفية الحساب" صيف 1993 حين لجأت حكومة رابين إلى تهجير مقصود لأهالي الجنوب عن قراهم بالقصف نحو العاصمة للضغط على الحكم، فلم تنفع، ولم تنفع أيضا عمليات القصف الكثيف للبنى التحتية في لبنان كما جرى في يونيو/ حزيران عام 1999، إذ أدان العالم إسرائيل وتعاطف مع لبنان. وبالطبع كان أكبر إخفاق لإسرائيل في مواجهاتها مع الحزب عملية "عناقيد الغضب" عام 1996 التي أسفرت عن مجزرة ارتكبها الطيران الإسرائيلي في حق المدنيين الأبرياء من اللبنانيين الذين لجؤوا إلى مقر للأمم المتحدة في قانا، وذهب ضحية القصف ما يناهز المائة قتيل.

وبعد سنوات من القتال والمواجهة ثبت لإسرائيل أن النواة الصلبة المقاتلة "لحزب الله" غير قابلة للكسر، لاسيما وأن السنوات الأخيرة شهدت التفافاً شعبياً وإجماعاً لبنانياً حول المقاومة قلّ مثيله في تاريخ لبنان المليء بالنزاعات الأهلية. 

انطلاقاً مما سبق لا يمكن لإسرائيل أن تنكر أنها انسحبت من لبنان لأنها لم تعد تجد فائدة أمنية لبقائها فيه، ولأنها من جهة أخرى وجدت نفسها في خضم "حرب عصابات" شرسة يخوضها ضدها "حزب الله" هي غير قادرة على حسمها لصالحها، يُضاف إلى ذلك الارتفاع المطرد لعدد القتلى والجرحى، وبذلك يكون الانسحاب أول هزيمة عسكرية تلحق بجيش إسرائيل منذ عام 1948.

الانسحاب أنهى المواجهات لكنه لم ينه التوتر


تعرف إسرائيل أنها لن تستطيع حسم المواجهة مع "حزب الله" في حرب عصابات، وهي أيضاً لا ترغب في الفترة الحالية ومع التصعيد الكبير في أعمال الانتفاضة في فتح جبهة جديدة في الشمال إلى الجبهة الفلسطينية.
بعد سنة على الانسحاب خلف هذا الحدث الذي أرادت بواسطته إسرائيل أن تنتزع "ورقة" ضغط سياسية من يد سوريا واقعاً جديداً هو الآتي:
- أدركت إسرائيل أن الانسحاب مع استمرار احتلال الجولان وتجميد المفاوضات السياسية مع سوريا لم يحقق الهدوء الكامل على الحدود مع لبنان، وإنما حوّل المواجهات اليومية والدموية إلى ما يصفه الإسرائيليون بحالة من نزاع خفيف التوتر (Low – intensity conflict) تسود اليوم منطقة جبل الشيخ، حيث يعلن "حزب الله" استمراره في العمليات طالما أن إسرائيل لم تنسحب من مزارع شبعا.

- تعرف إسرائيل أنها لن تستطيع حسم المواجهة مع "حزب الله" في حرب عصابات، وهي أيضاً لا ترغب في الفترة الحالية ومع التصعيد الكبير في أعمال الانتفاضة في فتح جبهة جديدة في الشمال إلى الجبهة الفلسطينية.

ا نطلاقاً من هذا كله سعت الحكومة الإسرائيلية مع بدء عمليات "حزب الله" في مزارع شبعا التي استهلها بخطف الجنود الإسرائيليين الثلاثة باتباع سياسة "ضبط النفس"، ورغم كل التهديدات التي أطلقها باراك وحكومته عشية الانسحاب بأنه سيرد بعنف كبير على أي تحرّك معادٍ يقوم به "حزب الله" ضد جنوده فإنه في الحقيقة وجد نفسه عاجزاً عن تنفيذ تهديداته. ومع كل التحذيرات والتهديدات التي أطلقها تجاه حكومة لبنان وسوريا اللتين اعتبرهما مسؤولتين عما يحدث، فإنه لم يضع كلامه موضع التنفيذ الأمر الذي احتجت عليه القيادة العسكرية الإسرائيلية واعتبرته المزيد من الإضعاف لقدرة الردع الإسرائيلية.

لكن ما فعله باراك طوال الأشهر الأخيرة لحكمه أنه حاول حصر المواجهات بمزارع شبعا، وامتناعه عن الرد على عمليات الحزب بقصف مواقع لبنانية ساهم في ذلك، وهو من جهة أخرى حاول استغلال الوضع الناشئ على الحدود لزيادة الضغط الدولي على لبنان لنشر جيشه على الحدود ودفع الولايات المتحدة لتجميد مساعداتها الاقتصادية للبنان.

عندما تولى أرييل شارون رئاسة الحكومة الإسرائيلية يوم 6 فبراير/ شباط من هذا العام أدخل على السياسة المتبعة إزاء لبنان تعديلاً أساسياً هو حصره مسؤولية ما يحدث على الحدود بسوريا واعتبار ذلك حجة له لضرب أهداف سورية في لبنان. هذا ما حدث مثلاً في أبريل/ نيسان الماضي عندما أغارت الطائرات الحربية على موقع للرادار السوري في ضهر البيدر في لبنان ودمرته، رداً على عملية قام بها الحزب وأسفرت عن مقتل جندي إسرائيلي.

والواضح أن ما يحاول أن يفعله شارون ووزير دفاعه بنيامين بن إليعازر الذي قال في أكثر من تصريح له إن إسرائيل سترد بضرب أهداف سورية وليس بقصف "المدن والقرى اللبنانية حيث يختبئ رجال حزب الله" هو تحويل نوعية المجابهة من "حرب عصابات" ضد مقاتلي الحزب إلى مواجهة جبهوية بين الجيش السوري والجيش الإسرائيلي.

ورغم المجازفة التي ينطوي عليها مثل هذا الخيار فالحسابات التي على أساسها تتخذ إسرائيل خطواتها تقوم على التقدير بأن سوريا لا ترغب حاليا في دخول مواجهة مع إسرائيل. ورغم الإشارات المقلقة الأخيرة التي تجمّعت لدى قيادة الجيش الإسرائيلي من أن سوريا أعلنت حالة الاستنفار في جيشها، وأنها تتحضّر للرد أو لعرقلة أي اعتداء تتعرّض له قواتها فإن ذلك لم يخفف من حدّة التصريحات الإسرائيلية بأن إسرائيل سترد بعنف بقصف أهداف سورية وكأنما هناك محاولة مقصودة من الطرفين في المضي حتى شفير الهاوية.

ولكن وبعيداً عن التصريحات تجري إسرائيل اتصالات حثيثة لوقف التدهور والتصعيد على حدودها مع لبنان، وهي لهذه الغاية تستخدم قنواتها السياسية مع روسيا والإدارة الأميركية طالبة منهما التدخل والطلب من الرئيس الأسد بعدم التصعيد.

الانسحاب والانتفاضة الفلسطينية

مظاهرة تأييد لحزب الله في فلسطين
مما لا شك فيه أن انتصار المقاومة في لبنان، واضطرار إسرائيل لتنفيذ انسحابها المبكر ومن طرف واحد من الجنوب بعد احتلال استمر 18 سنة، كان له أثره الكبير في الشارع العربي إجمالاً وفي الشارع الفلسطيني تحديداً. ولكن هل يمكن القول إن الانسحاب هو الذي أدّى إلى نشوب الانتفاضة؟

من الصعب الذهاب بعيداً إلى هذا الحد، فللانتفاضة أسبابها الخاصة التي يمكن تلخيصها في أمرين: وصول المفاوضات السياسية بين السلطة الفلسطينية وحكومة باراك إلى حائط مسدود بعد فشل المحادثات التي جرت بحضور الرئيس الأميركي في كامب ديفد يوليو/ تموز 2000، والأزمة الخانقة التي عاناها الفلسطينيون نتيجة سياسة التضييق الاقتصادي التي مارستها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي حاولت إفراغ اتفاق أوسلو من مضمونه والتهرّب من تطبيق الاتفاقات المعقودة.

اعتقدت الحكومة في إسرائيل أن ليس لدى عرفات وسيلة للمقاومة سوى الرضوخ للشروط والإملاءات الإسرائيلية، ومن ناحية أخرى توصلت قيادة السلطة الفلسطينية إلى قناعة بأن إسرائيل لن تنفذ الاتفاقات ولن تقبل بالمسائل الأساسية مثل السيادة الفلسطينية على القدس الشرقية، لذا في خضمّ هذه التبدلات بدأ التحضير للانتفاضة.



النموذج الذي قدّمته المقاومة في تحرير الجنوب شكل حافزا قويا لدى الشعب الفلسطيني للاقتداء به

ومما لا شك فيه أن النموذج الذي قدّمته المقاومة في تحرير الجنوب شكل حافزا قويا لدى الشعب الفلسطيني للاقتداء به. واللافت كيف تحوّلت الانتفاضة من مظاهرات شعبية وحركات احتجاج سلمية ضد الاحتلال الإسرائيلي، إلى مواجهات مسلحة وعمليات إطلاق نار وزرع عبوات، ثم تطورت إلى أعمال قصف بالصواريخ.. كل ذلك جعل العديد من المعلقين الإسرائيليين يصفون ما يجري في المناطق بأنه "لبننة" للصراع.

لكن يجب ألا ينسى أن المنظمات الفلسطينية التي تخوض المواجهات الآن إلى جانب تنظيم "فتح" خبرت جميعها حرب العصابات في الماضي في لبنان، وكانت السبّاقة في ابتكار أنواع المواجهات واختراع خطوط التماس، والأكيد أن سنوات القتال التي خاضتها المقاومة في الجنوب قدّمت مثالاً وطورت أساليب قتالية. ولكن أبطال اليوم في المقاومة اللبنانية كانوا تلامذة الأمس في معسكرات التدريب الفلسطينية. وتالياً فالتجربة القتالية للمقاومة في لبنان هي استمرار للتجربة الفلسطينية مع الاستفادة من الأخطاء التي ارتكبتها هذه الأخيرة قبل خروجها من لبنان.

وبالطبع كان لانتصار المقاومة اللبنانية انعكاساتها في الشارع العربي الذي رأى في هذا الإنجاز انتصارا للكرامة العربية، وبلغت أصداء ذلك إلى الحكام، فقرارات مؤتمرات وزراء الخارجية العرب ومؤتمر القمة الأخير كلها دعمت بشكل مطلق حق "حزب الله" في القتال لتحرير مزارع شبعا رغم تعارض ذلك مع موقف الأمم المتحدة الداعي لحل مشكلة الخلاف على المزارع بالطرق الدبلوماسية. وكذلك برز الدعم الكبير للانتفاضة الفلسطينية وللسلطة الفلسطينية في حربها من أجل استقلالها.

والواضح اليوم أن ثمة علاقة جوهرية بين ما يجري في المناطق الفلسطينية والتوتر على الحدود اللبنانية، فطالما أن الانتفاضة مستمرة ولا سبيل للحوار أو التفاوض لا يمكن أن تعود المفاوضات السياسية مع سوريا، وتجميدها يعني الحفاظ على درجة معينة من التوتر والسخونة على الجبهة مع إسرائيل.. والكل في لبنان وسوريا مدرك لذلك.

أما في إسرائيل فكل النقاش الدائر عن الانسحاب بعد مرور سنة كاملة واقع تحت تأثير هاجس الانتفاضة وانعكاساتها على مجمل الوضع الإسرائيلي، إذ وضعت المواجهات مع الفلسطينيين إسرائيل وجهاً لوجه مع مشكلتها الحقيقية ألا وهي استمرار احتلالها للأراضي الفلسطينية، وعجزها عن مواجهة حقيقة أن المستوطنات اليهودية في الضفة وغزة هي العائق الكبير من أجل حل النزاع مع الفلسطينيين.

في المقابل ثمة إجماع اليوم في إسرائيل على أن لا عودة إلى احتلال أراض لبنانية بأي ذريعة من الذرائع. ورغم كل الأصوات المنتقدة للانسحاب لا أحد يطالب اليوم بالعودة إلى الحزام الأمني الذي بات جزءاً من الماضي، بل هناك في إسرائيل من يطالب الحكومة باتخاذ قرار بالانسحاب من مزارع شبعا، وإبطال الحجة التي يستخدمها "حزب الله" للاستمرار في عملياته.

لقد شكل التورّط العسكري الإسرائيلي في لبنان حقبة مليئة بالخيبات والفشل لعدد من رؤساء الحكومات، بدءاً من مناحيم بيغن الذي ظن أن باستطاعته أن يعقد حلفاً مع الأقلية المسيحية في لبنان ويوقّع معها على اتفاق سلام مروراً بإسحق رابين وشمعون بيريز وإسحق شامير وبنيامين نتنياهو. وأراد باراك أن يدخل التاريخ الإسرائيلي وربما سيكون إنجازه الوحيد أنه كان الشخص الذي اعترف بفشل إسرائيل في لبنان وتحمّل مسؤولية إخراج جنوده من "المستنقع اللبناني".
ــــــــــــ

* باحثة في الشؤون الإسرائيلية في صحيفة "النهار"/ بيروت.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة