صفقة لوكربي.. نهاية أم بداية؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:47 (مكة المكرمة)، 16:47 (غرينتش)

شقيقة أحد ضحايا طائرة بان أميركان

بقلم/ محمد بن المختار الشنقيطي

محمد بن المختار الشنقيطي
أهداف القيادة الليبية من الصفقة
الخيارات الليبية في عالم القوة
صلح مفتوح رغم كل الاحتياطات
قضايا النفط ووراثة النظام الليبي

توصلت ليبيا مع الولايات المتحدة وبريطانيا مؤخرا إلى صفقة لحل قضية لوكربي، بعد خمسة عشر عاما من الشد والجذب، وأحد عشر عاما من الحصار الجائر. وقد أثارت هذه الصفقة العديد من التساؤلات حول حكمتها السياسية ومغزاها الاستراتيجي: فهل كانت لدى القيادة الليبية خيارات أخرى للتعاطي مع ملف لوكربي في الظرف الدولي الحالي؟ وهل ستؤدي الصفقة إلى ما يتطلع إليه العقيد القذافي من تغيير صورته لدى أميركا والغرب؟ وهل ستدرأ عنه مخاطر التهديد الخارجي الذي رأى نتائجه المريرة في العراق؟ وأخيرا ما هي صلة صفقة لوكربي بالإستراتيجية النفطية الأميركية ووراثة النظام الليبي؟ وهل ستكون هذه الصفقة بداية أم نهاية؟

أهداف القيادة الليبية من الصفقة


ليس من الإنصاف العتْب على القيادة الليبة في محاولتها تحقيق تسوية بكل الوسائل الممكنة، وهي تتعاطى مع نظام دولي لا يرحم، ولا يعرف للحق والقانون معنىً، إلا بقدر ما يرادفان مصلحة الكبار ونفوذهم
يبدو أن القيادة الليبية تهدف من وراء صفقة لوكربي إلى تحقيق أهداف خمسة:

  1. إغلاق الملف من الناحية القضائية، من خلال تخلي أقارب الضحايا عن حقهم في رفع دعاوى مستقبلا ضد القيادة الليبية، مقابل التعويضات السخية التي سيستلمونها.
  2. رفع العقوبات المفروضة على ليبيا من طرف مجلس الأمن الدولي منذ العام 1992 وهي عقوبات أضرت بليبيا إضرارا بالغا، سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا.
  3. رفع العقوبات الأميركية عن ليبيا، مما يفتح الباب لاستثمار الشركات الأميركية في نفطها، ويمكِّن من تحديث قطاع النفط الليبي الذي يعاني كثيرا من الصعوبات.
  4. شطب اسم ليبيا من اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، فتهمة دعم الإرهاب أصبحت تثير ذعر العديد من القيادات العربية، ومنها القيادة الليبية.
  5. رجوع ليبيا إلى الصف الدولي، وترسيخ وجودها الدبلوماسي إقليميا وعالميا، بعد عزلة خانقة عانت منها مدة مديدة.

وكل هذه أهداف مطلوبة ومرغوبة، فليس من الإنصاف العتب على القيادة الليبة في محاولتها تحقيق هذه الأهداف بكل الوسائل الممكنة، وهي تتعاطى مع نظام دولي لا يرحم، ولا يعرف للحق والقانون معنىً، إلا بقدر ما يرادفان مصلحة الكبار ونفوذهم. لكن صيغة المحاولة من الناحية الإجرائية، وآثارها السياسية الآتية، هي التي تستحق التوقف والتمحيص.

الخيارات الليبية في عالم القوة

ليست الخيارات أمام القيادة الليبية متسعة اليوم كما كانت عام 1988، حينما كان تهمة "لوكربي" موزعة بين أطراف شتى، وكانت دماء ضحاياها مشتتة بين القبائل، بما فيها بعض المنظمات الفلسطينية، وبعض الدول "المارقة" –حسب الاصطلاح الأميركي- مثل إيران وسوريا. أما اليوم وقد انحصرت التهمة في ليبيا، وذاقت مرارة الحصار والعزلة بسببها، فإن الخيارات تضيق أمام القيادة الليبية:

  • فهي مدانة –بحق أو بباطل– من طرف مجلس الأمن الدولي الذي فرض عليها عقوبات اقتصادية صارمة تكاد تهد اقتصادها، وحصارا جويا يكاد يخنقها.
  • وهي مخذولة من طرف الدول العربية التي لم تجرؤ حتى على فعل ما فعلته العديد من دول الجوار الأفريقي من اعتبار الحصار ملغى خلال الأعوام الأخيرة.
  • وهي ترى بأم عينها أن سيادة الدول التي تعتبر ركيزة السلم والاستقرار الدولي لم يعد لها وجود، خصوصا إذا تعلق الأمر بخلاف بين أميركا ودولة عربية.

لكن هل يعني هذا أن القيادة الليبية لم تفعل إلا ما تعين عليها فعله، وأنها لا تملك أي حرية للمناورة؟ كلا! فذلك التفسير الجبري يناقض الحقيقة ويبرر الخنوع.

ومهما يقْسو النظام الدولي على الضعفاء ويجامل الأقوياء –وهذا دأبه دائما بالمناسبة– فإن هناك ثغرة في الطريق المسدود يظل من الممكن دائما الولوج منها.
ومن الخيارات التي كان في وسع القيادة الليبية تبنيها، بدلا من الخضوع لهذه الصفقة المجحفة:

  1. المصالحة الداخلية مع القوى السياسية المعارضة التي شردها القمع والتضييق، ومزقها كل ممزق. فلو تمت تلك المصالحة لجعلت الجبهة الداخلية أكثر حصانة أمام التهديد الخارجي. فالعبرة من تجربة صدام حسين تشير إلى أن الغزو الخارجي لا ينجح إلا إذا كان البلد ممزق الأحشاء مشتت القوى.
  2. المماطلة في التعاطي مع الملف، والمراهنة على سقوط العقوبات مع الزمن، خصوصا وهي الآن معلقة. مع التركيز على العمل الدبلوماسي في المحيط القريب من دول عربية وأفريقية وأوروبية، وقد تكشفت التفاتة القذافي الأفريقية –رغم انتقاد بعض العرب لها– عن قدر كبير من النجاح الدبلوماسي.
  3. السعي إلى صلح يغلق الملف نهائيا دون قبول تحمل للمسؤولية، تجنبا لأي إحراجات أو أضرار مستقبلية. وذلك من خلال الإصرار على رفض شرط "تحمل المسؤولية" عن حادثة لوكربي، وهو شرط طالبت به كل من بريطانيا والولايات المتحدة.

لكن لا يبدو –بكل أسف– أن القيادة الليبية تهتم بالجبهة الأولى أصلا، أعني جبهة المصالحة مع معارضيها، بل لا تزال المعارضة في عرفها مرادفة للخيانة والعمالة والتواطؤ ضد الثورة.. وما إلى ذلك من أدبيات الخمسينيات والستينيات التي عفا عليها الزمن.

كما أنها أصبحت مقتنعة أن الاستمرار في الصمود تحت الحصار لم يعد ممكنا. فقد استخلصت القيادة الليبية من الغزو الأميركي للعراق أن التفاهم مع "الإمبريالية" شر ليس منه بد، وهي لا تستبعد أن ينتهي حصار ليبيا بغزوها، كما حدث في العراق. ولعل ذلك مبالغة في تصور الخطر. أما التوصل إلى صلح يبرئ الذمة، ويخلص من مأزق لوكربي إلى الأبد، فذلك ما حاولته القيادة الليبية بهذه الصفقة، فهل وفقت في ذلك؟

صلح مفتوح رغم كل الاحتياطات


استخلصت القيادة الليبية من الغزو الأميركي للعراق أن التفاهم مع "الإمبريالية" شر ليس منه بد، وهي لا تستبعد أن ينتهي حصار ليبيا بغزوها، كما حدث في العراق
الأصل في التصالح ودفع التعويضات السخية أن يكون الغرض منهما تجنب التقاضي، وعدم اعتراف الجاني بجريرته، وتمكنه من سد الباب أمام أي دعاوى مستقبلية. لكن يبدو أن القيادة الليبية وقعت في فخ "الاعتراف" و"تحمل المسؤولية"، رغم أنها لم تثبت عليها جناية أمام قضاء محايد. وقد كان الأوْلى بها أن تناور حتى تحصل على القبول بالتعويض دون التصريح بالاعتراف.

ولم يكن هذا الأمر غائبا عن بال القيادة الليبية، لكن عائلات الضحايا –مدفوعين على الراجح من طرف جهات لا تريد إغلاق الملف– رفضوا أن يقبلوا أي تعويض إلا إذا صاحبه اعتراف من ليبيا بمسؤوليتها عن حادث لوكربي، فأذعنت القيادة الليبية لذلك المطلب، وهو ما يعني أن مقاضاتها مستقبلا ستظل ممكنة من الناحية القانونية، ولن تنقص الذريعة السياسية لذلك. ومما يزكي هذا الطرح:

  • موافقة القيادة الليبية ضمنا على استمرار التحقيق في قضية لوكربي في رسالتها الأخيرة إلى مجلس الأمن، بل وتعهدها بالتعاون في هذا الشأن. فقد ورد في الرسالة أن ليبيا "تتعهد بالتعاون بحسن نية في أي طلب آخر لمعلومات تتعلق بالتحقيق في الرحلة 103" التي سقطت فوق لوكربي.
  • مطالبة بعض أقارب الضحايا –رغم التعويضات– بفتح تحقيق مستقل في قضية لوكربي، لمعرفة "حقيقة ما جرى" وهم مقتنعون أن شخصا واحدا -وهو عبد الباسط المقرحي الذي يقضي سَجنا مدى الحياة في أحد سجون إسكتلندا- لا يستطيع تدبير كل هذا الأمر.
  • رفض إحدى الأمهات قبول أي تعويضات ليبية ديةً لابنتها التي ماتت في طائرة لوكربي، وإصرارها على استمرار التحقيق في الموضوع حتى تتبين حقيقته، واحتفاظها بحقها في المقاضاة مستقبلا، اقتناعا منها أن القيادة الليبية لا تزال لديها ما تخفيه حول هذا الأمر.
  • رفض أحد الأقارب أخذ التعويضات ديةً لأخيه الذي مات في الحادث، لعدم اقتناعه – كما قال - بتورط الليبيين. لكنّ لديه مبررا آخر لا يقل أهمية، وهو أنه يعتقد أن التعويضات قد تؤثر على حقه في رفع دعوى ضد آخرين قد يظهر تورطهم في القضية مستقبلا.
  • احتجاج بعض أسر الضحايا على الصفقة التي اعتبروها صفقة بين ليبيا وشركات النفط الأميركية، هدفها التفاهم بينهما بشأن النفط الليبي، وهم يرون أن الأمر برمته اتجه وجهة غير أخلاقية، تهدف إلى إرباح شركات النفط، أكثر مما تهدف إلى إنصاف قتلى لوكربي وأقاربهم.

وقد تحفظ الأستاذ إبراهيم الغويل على الصفقة بسبب مأزق "الاعتراف" هذا، وهو أدرى الناس بخبايا القضية، إذ هو منسق فريق الدفاع سابقا في قضية لوكربي، وخبير في القانون الدولي. وكان رأي الأستاذ الغويل أن من الممكن التوصل إلى "تسويات خارج المحكمة، وعلى أسس قانونية معروفة لا تتطلب الاعتراف بالمسؤولية".

فصفقة لوكربي انتهت –رغم كل الاحتياطات الليبية– إلى صلح مفتوح على كل الاحتمالات، وليس صلحا نهائيا يغلق الملف إلى الأبد. وقد يسير الملف مستقبلا في اتجاهات غير مرغوبة ولا محسوبة، مثل تجريم القادة الليبيين من خلال ربط التحقيق بينهم وبين قضية لوكربي، أو مجرد اتهامهم بعدم التعاون مع التحقيق كما وعدوا مجلس الأمن الدولي.

قضايا النفط ووراثة النظام الليبي


إن التعويض والاعتراف الضمني بالجُرم إذا كانا نهاية القضية في نظر القيادة الليبية، فإنهما في نظر الأميركيين والبريطانيين بداية لا نهاية

ليس من الخطأ ربط صفقة لوكربي بالإستراتيجية النفطية الأميركية عبر العالم: لقد حاولت الولايات المتحدة الحصول على نصيب من نفط بحر قزوين من خلال مد أنابيب عبر أفغانستان، لكن عدم استقرار حكومة "كرزاي" حال دون ذلك حتى الآن، وحاولت أن تستحوذ على نفط العراق من خلال إسقاط صدام حسين، لكن اشتعال نار المقاومة شوشت على ذلك، ثم هي تواجه وضعا غير مستقر في السعودية –أكبر مزود لها بالنفط- لا يمكن التكهن بمساره.. فليس من المستغرب أن يكون الجنوح إلى الصلح مع ليبيا محاولة أميركية للرجوع إلى حقول النفط الليبية، بعد أن حرمت الشركات الأميركية منها فترة من الزمن. وحقول النفط الليبية أقرب إلى الشواطئ الأميركية، والقيادة الليبية في موقع ضعف ناتج عن أزمة لوكربي يجعلها مستعدة لأي صفقة تريحها من تلك الأزمة.

وبما أن الاستثمار النفطي عملية إستراتيجية، فإن أميركا لا تقدم عليها إلا إذا اطمأنت إلى الاستقرار السياسي في البلد الذي تستثمر فيه. والاستقرار السياسي في عرف الولايات المتحدة يعني الاطمئنان إلى أن رأس الدولة مضمون الولاء لها، وأن لديها حضورا كافيا في أجهزة الدولة الوسيطة يضمن عدم حدوث تقلبات سياسية مفاجئة. ولن يتوفر هذان الشرطان في ليبيا ما دامت قيادتها الحالية في الحكم.

لذا فإن وراثة العقيد معمر القذافي، وهو أقدم الرؤساء العرب في السلطة، مما يهم الأميركيين والبريطانيين كثيرا، وحتى الأوربيين الآخرين. وبما أن القوى السياسية الوحيدة المرشحة لوراثة القذافي الآن هي قوى إسلامية، فإن ذلك يقلق أميركا وحلفاءها. فتطبيع العلاقات مع القيادة الليبية الحالية والدخول معها في صفقات سياسية وتجارية قد يعتبره الأميركيون الوسيلة الوحيدة لفهم واختراق الديناميكية السياسية الداخلية في ليبيا، التي طال غيابهم عن الاحتكاك بها.

ومهما يكن من أمر، فإن التعويض والاعتراف الضمني بالجُرم إذا كانا نهاية القضية في نظر القيادة الليبية، فإنهما في نظر الأميركيين والبريطانيين بداية لا نهاية.. وهنا لبُّ الإشكال.
_______________
* كاتب موريتاني مقيم في أميركا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة