من خلفيات الأزمة   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:04 (مكة المكرمة)، 16:04 (غرينتش)

المناطق الملتهبة في إندونيسيا

إعداد: أمين شحاته

ما زالت الديمقراطية الهشة في إندونيسيا تحت الاختبار. إذ إن الحركات الانفصالية على امتداد الأرخبيل تواصل نداءاتها من أجل الاستقلال. كذلك أدت التغيرات التي طرأت على الساحة السياسية إلى إضعاف الهيمنة المركزية للمؤسسة العسكرية.

وها هم الطلبة الذين كان لهم دور بالأمس في إقصاء الرئيس سوهارتو يعودون إلى الشوارع مرة أخرى احتجاجاً على الفساد. فالمنظومة المعقدة للسياسة الإندونيسية مهددة بالتفكك، حيث يواجه أول رئيس منتخب ديمقراطيا مستقبلا متقلبا.

فقد اشتعل الموقف في آتشه، شمال سومطرة، وفي إيريان جايا، النصف الغربي لجزيرة غينيا الجديدة التابع لإندونيسيا، بمجرد استقلال إندونيسيا عن الاستعمار الهولندي عام 1949، وفي تيمور الشرقية عندما دخلت القوات الإندونيسية إليها بعد تخلي البرتغال عنها كمستعمرة لها عام 1975، ومؤخرا في مقاطعة كالمنتان بجزيرة بورنيو.

اشتعل الموقف في آتشه وفي إيريان جايا بمجرد استقلال إندونيسيا عن الاستعمار الهولندي عام 1949. ومؤخرا في مقاطعة كالمنتان بجزيرة بورنيو.

طيلة 32 عاما من حكم سوهارتو لإندونيسيا توالت الحملات العسكرية لقمع الحركات الانفصالية. إذ إن الدستور الإندونيسي يعتبر جميع الأراضي ملكا للدولة، متجاهلا حقوق الأراضي التقليدية. فكانت جميع المناطق تتنازل عن عائداتها المالية للحكومة في صورة ضرائب أثقلت كاهل السكان. وتحت الضغط الشعبي بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والأزمة المالية التي تلتها استقال سوهارتو عام 1998، وخلفه الرئيس حبيبي الذي وعد بثورة ديمقراطية في البلاد لكنه لم يلبث أن لحق بسلفه عام 1999. وورث عبد الرحمن واحد تركة مثقلة بالديون والمشاكل، بالإضافة إلى أكثر من فضيحة مالية قد تؤدي به إلى الاستقالة أو الإقالة من منصبه.

وأدت كل هذه التداعيات إلى حالة من الفوضى في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فقد أصبحت الصدامات العرقية والدينية، وما تلاها من شغب وتخريب متعمد، من مظاهر الحياة اليومية في إندونيسيا. وأصبح تزايد هذا التصدع في الجدار الاجتماعي نذير شؤم  على وحدة إندونيسيا قد ينتج عنه تحلل هذه التعددية العرقية والدينية والثقافية مثلما حدث في يوغسلافيا والاتحاد السوفياتي السابق.

مظاهرات تعم إندونيسيا

تتلخص مشكلة إندونيسيا في:
1. الحركات الانفصالية والنـزاعات الطائفية والعرقية في جزر آتشه، وإيريان جايا والملوك (آمبون)  وإقليم شرق كالمنتان (بورنيو) الغني بالنفط.

2. الأزمة الاقتصادية الحادة، وبخاصة الوجه المالي منها، التي تمر بها البلاد منذ عام 1997.

3. الفساد المتفشي في مؤسسات الدولة.

- أما عن أسباب إثارة هذه الحركات الانفصالية فقد أثارتها ثلاثة عوامل مجتمعة:
أولا- إهمال الحكومة الحالية والحكومات السابقة لتحسين ظروف الحياة المعيشية للسكان المحليين في الوقت الذي يجري فيه استغلال الثروات الطبيعية الضخمة لهذه المناطق.

ثانيا- عدم وجود توافق وانسجام مع المصالح المحلية نظرا لتسلط الدولة، وبخاصة في ما يتعلق بأريان جايا، ويظهر ذلك في عملية اختيار الموظفين الحكوميين لمجالات عدة وبمستويات مختلفة.

ثالثا- وجود عناصر انفصالية متهورة تعمل باستمرار على استغلال استياء الناس وسخطهم لصالح تنفيذ مخططاتهم السياسية ضد إندونيسيا.

- وفي ما يتعلق بالأزمة الاقتصادية فإن أهم عامل فيها هو تدخل صندوق النقد الدولي في "سيادة الدولة"، أي التدخل في شؤون البلاد الداخلية والخارجية.

فمنذ أواخر ثمانينيات هذا القرن وأميركا تسعى لتهيئة الساحة الدولية أمام شركاتها العملاقة، وذلك عن طريق ما أطلقت عليه "تحرير الاقتصاد". واستخدمت لذلك أدواتها الاقتصادية القوية وهي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تحت اسم «برامج تعديل الهيكلية». ومع ضخامة الجهود التي بذلتها لتحقيق هذه السياسة إلا أنها لم تؤتِ ثمارها وكانت نتائجها محدودة للغايةوظل الأمر على هذه الحال إلى أن أتت الفرصة الذهبية وهي الأزمة الاقتصادية لدول جنوب شرق آسيا عام 1997 ومنها إندونيسيا. 

السبب الحقيقي للأزمة هو فتح البلاد أمام رأس المال الأجنبي وعلى الأخص الأميركي وجعل اقتصاد البلد تابعا للاقتصاد الأميركي

إن السبب الحقيقي للأزمة هو فتح البلاد أمام رأس المال الأجنبي وعلى الأخص الأميركي بدون رقابة أو قيود، وجعل اقتصاد البلد تابعا للاقتصاد الأميركي.  فقد تفاقمت الأزمة منذ انهيار البات التايلندي في مايو/ أيار 1997 حين سحب المستثمرون والمضاربون أموالهم المقدرة بمليارات الدولارات من السوق التايلندية.  ثم انتقلت العدوى بعدها إلى بقية دول جنوب شرق آسيا، كوريا الجنوبية، والفلبين، وسنغافورة وإندونيسيا. إذ تم تهريب المليارات من هذه الدول، مما تسبب في انهيار عملاتها، وكان أكثرها تأثرا إندونيسـيا التي اتخذت فيها الأزمة اتجاهات عدة لا تزال تتفاعل داخل البلاد.

إندونيسيا بلد غني لا يحتاج إلى أموال المستثمرين من أجل تنمية ثروته الداخلية، ولا يحتاج إلى قروض صندوق النقد الدولي أو إلى مشاريع البنك الدولي أو إلى أي مساعدات خارجية.  فهي بلد نفطي من دول الأوبك وتصدر الغاز الطبيعي والنحاس والنيكل وتعتبر سابع مصدر للذهب في العالم، وتنتج الفحم وبها خامات الحديد والمنجنيز والكبريت والفوسفات والفضة وغيرها من المعادن، وتصدر الأخشاب وكثيرا من المواد الزراعية.  وسوقها الداخلية سوق واسعة فيها 216 مليون نسمة فيمكنها تقوية اقتصادها بنفسها دون الاعتماد على التصدير أو رأس مال المستثمر الأجنبي.  وهذا يحميها من تقلبات الأسواق العالمية وانهياراتها.  كما أنها يمكنها أن تتخذ الذهب أساسا لعملتها، ما يجعلها قوية لا تتأثر بأسواق العملة المتقلبة على الدوام.

- أما عن تفشي الفساد في مؤسسات الدولة فمرجعه إلى حكم طويل من الاستبداد، ويمكن تلخيصه في:

الحقبة الاستعمارية 
التي بدأت عام 1600 مع أول تدخل أجنبي في إندونيسيا من قبل الاستعمار الهولندي بحثا عن التوابل والثروة، الذي تمثل في شركة "دتش إيست إنديز" التي حلت محل الاستعمار البرتغالي وطردته من معقله في جزر التوابل (جزر الملوك الآن) وانتهى باستسلام هولندا لليابان في مارس/ آذار 1942، ثم استسلمت اليابان لقوات الحلفاء في 15 أغسطس/ آب 1945، وبعدها بيومين أعلن سوكارنو استقلال إندونيسيا في 17 أغسطس/ آب ليصبح أول رئيس لإندونيسيا.

حكم سوكارنو (1945- 1966) 
الذي بدأ بإعلان مسودة دستور 1945، وما تبع ذلك من ثورات مسلحة في أنحاء مختلفة من الدولة هزت الوحدة الوطنية للبلاد. وانتهى الأمر بتقديم سوكارنو استقالته وتنصيب خليفته سوهارتو.

رئاسة سوهارتو (1966- 1998)

سوهارتو
مرر سوكارنو تفويضا رئاسيا لخليفته سوهارتو أن يتخذ كل الخطوات اللازمة للحفاظ على الأمن والأمة،  فكان أول ما فعله سوهارتو بعد توليه الحكم أن أوقف نشاط الحزب الشيوعي واستأصل الأشخاص غير الموثوق بهم في الحكومة والأحزاب وعين كثيرا من أصدقائه وأبنائه في مناصب كبيرة، مما أثار سخط الشعب، وانقلبت الموازين وأصبح حكمه قاب قوسين أو أدني إلى أن أرغم على الاستقالة أيضا.

رئاسة حبيبي (1998-1999) 
والتي بدأها بإطلاق سراح عدد من السجناء السياسيين، وألغى الرقابة على الصحافة، الأمر الذي أدى إلى انطلاق وسائل الإعلام المطبوعة والمسموعة، كما أنهى العمليات العسكرية في مقاطعتي آتشه وتيمور الشرقية المتوترتين. ثم انفجر الموقف في أمبون بسبب نزاع بسيط بين مسلم ومسيحي، انتهى بعرض حبيبي خيار استقلال تيمور الشرقية، ومن ثم استقلت عن إندونيسيا في 20 سبتمبر/ أيلول 1999، وتلتها حركات انفصالية في مناطق أخرى مطالبة بالمثل.

رئاسة عبد الرحمن واحد (1999)

عبد الرحمن واحد
هو رابع رئيس لإندونيسيا وأول رئيس ينتخب ديمقراطيا منذ 54 عاما. وورث تركة مثقلة بالأعباء والفساد السياسي والاقتصادي، وهناك ادعاء بتورطه في فضيحتين ماليتين معروفتين باسم بلوجيت وبروناي جيت. وقد ازدادت أحداث العنف والشغب في بعض المقاطعات الإندونيسية التي تطالب بالاستقلال أو الحكم الذاتي.

أطراف النزاع الداخلي
تتمثل أطراف النزاع الداخلي في بعض المقاطعات بالجزر الإندونيسية- آتشه، وأمبون، وكالمنتان، وإيريان جايا، التي تكثر بها الاضطرابات والحركات الانفصالية، ومن ثم تعتبر بؤر توتر دائمة لزعزعة الاستقرار الداخلي في البلاد.

______
المصادر
إسلام أون لاين- السياسة الدولية
حزب التحرير (إندونيسيا)
سرد تأريخي للأزمة - سي إن إن
مجلة المجتمع: إندونيسيا: آمبون

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة