سيناريوهات الوجود العسكري الأميركي في العراق بعد عامين   
الخميس 1426/2/28 هـ - الموافق 7/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:40 (مكة المكرمة)، 9:40 (غرينتش)

محمد عبد العاطي

مع نهاية العام الثاني لاحتلال العراق ارتفعت وتيرة الجدل بشأن الوجود العسكري الأميركي هناك، وانقسمت آراء السياسيين والعسكريين والمفكرين الإستراتيجيين حيال هذه القضية، فبعضهم طالب صراحة بوضع حد لهذا الوجود واتخاذ قرار حاسم بالانسحاب وتسليم مقاليد الأمور للعراقيين، وبعضهم طالب باتباع سيناريو بديل لما كان متبعا أغلب فترات العامين الماضيين.

سيناريو الانسحاب الكامل

"
فكرة انسحاب القوات الأميركية من العراق يتبناها تيار لا يزال صوته غير مؤثر في صناع القرار بالبيت الأبيض

"

يتبناه معظم المفكرين والسياسيين الأميركيين المعارضين لشن الحرب على العراق منذ البداية من أمثال المفكر وعالم اللغويات الشهير نعوم تشومسكي وعضو الكونغرس المعارض الأسبق ديفد ديوك ووزير العدل الأسبق رمزي كلارك، حيث يقود هؤلاء الدعوة إلى سحب القوات الأميركية من العراق فورا أو على الأقل وضع جدول زمني معلن لذلك، وتسليم مقاليد الأمور إلى العراقيين.

ويبرر هؤلاء دعوتهم هذه بأن الحرب منذ البداية لم تكن شرعية، وبأنها قد زادت من كراهية الشعوب للولايات المتحدة، ويقولون إن استنزاف القوات المسلحة الأميركية في العراق على يد المقاومة يستلزم اتخاذ قرار حاسم وسريع بسحب هذه القوات، وبأن الميزانيات المرصودة للتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية أحق بالبلايين التي أنفقت ولا تزال تنفق على وجود هذه القوات هناك.

لكن هذا الاتجاه لا يلقى لدى صناع القرار في البيت الأبيض آذانا صاغية، كما لا يحظى بالدعم والتأييد الشعبي اللازمين -على الأقل حتى الآن- لكي يتحول إلى رأي عام ضاغط على الإدارة الأميركية يدفعها إلى المضي قدما في وضع مطلب انسحاب القوات موضع التنفيذ.

سيناريو البقاء مع تغيير أسلوب العمل
وهو اتجاه يعتقد صحة وأهمية الوجود العسكري الأميركي في العراق، بل يطالب بزيادة أعداد هذه القوات، وبالاهتمام بتسليحها وتدريبها، لكنه في الوقت نفسه يعارض أسلوب عمل هذه القوات كما ظهر خلال العامين الماضيين، ويبنى اعتراضه على فكرة جوهرية مفادها أن الوجود الكبير لهذه القوات في مناطق الكثافة السكانية يعرضها للهجمات ويكبدها المزيد من الخسائر.

ويقترح أصحاب هذا الاتجاه سيناريو بديل يعتمد على الانسحاب إلى قواعد عسكرية مجهزة تقع بعيدا عن هذه التجمعات، يفضل أن تكون في مناطق صحراوية، مع الإبقاء على قوة ردع سريعة الحركة قادرة على الوصول إلى أهدافها بحيوية، والتعامل عسكريا معها بخفة وكفاءة.

قوات الفرقة الأميركية الرابعة مشاة

ويتزعم هذا الاتجاه العديد من العسكريين الأميركيين ومعظم الخبراء والمتخصصين في شؤون الأمن والدفاع بالمراكز البحثية الأميركية الكبيرة، من أمثال الجنرال بيتر شوماخر رئيس أركان القوات البرية وكيث ماينز الضابط السابق في القوات الخاصة الذي كان ممثلا لسلطة الاحتلال في محافظة الأنبار بغرب العراق والذي يعمل حاليا دبلوماسيا في وزارة الخارجية، والميجور ألبري كريستوفر فارهولا الذي كان حتى بداية هذا العام يعمل ضمن وحدات الاحتياط في العراق قبل أن ينتقل إلى الحقل الأكاديمي محللا للشؤون العسكرية.


 

في منتصف يوليو/تموز من العام الماضي وأمام لجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس النواب قال شوماخر في معرض إقناعه أعضاء اللجنة بأهمية تغيير أسلوب عمل القوات الأميركية في العراق "أحيانا تكون الطريقة المثلى والأسلوب الذكي للتعامل مع حرب العصابات -التي تدور رحاها في العراق حاليا- هي في حضور عسكري أقل وتركيز أكثر لنقاط تجمع القوات ومحاولات إخفائها عن العيون، وهو ما بدأنا نعمل عليه حاليا من خلال آمري الوحدات الموجودين في الميدان".

وقد عضد كيث ماينز هذا الرأي وكتب في مقالة نشرها معهد بحوث السياسة الخارجية داعيا إلى أن تتوارى القوات الأميركية في العراق عن أعين المقاومة وقال "إن وجود القوات الأجنبية يحرض على أعمال العنف وعدم الاستقرار".

أما ألبري فارهولا فقد أبدى موافقته على هذا الرأي ودعا من خلال دراسة قام بإعدادها تحمل عنوان "الوجود العسكري الأميركي في العراق: هل نحن أسوأ أعداء لأنفسنا؟" إلى تخفيف الوجود العسكري الأميركي المكثف هناك، وإبعاده عن التجمعات السكانية حيث أن ذلك على حد قوله "يستفزها ويؤدي إلى نفور بعض شرائح المجتمع العراقي".

"
خبرة العمل الميدانية عززت من السيناريو الداعي إلى تغيير أساليب العمل لتأخذ طابع التخفي عن الأنظار وتصدير قوات الأمن العراقية في المقدمة
"
وبتحفظ وافق الجنرال مارك هرتلينغ آمر الفرقة المدرعة الأولى التي شاركت في احتلال بغداد على الخطوط العريضة لسيناريو "البقاء مع تغيير أسلوب العمل" لكنه بادر إلى القول "إن هذا السيناريو يميل أكثر إلى اعتبار ما شاهده ماينز في محافظة الأنبار هو مقياس ينطبق بالضرورة على بقية المحافظات العراقية"، لكن هرتلينغ أكد عموما على أن عمل القوات الأميركية في العراق يتجه بالفعل إلى الأخذ بهذا الاتجاه مستدلا على ذلك بقوله "إنه تم تقليص عدد النقاط الأمامية لتجمع القوات الأميركية الواقعة في العاصمة العراقية من 60 نقطة عام 2003 إلى 8 نقاط نهاية 2004".

وغير بعيد عن ذلك ما قاله الجنرال تشارلز سوناك الذي قاد الفرقة الثانية والثمانين المحمولة جوا في غرب العراق معظم أشهر السنة الماضية إذ قال إنه يؤيد "وضع قوات الأمن العراقية في المقدمة بينما تتحرك الوحدات الأميركية من الخلف" وقال إن هذا الأسلوب سوف يقلل خسائر القوات الأميركية ويعزز من وجودها العسكري في العراق دون مزيد من التضحيات، ولذلك فقد شدد على ضرورة الإسراع في برنامج المساعدات الأميركية للجيش ولقوات الأمن وأجهزة الاستخبارات العراقية الوليدة، وقد وصف هذا البرنامج بأنه "يسير ببطء شديد مما يحول دون تحويل كل هذه الآراء النظرية إلى واقع ملموس على الأرض".

الغالب إذن على سيناريوهات الوجود العسكري الأميركي في العراق هو البقاء مع تغيير أساليب العمل، وهو ما استخلصه القادة الميدانيون بعد خبرة عامين من وجودهم هناك.

أما كل ما يتعلق بزيادة أعداد هذه القوات لترتفع من 138 ألفا في الوقت الحالي إلى 150 ألفا أو تقليلها لتصبح 70 ألفا، وما يتعلق كذلك بالتوسع في عمليات إعادة الانتشار أو حتى حركات الإحلال والتبديل مع وحدات يتم استدعاؤها من أماكن أخرى من العالم لتخفيف الضغط النفسي على الجنود الموجودين في العراق فهي كلها أساليب تكتيكية تخدم إستراتيجية البقاء العسكري التي لم يعلن عن تغيرات جوهرية فيها حتى الآن.



_______________
الجزيرة نت
المصادر:

The Washington Quarterly, Reality Bites: The Impending Logic of Withdrawal from Iraq , Barry Rubin , director of the Global Research in International Affairs (GLORIA) Center of the Interdisciplinary University in Herzliya, Israel, and editor of the Middle East Review of International Affairs

Officers Question Visibility of Army in Iraq, Some in Military Urge Lower Troop Profile, By Thomas E. Ricks, Washington Post, Monday, July 26, 2004;Page A01

Testimony before the Committee on Foreign Relations United States Senate “An Effective US Strategy for Iraq” February 1, 2005 A Statement by ANTHONY H. CORDESMAN Arleigh A. Burke Chair in Strategy

Two Years Later, Iraq War Drains Military, Heavy Demands Offset Combat Experience, By Ann Scott Tyson, Washington Post, Saturday, March 19, 2005; Page A01

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة