فتح.. صراع الأجيال أم تناقض الأجندات   
الخميس 1427/6/3 هـ - الموافق 29/6/2006 م (آخر تحديث) الساعة 12:22 (مكة المكرمة)، 9:22 (غرينتش)
 
 
لا يمكن قصر الأزمة الحادة التي تنهش دور وكيان حركة "فتح" على سبب وحيد، أو حصرها في إطار ضيق ينتظم وجهة بحث واحدة، بنيوية كانت أم سياسية أم مصلحية، فمفاعيل أزمة "فتح" ترتكز إلى قواعد وإشكاليات متداخلة ومتشابكة، بحجم تداخل وتشابك الأدوار والمهام والوظائف والممارسات التي اضطلعت بها "فتح" منذ تأسيسها وحتى اليوم.
 
ورغم وضوح أسباب وتجليات الأزمة الفتحاوية، ومستوى التشتت والتراجع والضياع التاريخي الذي انتقل بها من حال الحكم إلى واقع المعارضة، لتحل تاليا لحركة "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة، فإن جهدا داخليا حقيقيا ومراجعة تقييمية صائبة لانتشال الحركة من وهدتها السحيقة لا زالت غائبة عن الواقع، وبعيدة عن ملامسة الأوتار الحساسة للأزمة ومسبباتها الحقيقية.
 
 

"
اختزلت قيادة فتح في شخص عرفات فبات مُمسكا بخيوط اللعبة وأدوات المال والقرار وفق سياسة تعتمد الترضيات والتسكين المؤقت للمشكلات والأزمات والتلويح بالعصا والجزرة في وجه المخالفين
"
لا شك أن الأسباب البنيوية التي تعصف بالوضع التنظيمي الداخلي لحركة "فتح" تشكل واجهة للكثير من الإشكاليات والأزمات التي ألمت بالحركة، وخاصة في الـ17 عاما الأخيرة، والتي يمكن حصرها فيما يلي:
 
التشرذم الداخلي وتعدد المرجعيات
فلا يمكن الحديث عن "فتح" واحدة هذه الأيام، بل عن "فتوح" كثيرة لا رابط أو انسجام بينها في أغلب الأحيان، أي أن الحركة تحولت بفعل الفوضى التنظيمية الداخلية إلى مجموعات متناثرة، وانقسمت إلى أشتات تنظيمية مختلفة، تعمل كل منها بوحي منفرد، وبمعزل عن الآخرين، بعيدا عن الالتزام بالمرجعية القيادية الرسمية للحركة، وقراراتها وسياساتها الموحدة.
 
ولا ريب أن هذه الحالة شكلت نتاجا لجملة من الأخطاء والممارسات التي سقطت فيها قيادة "فتح"، وعطلت بموجبها الحياة التنظيمية، وكرست مبدأ الولاءات الشخصية بديلا عن الولاءات الوطنية والتنظيمية، وغذت حال الاصطفاف الداخلي لمراكز القوى والتنافس غير المشروع بين أجنحة الحركة ومراكزها المتعددة، ما أحال الحركة إلى جسم هلامي، متعدد الاستقطابات والمرجعيات.
 
صراع الأجيال
ليس خافيا أن المؤتمر العام لحركة "فتح" لم ينعقد منذ دورته الأخيرة عام 1989، وأن الـ17 عاما الماضية قد شهدت كثيرا من التغيرات التاريخية والتحولات المصيرية، وجرت تحتها مياها كثيرة في عالم السياسة وميادين الكفاح والبناء الوطني، ما يستتبع انسجاما تنظيميا مع دورة الأحداث وحركة التاريخ، وتجديدا في الأنماط والشخوص القيادية، بغرض مواكبة آليات التطور الحاصل، والارتقاء بمستوى العقول والأفهام بما يتواءم مع مقتضيات الظروف واحتياجات الواقع، في إطار ما يعرف بتعاقب الأجيال، أو تجديد البنى القيادية القائمة، ورفدها بطاقات جديدة بشكل انسيابي طبيعي دون فجوات أو حرق للمراحل الزمنية المتعاقبة.
 
منذ ذلك الحين شهدت "فتح" بكافة أجهزتها وبناها التنظيمية تكلسا حادا وجمودا كاملا، أفقدها التواصل مع قواعدها، وأحدث فجوة تاريخية كبيرة، وشروخات هائلة في جُدُر العلاقات المتبادلة معها، ولم يعد للتطور أو التجدد أو الارتقاء التنظيمي مكان في سياق الأجندة الفتحاوية الداخلية.
 
فاللجنة المركزية والمجالس والهيئات القيادية في "فتح" بقيت على حالها دون تغيير أو تبديل، وبقي شخوصها متربعين على مواقعهم القيادية دون أي بادرة لتغيير داخلي، أو مؤشر على انتخابات داخلية في إطار إحياء وتفعيل المؤتمر العام للحركة، وهيئات الحركة الأخرى.
 
ومع نشأة وتأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994م، تتويجا لمرحلة شاقة من الكفاح والنضال في إطار الانتفاضة الأولى التي اندلعت عام 1987م، بدأت قيادات محلية ميدانية فتحاوية في الظهور، والمزاحمة على الحصص ومواقع النفوذ داخل السلطة الناشئة، كاستحقاق أساسي لقاء جهودها ونضالاتها في مقاومة الاحتلال، إلا أنها اصطدمت بصخرة تشبث القيادة الرسمية لـ"فتح" بموقعها، وانتفاء نيتها إجراء أي تغيير حقيقي يحقق طموح القيادات الميدانية، ويضمن التواصل الطبيعي بين الأجيال القيادية ومراتب الصف الفتحاوي الداخلي.
 
وكان واضحا احتكار القيادة الرسمية لـ"فتح" للقرار، وهيمنتها على مفاصل واتجاهات السياسة الفتحاوية، واستئثارها بقرارات التعيين والاختيار للوظائف السلطوية، دون أي تشاور مع هيئاتها وأجهزتها الداخلية، ما أورث شعورا متعاظما بالنقمة التي استحالت إلى احتقان داخلي بالغ، ورغبات متصاعدة في التمرد والانقلاب بين آونة وأخرى.
 
الأكثر خطورة أن القيادة الرسمية لـ"فتح" قد اختزلت في شخص رئيسها الراحل ياسر عرفات، بحيث بات الرئيس عرفات مُمسكا بكافة خيوط اللعبة وأدوات المال والقرار، وفق سياسته المعروفة التي اعتمدت نهج الترضيات والتسكين المؤقت للمشكلات والأزمات، والتلويح بالعصا والجزرة في وجه المخالفين، دون أي اتجاه فعلي لعلاج أزمة التواصل بين الأجيال، أو إشراك الأجيال القيادية الجديدة تدريجيا في الهيئات العليا ودوائر صنع القرار.
 
من هنا فإن الجيل الجديد داخل "فتح" وجد نفسه في مواجهة سافرة مع الحرس القديم بقيادة عرفات، ليبدأ نوع من سياسة الشد والجذب بين الطرفين، إذ بادرت تكتلات هامة تنتمي إلى الجيل الجديد إلى إقامة محور مانع في مواجهة عرفات والقيادة الرسمية، وتحيّنت الفرصة غير ذي مرة للنيل من خصومها، وتسجيل نقاط تراكمية في مضمار المواجهة الخفية معهم، وصولا إلى حشرهم في الزاوية، وإجبارهم -بشكل أو بآخر- على الاستجابة لمقتضيات التغيير وإصلاح البنيان القيادي الداخلي.
 
محمد دحلان
وفي الوقت الذي اعتبر فيه هذا التيار -الذي تشكلت ملامحه القيادية من العقيد محمد دحلان مدير جهاز الأمن الوقائي آنذاك وسمير المشهراوي ورشيد أبو شباك، وجهاز الأمن الوقائي ككل، والعديد من العناصر القيادية الميدانية في الضفة الغربية- جهده مشروعا وقائما على أساس إصلاحي، فإن القيادة الرسمية لـ"فتح" لم تتوانى عن اتهامه بالعبث والتخريب، بل وصل الأمر بالبعض حد اتهام عناصره بالخيانة والتواطؤ مع الاحتلال، والتساوق مع جهوده المحمومة لإسقاط القيادة الفلسطينية آنذاك، واستبدالها بقيادة بديلة أكثر قبولا واعتدالا، وأكثر استعدادا للتجاوب مع المطالب والاشتراطات الإسرائيلية إزاء ضرب المقاومة ووقف الانتفاضة المسلحة.
 
ورغم تعدد مظاهر التمرد والاحتجاج التي مارسها هذا التيار في وجه القيادة الرسمية لـ"فتح"، فإن الأحداث العنيفة التي شهدتها الأراضي الفلسطينية -وخاصة في قطاع غزة شهر يوليو/تموز عام 2004 والتي عرفت بأحداث الفلتان الأمني، وشهدت احتجاجات مسلحة ضد حكم عرفات والأجهزة الأمنية التابعة له- كانت الأكثر سخونة في مضمار العلاقة والمواجهة بين الطرفين، لتبقى الأمور بين شدّ وجذب حتى وفاة عرفات نهاية عام 2004.


 
ومع غياب عرفات، وما أفرزه من إمكانية حقيقية للإصلاح والتغيير الداخلي، إلا أن القيادة الرسمية لـ"فتح" لم تخطو خطوة واحدة باتجاه التصالح مع الأجيال الجديدة فيها وبقيت تطلق الوعود الخاصة بالإصلاح الداخلي وانعقاد المؤتمر العام للحركة دون أي فعل حقيقي على أرض الواقع، مما أعاد إلى الواجهة تجليات ومظاهر الصراع غير المعلن بين الطرفين، وأذكى محاولات الانشقاق والانقلاب على القيادة الرسمية للحركة، وخاصة إثر الخسارة القاسية والهزيمة التاريخية التي حاقت بالحركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
 
"
خلف رحيل عرفات ذي الشخصية الكاريزمية فراغا هائلا في حركة فتح عمق الانقسام الداخلي خصوصا في ظل ضعف الشخصية القيادية لأبي مازن وافتقاره إلى الحزم في اتخاذ القرار وضبط الأوضاع
"
غياب الحياة التنظيمية والديمقراطية الداخلية
من الواضح أن تعطل الحياة التنظيمية الداخلية لـ"فتح" وغياب الأسس والمبادئ الديمقراطية الحقيقية التي تحكم عناصر المعادلة الفتحاوية الداخلية، قد أصاب الحركة بحالة من الشلل والجمود الداخلي، وحجب عنها إمكانيات التطور والارتقاء، وحجزها عن مكامن الفعالية والتأثير.
 
فلا نظرية تنظيمية تحتكم إليها "فتح" في سلوكها وأدائها الداخلي، ولا لوائح داخلية تنظم عمل وواجبات وحقوق عناصرها ومستوياتها المختلفة، ولا هياكل أو بنى أو أجهزة داخلية تحظى بالتوقير والاحترام وتملك القدرة والصلاحيات للتقدم والنهوض، ولا حراك داخليا يستنهض أبناء الحركة ويُعلي هممهم في مواجهة الأزمات التي تعصف بكيانهم، ولا مفاهيم أو ممارسات ديمقراطية تبعث مؤسسات الحركة من رقادها الطويل، وتحيي فيها روح المبادرة والعزم والإصرار، وتضمن لها التواصل والاستمرار.
 
كل ذلك غائب أو مغيب عن واقع المشهد الفتحاوي الداخلي، منذ أكثر من 17 عاما، ولا تبدو في الأفق القريب أية مؤشرات تبشر بتحول ديمقراطي وشيك، أو حتى إحياء محدود للجسم الفتحاوي الخامد، ما يعني أن الأزمة داخل "فتح" ستشتد وتزداد ضراوة.

ومع رضوخ القيادة الرسمية لـ"فتح" لبعض مطالب الجيل الجديد قبيل الانتخابات التشريعية الأخيرة، وقبولها بإجراء انتخابات تمهيدية "برايمرز" لاختيار أعضائها لعضوية المجلس التشريعي، إلا أن كثيرا من المراقبين اعتبروا ذلك ديمقراطية شكلية، وإجراء اضطراريا لامتصاص حال الغضب والاحتقان المعتمل في صدور أبناء الجيل الجديد، لا يرتبط بنظم أو لوائح ديمقراطية حقيقية تسيّر الحركة وتضبط سلوكها ومواقفها المختلفة، وأكدوا أن واقع الحركة ومشاكلها وتعقيداتها وصراعاتها المحتدمة، لا تسمح بالنزول على خيارات حاسمة في مفاصل تاريخية أساسية دون ترتيبات إصلاحية جوهرية، لأن النتائج ستكون وخيمة وستفضي -لا محالة- إلى تغذية نوازع الانتقام والإقصاء الذي تجسد -آنذاك- في صعود الجيل الجديد وسقوط الحرس القديم في هذه الانتخابات، وهو ما يدفع إلى التأكيد أن أي إجراء متسرع وغير مدروس من قبيل الانتخابات التمهيدية في ظل واقع الحركة وظروفها الداخلية المعقدة لا يصب في مصلحة "فتح" أو يساهم في تعزيز وحدتها الداخلية ولا يُنتظر منه سوى مزيد من التفكك والبعثرة والانقسام، ومزيد من النفور والتدابر والشقاق بين حرسها القديم وجيلها الجديد.
 
غياب الشخصية الكاريزمية
لا شك أن رحيل عرفات، صاحب الشخصية الكاريزمية الجامعة والحضور القيادي الطاغي، والسيطرة المطلقة على أدوات المال والقرار، قد خلّف فراغا هائلا في حركة "فتح" لم يستطع خلفه "أبو مازن" أن يشغله، فضلا عن قيادات "فتح" الأخرى، ما أسهم في تعميق الفوضى والانقسام الداخلي، خصوصا في ظل ضعف الشخصية القيادية لأبي مازن، وافتقاره إلى الحزم في اتخاذ القرار وضبط الأوضاع.
 
ميوعة العضوية
أدت ميوعة العضوية داخل "فتح" والافتقار إلى حصر جدي وترتيبات فنية رصينة تضمن إنفاذ معايير دقيقة لغربلة عضويات العناصر والأفراد، إلى تسلل الكثير من العناصر المنحرفة في صفوفها، التي لعبت دورا خطيرا في تمزيق بنيان وكيان الحركة والإساءة إلى تاريخها ودورها ومكانتها، وليس أدل على ذلك من الثمار بالغة السلبية، معنويا وميدانيا، التي ميّزت الانتخابات التمهيدية للحركة قبيل الانتخابات التشريعية، وجعلت من العنف والشغب والانقلاب على صندوق الاقتراح سيد الموقف.
 

"
تصر قيادة فتح الرسمية على المفاوضات والنهج السلمي فيما تعتقد أوساط فتحاوية أن الإصرار على هذا النهج في ظل العدوان الإسرائيلي سيضعف "فتح" أمام "حركة حماس" التي تصدرت المقاومة المسلحة
"
تحاصر حركة "فتح" – أيضا- أسباب سياسية فكرية، يمكن تلخيصها فيما يلي:

إشكالية البرنامج السياسي
من الملاحظ أن سقوط البرنامج السياسي للحركة التي تقود السلطة الفلسطينية عقب مفاوضات كامب ديفد عام 2000 قد تركها في مأزق هوية وأوقعها في حرج بالغ، ووضع ظهرها إلى الحائط في مواجهة البرنامج السياسي الواضح الذي تتبناه حركة "حماس" خصمها الأكبر والأبرز على الساحة الفلسطينية، والذي يعتمد المقاومة نهجا لاسترداد الحقوق والمقدسات.

وجاءت انتفاضة الأقصى في سبتمبر/أيلول 2000 لتفاقم من هذه الإشكالية وتحشر "فتح" في زاوية ضيقة، فلا هي قادرة على مصارحة شعبها بفشل خيار المفاوضات، وما يحمله ذلك من تبعات وتداعيات، ولا هي قادرة في الوقت نفسه على الانتقال إلى المربع الآخر وتبني خيار المقاومة، وما يفرضه ذلك من تغيرات وتضادات مع مضامين السياسة الإقليمية والدولية.

وبقي ارتباك "فتح" سياسيا وعجزها عن بلورة خطاب وبرنامج سياسي واضح وقطعي حاضرا حتى اليوم، ومثار إشكال وانقسام داخل أطرها التنظيمية، فقيادتها الرسمية تصر على المفاوضات والنهج السلمي خيارا وحيدا، فيما تعتقد أوساط ومستويات أخرى في الحركة أن الإصرار على هذا النهج في ظل المتغيرات الدراماتيكية وطنيا، وتصاعد العدوان الإسرائيلي، كفيل بإضعاف "فتح" شعبيا، ورفع رصيد خصمها الرئيسي "حركة حماس" التي تصدرت المقاومة المسلحة، وما يشكله ذلك من خطر على دور ومكانة ومستقبل الحركة.

لذا لم يكن غريبا أن تولد ظاهرة كتائب شهداء الأقصى، وتبادر للانخراط في ميادين المقاومة ومقارعة الاحتلال، وتتبنى ذات الخط الكفاحي الذي تتبناه القوى المعارضة الأخرى، ليتمخض المشهد الفتحاوي الداخلي عن استقطابين رئيسيين: الأول تمثله القيادة الرسمية المهيمنة على "فتح" وأدوات السياسة والقرار فيها، والثاني تمثله مجموعات كتائب شهداء الأقصى التي نشطت في مواجهة الاحتلال، ونفذت الكثير من العمليات العسكرية المؤثرة بحق جنوده ومستوطنيه، مدعومة بمجموعة من الكوادر القيادية الوسيطة والصغرى في الحركة.

وفي ثنايا هذا الاستقطاب أقدمت قيادة "فتح" ممثلة في لجنتها المركزية ومجلسها الثوري غير ذي مرة على إصدار قرارات بحلّ كتائب الأقصى، ونزع الشرعية التنظيمية عنها، استجابة لضغوط خارجية، إلا أنها كانت تصطدم باستقلالية تمويل الكتائب وتعدد مرجعياتها، ما أفقدها أي قدرة عملية على توجيهها أو التأثير بشأنها في ظل غياب الرؤية السياسية الموحدة، وانتفاء الالتقاء على الهدف الوطني–السياسي المشترك.

التنوع الأيديولوجي والإطار الفضفاض
فالواضح أن الفسيفساء الداخلية وعنصر التنوع والانفتاح الأيديولوجي الكامل الذي ميّز "فتح" طيلة المرحلة الماضية، لم يعد اليوم ميزة إيجابية تلمّ الشعث وتستوعب الجميع، بقدر ما أضحت عبئا ثقيلا يستنزف "فتح"، ويهدر طاقاتها وقدراتها، ويكرس خلافاتها وشقاقاتها، ويقذف في وجهها الكثير من ذوي المصالح والأغراض الخاصة، ويحرمها من مقومات الاستمرار الواثق والفكر الموحد والأيديولوجيا الجامعة، والوحدة الداخلية المنشودة.

أسباب مصلحية

"
لا تستطيع "فتح" التغلب في الوقت الراهن على انقساماتها وإنما ستعكف فقط على إدارة الأزمة وتقليل خسائرها مع ما يحمله ذلك من نذير بمزيد من الضعف والتراجع والانكفاء
"

لم يعد سرا أن المصالح والطموحات الشخصية تقف وراء الكثير من المشكلات والأزمات التي تعصف بحركة "فتح"، وتحول بينها وبين الوحدة والالتئام والتوافق المشترك.

فالواقع أن "فتح" –بعد تأسيس السلطة- طفحت بالكثير من ذوي المصالح والأغراض الخاصة الذين قدّموا مصالحهم الشخصية على مصالح حركتهم ووطنهم، واستخدموا الحركة كوسيلة للاستثمار والانتفاع والصعود الشخصي، ولم يعد يعنيهم منها سوى ما تحققه لهم من قوة ونفوذ ومنصب وجاه ومال وامتيازات.

وتبدو الإشكالية الأكثر خطورة أن طغيان السعي لتحقيق المصالح والامتيازات الشخصية قد طال أغلب مستويات الحركة التي ولغت في وحل هذا المستنقع الآسن مع ما حمله ذلك من إساءة للحركة، وتشويه لدورها ومكانتها وتأجيج لنوازع الصراع والشقاق فيها.

لذا لم يعد غريبا أن تحكم المصالح الشخصية اتجاهات العلاقات المتبادلة بين عناصر "فتح" وأجنحتها المختلفة، وأن تحمل الأيام بين فترة وأخرى نبأ صراع جديد وإشكالية جديدة، وفقا لصراع المصالح وتدابر الأجندات الشخصية، ما ترك الحركة على أسوأ حال من الترهل والضعف والانقسام.

خلاصة القول أن الأزمة الطاحنة التي تعانيها "فتح" أزمة شديدة التداخل والصعوبة والتعقيد، وأن حلها يقتضي تغيرات عميقة وإصلاحات جذرية في بنية الهيكل والسياسة الفتحاوية الراهنة، وهو ما لا تستطيع "فتح" ملامسته بحال، ما يعني أن "فتح" ستعكف – فقط- على بحث كل ما من شأنه إدارة الأزمة وتقليل خسائرها فحسب، مع ما يحمله ذلك من نذير لمزيد من الضعف والتراجع والانكفاء.



_______________
مختص في شؤون الفصائل الفلسطينية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة