اختبار محركات الإصلاح السياسي كما يراها النظام المصري   
الثلاثاء 1426/4/8 هـ - الموافق 17/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:18 (مكة المكرمة)، 12:18 (غرينتش)
 
 
فى معرض تأكيده أن الاصلاح يجب أن يكون تدريجيا وداخليا أكد الرئيس مبارك مرارا أن الإصلاح يجري في مصر منذ فترة طويلة. ويبدو أن جانبا من المشكلة ينبثق من صعوبة تعريف مفهوم الإصلاح. فإذا ركزنا على المستوى السياسي فيمكننا أن نشير إلى ثلاثة أبعاد لأي عملية إصلاحية ديمقراطية وهي:
 
  • حماية الحريات العامة وحقوق الإنسان.
  • توسيع الفضاء السياسي بإدماج القوى الجديدة وتخفيف احتكار السلطة وتقريبها من عموم المواطنين.
  • بناء وتوسيع شرعية النظام السياسي بإجراء انتخابات حرة ونزيهة تجسد مبدأ سيادة الشعب وتوسع وتعمق المشاركة السياسية وتثري الفضاء العام, فضلا عن تأكيد السياسات التوافقية بدون التضحية بالتعددية.
 
ومن المتفق عليه أن الإصلاح السياسي عملية مجتمعية يشارك فيها فاعلون متعددون, تسمح مقارنة نمو نشاطاتهم بتعيين محركات الإصلاح في كل مرحلة بعينها. وسوف نتابع كلا من هذه الأبعاد فيما يلي:

تقود متابعة الحياة السياسية المصرية إلى تحديد الملامح الأساسية التالية للأوضاع الحقوقية في مصر.

1- التخندق التشريعي للدولة:
"
حفلت سنوات حكم الرئيس مبارك بصدور قوانين قائمة على فلسفة تشريعية تتفق مع النظم التسلطية التي شهدتها مصر منذ 1952 وكان من آثارها تقييد الحريات العامة
"
حيث لم يصدر تشريع واحد يعزز الحريات العامة ويضاف إلى الحماية القانونية والفعلية لحقوق الإنسان ولا يشتمل على قيود جوهرية, حتى تقدم الرئيس مبارك باقتراحه في فبراير/شباط الماضي بتعديل نص المادة 76 من الدستور.
 
ولا شك مطلقا في أن التوازن بين التشريعات المقيدة للحريات وتلك التي تطلقها أو تخلصها من قيود جوهرية فقد تماما لصالح الأولى. فقد حفلت سنوات حكم الرئيس مبارك بتشريعات جديدة تعمدت إنتاج آثار تقييدية.
 
وتم تكريس الفلسفة التشريعية السائدة في مصر منذ يوليو 1952, والتي تتفق مع النمط السائد في النظم التسلطية. وتتسم هذه الفلسفة بتفضيل التشريعات الخاصة, بالمقارنة بالتقنين المدني العام, وعادة ما تكون هذه التشريعات طويلة ومعقدة, وتنشأ قاعدة أو قواعد خاصة بكل قطاع اجتماعي على حدة, وغالبا ما تكون تقييدية ومتناقضة داخليا, حيث تعترف ببعض الحقوق ولكنها تفرط في تقييدها أحيانا إلى حد المصادرة.
 
وكثيرا ما تصدر هذه التشريعات بغارات مفاجئة استجابة لحدث بعينه أو استهدافا لقوة أو تيار سياسي ما, وهو ما يفقد التشريع طابعه التجريدي, ويضاعف تعقيداته وتناقضاته. وهذا هو ما حدث بالضبط بالنسبة لكثير من القوانين المتعلقة بالحق في التجمع والتعبير والحريات العامة الأخرى.
 
ويعد القانون 93 لعام 1995 بخصوص الصحافة, والقانون 153 بخصوص الجمعيات الأهلية والمؤسسات الخاصة والقانون 100 لعام 1993 نماذج مثالية لهذا النوع من التشريعات التي تشكل غابة كاملة.

2- أداء الرئيس مبارك وحكوماته
ومع ذلك يمكن القول بأن الأداء الفعلي للرئيس مبارك وحكوماته المتعاقبه قد أسفر عن بعض التوسيع الفعلي لجوانب محددة من الحريات والحقوق العامة, وبصفة خاصة في مجال حرية الصحافة وحرية التعبير بل ولحق التجمع. وبينما غابت مبادراتها التشريعية الديمقراطية انتهجت الدولة سياسات شتى للتعاطي مع التغير المطرد في البيئة السياسية وبيئة النشاطات المدنية, وتراوحت هذه السياسات بين التقييد والبطش والتلاعب والاسترخاء والتأقلم مع استجابات الفاعلين الآخرين في الفضاء العام.
 
إن التقييد والبطش والتلاعب سياسات واضحة ومحددة في أحداث شهيرة وخاصة فيما يتعلق بالانتخابات العامة وبالحياة الحزبية (مثل البطش بجريدة الشعب والتلاعب بالصراعات الداخلية في حزب العمل).
 
وبالمقابل تسامحت الدولة مع مستوى متزايد من النقد والمتابعات النقدية للصحف الحزبية والخاصة الأمر الذي انتهى بتجاوز كثير من الخطوط الحمراء في الصحافة المصرية.
 
وبالمقابل تأقلمت الدولة مع ممارسات سياسية كان يمكنها مصادرتها بتطبيق القوانين التقييدية (مثل التأقلم والتسامح مع تحالف الوفد والإخوان في انتخابات 1984 ثم العمل والإخوان في انتخابات عام 1987).
 
ولم تقبل الدولة بمنظمات حقوق الإنسان ولكنها امتنعت عن ملاحقتها أو إغلاقها وخاصة بعد عام 1989 عندما وقع اعتقال عدد من قادة المنظمة المصرية واضطرت الدولة لإطلاق سراحهم بعد حملات وطنية ودولية.
 
وبوجه عام تختلف الموازنات النهائية بين التشريعات التقييدية والتحسين النسبي الناتج عن "التسامح" و "التأقلم" الفعلي مع النشاطات المدنية والسياسية وخاصة البعيدة عن التيارات الإسلامية بين مرحلة وأخرى، وإن اتجه هذا التوازن إلى الجانب السلبي على نحو مطرد وخطير بين الولاية الأولى والولايات التالية. فبينما اتسمت الولاية الأولى بالتسامح والحوار, مالت الولايات الثلاث التالية للتشدد والعنف.

3- العصا الأمنية الغليظة

"
عاد التعذيب الذي كان توقف في عهد السادات ليكون سياسة منهجية في عهد مبارك تمارس في أقسام الشرطة، وترافق ذلك مع اعتقال عشرات الآلاف بصورة إدارية متكررة ومع تزوير الانتخابات العامة

"

ولذلك ظلت أحوال حقوق الإنسان في مصر متدهورة للغاية مع تطبيق قانون الطوارئ والتشريعات الاستثنائية الأخرى وشيوع انتهاكات حقوق الإنسان وتصاعدها منذ تولي الرئيس مبارك للحكم.
 
فصار التعذيب سياسة منهجية بعد أن كان توقف في ظل حكم السادات, وتم اعتقال عشرات الآلاف من المواطنين بصورة إدارية ومتكررة, فضلا عن استخدام المحاكم العسكرية والاستثنائية الأخرى وتزوير الانتخابات العامة, وإساءة معاملة المواطنين في أقسام الشرطة, إلخ.
 
واتسعت هذه الممارسات بصورة خاصة منذ عام 1986 وبعد أحداث تمرد الأمن المركزي, وتولي أكثر أجنحة وزارة الداخلية تشددا وعنفا ممثلة بالسيد زكي بدر ومن أعقبوه للسلطة في هذه الوزارة.



شهدت مصر انكماشا مروعا في الفضاء السياسي الرسمي, بل وغير الرسمي في ظل حكم الرئيس مبارك, وهي المشكلة التي برزت بوضوح أثناء المناقشات حول تعديل نص المادة 76 من الدستور.
 
حيث يتعذر التعرف على شخصيات عامة قادرة وراغبة في منافسة الرئيس مبارك أو أي مرشح آخر للدولة. ومع ذلك فمقابل انكماش الفضاء السياسي توسعت الدولة في ضم ودمج شرائح جديدة لنخبة الحكم, وبذلك جرت عمليات كبرى في الحياة السياسية والاجتماعية للبلاد خلال سني حكم الرئيس مبارك, كما يلي:

1- تواصل انكماش الفضاء السياسي: 
فمنذ أعلن الرئيس السادات التحول إلى نظام المنابر (1976) ثم الأحزاب (1977) وحصرها في ثلاثة بصورة اصطناعية رفضت لجنة الأحزاب التابعة للدولة قبول أي طلب لتأسيس الأحزاب سوى في حالة واحدة, وتشكلت جميع الأحزاب الأخرى بأحكام قضائية. ومع ذلك فإن النظام الحزبي كله قد وضع في الثلاجة وتم إجهاض الحماس الأولي للحياة الحزبية بسبب تدخل الدولة في الانتخابات العامة, وحصر أنشطة الأحزاب داخل المقرات واختزالها عمليا في الصحف الحزبية, مما وسمها بالتهميش والتقزم المتزايد.
 
وترتب على ذلك أن أنشط الكوادر السياسية في البلاد هجر الحياة الحزبية, وتحول بعضها إلى النشاطات المدنية. كما اتسعت المسافة الفاصلة بين الحياة السياسية الفعلية والبنية الرسمية للأحزاب, بما في ذلك الحزب الوطني. وجعلت هذه السمة من السياسة وظيفة بيروقراطية بصورة كلية.

2- الحرب ضد التيار الإسلامي:
وقد نتجت هذه الظاهرة جزئيا عن العنف والإرهاب الذي شنه القطاع المتطرف من التيار الإسلامي خلال الثمانينيات والتسعينيات. وفضلا عن ذلك بقي أهم فصيل سياسي في البلاد وهو حركة الإخوان المسلمين محجوبا عن الشرعية ومعرضا لضربات أمنية دورية. وحتى اليوم تستبعد الدولة إضفاء الشرعية على هذا التيار, رغم أنه يشكل أكبر تيارات المعارضة وأكثرها شعبية. وصرح الرئيس مبارك في خطابه أمام مؤتمر الإصلاح العربي بالإسكندرية منذ أسابيع قليلة "بضرورة اتباع أسلوب إصلاحي لا يؤدي إلى زعزعة الاستقرار ولا يسمح بتولي قوى التطرف والتزمت لزمام الإصلاح وتوجيهه وجهة لا تتفق مع رؤى المجتمع", وهو ما يعني الإصرار على إقصاء حتى الإخوان المسلمين.

3- تجميد الحراك الجيلي:
واصل جيل الرئيس مبارك لنحو عقدين ونصف احتكار قيادة مؤسسات الدولة بالمعنى الواسع للكلمة, وحرمت الأجيال الشابة والوسيطة تماما تقريبا وحتى شهور قليلة فقط من حقها في فرصة المشاركة القيادية. بل حرمت عناصر كثيرة من نخبة الحكم ذاتها من الحضور المستقل في الفضاء السياسي, مما ترتب عليه إخضاعها لعلاقة طاعة كاملة وعمياء للأوامر الفوقية.

4- تهميش الطبقتين المتوسطة والفقيرة: 
فقد توسعت الدولة في ضم شرائح مختارة من رجال الأعمال الكبار. وتشكل هذه الشريحة الآن نحو ثلث أعضاء مجلس الشعب. وفي الأعوام الأخيرة توسعت الدولة أيضا في ضم الشرائح العليا من تكنوقراط تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وهكذا كونت النخبة الأمنية والإستراتيجية الحاكمة حلقات إضافية واسعة نسبيا حول نفسها وخاصة من هؤلاء الذين التفوا حول السيد جمال مبارك في لجنة السياسات. ووقع تحالف أوثق بين الدولة والسوق, وبالمقابل فقدت الطبقة الوسطى والطبقات العاملة أي مقترب منهجي للتأثير على السياسات العامة.

بسبب التركز شبه المطلق والاحتكار التام لسلطة الحكم بوسائل شرعية وغير شرعية غابت السياسات التوافقية ووقع التلاعب بالانتخابات العامة بصورة منهجية ومتكررة رغم آلاف الأحكام القضائية.

المحركون الأساسيون للإصلاح المحدود
"
تسبب تجميد الحياة الحزبية وعدم السماح للتيار الإسلامي المعتدل بالعمل تحت المظلة القانونية ووضع العراقيل أمام بروز قيادات شابة وتهميش الطبقتين المتوسطة والفقيرة، في انكماش الفضاء السياسي

"
وفى هذا السياق يمكن القول بأن المحركين الأساسيين للاصلاح المحدود الذي تم في ظل رئاسة مبارك هم كالتتالي حسب قوة الدور:

1- النظام القضائى:
احتفظت الشرائح العليا للنظام القضائي المصري حتى الآن بقدر معقول من الاستقلالية عن السلطة التنفيذية. فأسقط القضاء الدستوري عددا من القوانين سيئة السمعة, والنصوص التشريعية التي تحرم المستقلين من الترشح في الانتخابات العامة مما ترتب عليه حل مجلس الشعب مرتين, ودافع عن مبادئ حرية الرأي والاجتماع, ومبادئ المساواة وحرمة الحياة الخاصة. كما اضطلع بالدور الأساسي في التوسيع النسبي والمحدود للفضاء الحزبي, فضلا عن الإصرار على الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات العامة. وبسبب مواقف القضاء في وجه تعنت الدولة اشتهر القول بأن الحكم في مصر استقر للقضاء (الجهاز القضائي) والقدر (في إشارة إلى أن أحدا لا يغادر منصبه إلا بالوفاة)!

2- الضغوط الدولية:
وينسب لهذه الضغوط دور كبير ليس فقط في إقناع الدولة بتعديل المادة 76 وإنما أيضا في تحريك الموقف بالنسبة لحق التجمع وتغيير القانون 32 لسنة 64 سيئ الذكر, بعد أكثر من عشر سنوات من الجهود التي بذلتها المنظمات الدولية بما فيها الأمم المتحدة والبنك الدولي, فضلا عن إثارة قضايا انتهاكات حقوق الإنسان في اللجان المعنية بالمواثيق الدولية.
3- النشطاء المدنيون:
وخاصة منظمات حقوق الإنسان التي جهرت بمعارضة الانتهاكات وخاضت نضالا علنيا ومباشرا من أجل الإصلاح التشريعي. فرغم عجزها عن نيل أي مكسب فعلي أو تشريعي مهم فهي غيرت جوهريا بيئة النقاش العام من أجل الإصلاح الديمقراطي. وينسب للصحفيين المصريين ونقابتهم إسقاط القانون 93 لسنة 1995 والنجاح في إصدار تشريع جديد وأفضل للصحافة. وفى الشهور الأخيرة يشكل النشطاء المدنيون القلب الفاعل في الحركات الاجتماعية من أجل الإصلاح السياسي وخاصة حركة كفاية. وقد شكل المثقفون فاعلا في حركة الإصلاح بقدر ما هبوا لتبني الحركات الإصلاحية الأخرى.

4- لجنة السياسات بالحزب الوطني:
وهي اللجنة التي شكلها السيد جمال مبارك وحشد لها عددا كبيرا من رجال الأعمال والأكاديميين. وساهمت اللجنة في صياغة الإصلاحات المحدودة التي تبناها مؤتمر الحزب الوطني في سبتمبر/أيلول 2003, وخاصة اقتراح تعديل قانون النقابات المهنية وقانون مباشرة الحقوق السياسية وقانون مجلسي الشعب والشورى, فضلا عن الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية.

لقد عاشت مصر في الحقيقة أطول فترة ركود سياسي في تاريخها, وهي الفترة ذاتها التي شهدت انطلاق الموجه الديمقراطية الرابعة, وانهيار عدد كبير أو فلنقل أغلبية النظم العسكرية والتسلطية والشمولية في العالم, وخاصة في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية. ومن هنا يتحدث علماء السياسة المقارنة عن مصر ومعها غالبية العالم العربي باعتباره "استثناء" من موجة التطور الديمقراطى التي اجتاحت العالم خلال عقد التسعينات من القرن الماضي". كما يتحدث علماء أخرون عن مصر كمجتمع موقوف أو محجوز التطور.
 
وقد لا يكون هذا الوصف صحيحا تماما, فلا يوجد مجتمع موقوف وإنما ثمة دائما جدل وحركة مجتمعية تدور في الأعماق وان لم يكن بالضرورة على السطح. وبكل أسف يمكننا القول بأن النمط الأساسي للتطور السياسى في مصر خلال ربع القرن الماضي يقترب من نموذج التحلل والتراجع والعنف. فالمجتمع يعاني من تصدع شديد في كافة هياكله الكبرى وعزوف عن احترام القانون, وانتهاكات حقوق الانسان والكرامة الانسانية مفزعة بكل المقاييس. وإذا قارنا الحالة السياسية لمصر بنهاية عصر السادات مع الحالة الراهنة لوجدنا الأولى أكثر ديناميكية وأكثر تعددية مما هي عليه الآن. فالغالبية الساحقة من المصريين خرجوا من الفضاء العام, وحالة حقوق الإنسان هي الأكثر بؤسا في تاريخ مصر المعاصر, والقدرة على منازعة ومسائلة السلطة العامة وسياساتها هي الأقل منذ عام 1967, واحتكار السلطة وتركزها هو الأشد منذ عصر محمد علي.
 
ولا يمكن بأي معنى القول بأن مصر شهدت أي نوع من الاصلاح السياسي المقصود خلال هذه الفترة, اللهم الا ما سمح به القضاء


ووجد قوة محركة من المجتمع المدني وخاصة الصحافة. ويعد الحديث عن الاصلاحات التي تقترحها لجنة السياسات أو يقودها السيد جمال مبارك خرافة مؤسسية بالفعل, وحجبا لحقيقة تظهر كالشمس.

_____________
نائب مدير مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بصحيفة الأهرام.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة