القرية العالمية ومفاهيم السياسة النيجيرية من الاستعمار إلى العولمة   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:05 (مكة المكرمة)، 17:05 (غرينتش)

للإجابة على التساؤل الذي يبحث في ماهية دور القوى الأجنبية في الأزمات الاجتماعية والسياسية في نيجيريا؟ أود بادئا ذي بدء أن أشرح معنى مصطلحي "القوى الأجنبية" و "الأزمات".

قد يبدو الأمر رتيباً أن ننتقد تحليلات الدور الذي تضطلع به القوي الأجنبية وتواصل القيام به في العمليات السياسية والاقتصادية للدول النامية.

فهذه القوى الأجنبية، المعروفة سابقا بالقوى العظمى، هي التي ابتدعت مصطلح العالم النامي الحديث من خلال مجموعة معقدة من العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية التي وصفها معظم المؤرخين بنتاج النظام العالمي (فالرشتاين وجولكيند، 1985).

الدولة الأفريقية وخاصة تلك التي تشكل محور السياسة، هي نتاج التحول شبه الكامل للمجتمع الأفريقي بسبب الاستعمار (تدخل القوى الأجنبية).

إن ما يعطي نيجيريا الحديثة والمعاصرة وضعها القانوني هو أيضا نتيجة وأثر لتدخل القوى الأجنبية منذ القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي بسطت فيها القوى الأجنبية هيمنتها على القارة مع بداية الزحف على أفريقيا عام 1886.

جذور التدخل الخارجي في نيجيريا
ففي خلال هذه الفترة أسس البريطانيون المستعمرة النيجيرية بدمج ثلاث مناطق متباينة كان من المحتمل أن تصير دولا قومية مستقلة لو لم يحدث استعمار. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت القوة الاستعمارية الغربية تتقوض في كل العالم النامي، الأمر الذي أدى إلى قيام دولة نيجيريا المستقلة الحديثة رسميا عام 1960. النظام العالمي الجديد، أي بروز السلام الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية إيذانا بحقبة الاستعمار الجديد وحقبة العولمة الأكثر حداثة التي جلبت معها الهيمنة العالمية ونظام التعددية العالمي الجديد، هو البيئة الحديثة التي يتحرك فيها دور القوى الأجنبية بحرية في التحولات الديناميكية للسياسة النيجيرية المعاصرة.

في الألفية الثالثة تعيش كافة الدول المستقلة آلام مخاض العولمة التي تشكل الخواص البارزة المميزة للفترة المعاصرة من حقبة الاستعمار التقليدي والتدخل الأجنبي الاستعماري الجديد. هناك اختلافات محددة تشمل بروز ما يعرف بالهيئة المتخطية للحدود القومية – ترانزناشونال كوربوريشن - باعتبارها العامل الأساسي للتوسع في النشاط الاقتصادي والمالي عالميا عبر الحدود القومية وثورة الاتصالات التي تقدم زادا ثقافيا وأيديولوجيا للقرية العالمية.

وهناك سمة ثالثة تتعلق بالسيطرة العالمية تتضمن بطريقة أكثر تحديدا تكثيفا لصنع القرار في الإطارات الدولية التي بدأت فيها شبكات التنسيق السياسي العالمية غير الرسمية تستخدم نفوذا كبيرا في الشؤون العالمية.

وبالنسبة لأفريقيا على وجه الخصوص، أصبحت الدول القومية مقسمة إلى حد كبير بين عدد من الهيئات الدولية وأصبحت محدودة بهذا التقسيم. في التسعينات على سبيل المثال رسمت أيديولوجية التطور المحتمل والإدارة الحكيمة الوجهة التي من خلالها أعادت الهيئات الدولية "الإنسانية" الجديدة، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجموعة الدول الثمانية والأمم المتحدة والهيئات غير الحكومية، تأكيدها على حق الشمال في التدخل ووضع الشروط وتحديد خيارات السياسة لأفريقيا.

السياسة كأزمة في أفريقيا/نيجيريا
هي الطريقة التي تتصارع فيها دولة نامية معاصرة مثل نيجيريا مع نفوذ العولمة- المحددة بالسمات البارزة المذكورة آنفا- التي تشترط استنطاق المفهوم الثاني في السؤال الاستهلالي- أزمة السياسة في نيجيريا. كذلك فإن الإشارة إلى وتوصيف السياسة الأفريقية كأزمة التسعينات قد تكون أيضا نتيجة سلبية غير ملائمة للعولمة نظرا إلى ظروف أفريقيا في النظام الدولي في فترة ما بعد الحرب الباردة. وظهور نظام التعددية العالمي الجديد.

في التسعينات، ومن خلال سلسلة من القرارات السياسية دافع الرئيس بيل كلينتون والأمينان العامان للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي وكوفي عنان عن رأيهم بأن سيادة الدولة يمكن أن تقيد بالرغبة في تعزيز الأهداف الإنسانية العالمية ومراقبة انتهاكات حقوق الإنسان. حق التدخل الإنساني الدولي كان يقوم على خمس خواص تضمنت:

  • تدهور أو انهيار سلطة الحكومة المركزية.
  • الصراع العرقي أو الديني.
  • انتهاك حقوق الإنسان.
  • تهديد الأمن الغذائي.
  • تفاقم مشاكل اللاجئين والنازحين.

هذه الشروط الخمسة هي التي شكلت صورة الأزمة الأفريقية وجعلت المنطقة تصبح مركزا لنماذج تدخل جديدة للمجتمع الدولي.

نيجيريا نموذجا
هناك تقارير دولية قاتمة عن صدامات طائفية داخلية أُنشئت لنيجيريا وإشارة دائمة لمصطلح "الأزمة" مثل "نيجيريا على شفا جرف هار".
ومع ذلك فالنتيجة السلبية لثورة الاتصالات العالمية تتلخص في تغطية إعلامية جماهيرية ممجوجة ومنحازة ومشوهة تجعل القادة المعاصرين سريعي التأثر بمزاج العامة.

ولفهم مصطلح الأزمة في السياسة الأفريقية والنيجيرية، التي يصفها البعض بأنها هجوم أفريقي متشائم على السياسة الأفريقية، تستخدم مصطلحات علم الأمراض مثل مذهب مركزية الدولة الطفيلي والتسلط العسكري والدكتاتورية والفساد والأزمات والقبلية والأمراض للإشارة إلى طغيان الخسائر في القارة. وعند محاولة تفسير الأحداث في أفريقيا المعاصرة لجأ المجتمع الدولي طواعية إلى هذه الإساءة الشائعة لنظريات العلة التاريخية والجنوح الغريب لشرح العمليات المعقدة في القارة بأسلوب الخسائر البسيطة.

لقد وصف الناشط السياسي النيجيري يوسف بالا عثمان صورة أزمة نيجيريا كحملة تشويه لما حدث وما يحدث في نيجيريا. ويستطرد قائلا بأن أزمة التشويه هذه تستخدم تحريف الحقائق عن نيجيريا والافتراضات الكاذبة عن طبيعتها وسياستها التي أصبحت تشكل تهديدا على الاستقرار السياسي للدولة وبقائها ونمو الديمقراطية.

تفسيرات الأزمة الدينية والهوية النيجيرية
في الألفية الجديدة صنف المجتمع الدولي نيجيريا مرة أخرى كدولة تعيش أزمة دينية وأزمة حقوق الإنسان. فقد اسشتاط المجتمع الدولي غضبا، متمثلا في منظمات حقوق الإنسان العالمية، على الحكم الذي صدر في نيجيريا برجم امرأة مسلمة تدعى أمينة لوال أدينت بالزنا، وجعل من الأمر قضية قانونية تدعو لدق ناقوس الخطر حول العالم، ولكنه لم يبذل جهدا كافيا لفهم أو تخفيف حدة الأحداث التي تعصف بهذا البلد.

لقد جعلت هذه الحوادث نيجيريا بلدا منبوذا ومنتهكا لحقوق الإنسان، وأدانتها منظمة العفو الدولية التي وصفت تلك العقوبات ضد مواطنيها بالقسوة والإهانة لإنسانيتهم، وإخفاقها في تحقيق المعايير الدولية في إيجاد محاكمة عادلة والتمييز على أساس الجنس.. كذلك وجه النقد إلى نيجيريا لعدم التزامها الكافي بالديمقراطية منذ إعلانها في البلاد عام 1999، والنقد الدولي الذي واجهته بسبب العنف المصاحب للخلافات بين المسيحيين والمسلمين على خلفية تطبيق الشريعة الإسلامية في المنطقة الشمالية لنيجيريا.

فالإضافة إلى أن الأحداث الحالية في نيجيريا وصفت على أنها أزمة دولة وأزمة شرعية، فقد انتقدت التقارير الدولية نيجيريا لعدم البت في القضايا الأساسية المتعلقة بالهوية قومية، وتصاعدت حدة العنف الاجتماعي الذي يعكس التوترات العرقية والدينية والإقليمية والسياسية والإحساس المتزايد بفقدان الأمن والأزمة في الدولة عموما.

كان هناك ميل لإلقاء اللوم في عقوبة أمينة على الحكومة الديمقراطية الجديدة في ظل نظام الرئيس أوباسانجو وأدائها الضعيف بالإضافة إلى الإشارات الجديدة إلى نيجيريا كدولة منهارة وغير قادرة على قمع جذور الإرهاب الإسلامي (سي آي إيه: فاكت بوك: نيجيريا)

لكن لا التشاؤم الأفريقي الدولي ولا الحديث عن تشويه الحقائق يفسران التحولات المعقدة في السياسة النيجيرية نتيجة للدمقرطة والعولمة والتغيرات الهامة في السياسة القومية للبلد التي شجعت بروز الإسلام السياسي وإحياء السياسة الدينية العرقية الإقليمية.

يمكن تفسير التعبئة السياسية للإسلام السياسي في شمال نيجيريا والعنف الاجتماعي اللاحق الذي اندلع نتيجة لذلك في سياق "المسألة القومية" النيجيرية، وهي فكرة تصور بحث نيجيريا عن الاستقرار والشرعية والتطور. وهذه المسألة تخاطب النزاعات المتعددة الأبعاد في الدولة والتي تتضمن تنافس سلطوي بين قبائل اليوروبا والهوسا الفولاني والإيجبو ومنطقة دلتا النيجر الأكثر حداثة، أي مسألة تقاسم السلطة والعملية المستمرة للدمج الرأسي والأفقي وتطوير الجنسيات المختلفة التي تشكل الدولة القومية النيجيرية.

إطلالة على الفسيفساء الثقافية
ليس هناك معلومات وافية عن التركيبة الديموغرافية المتنوعة لنيجيريا، لكن الشائع من المعلومات أنها تتكون من حوالي 400 مجموعة عرقية و 20 طائفة دينية رئيسية، والقانون الساري هناك هو القانون الإنجليزي والشريعة الإسلامية والعديد من القوانين التقليدية التي تحكم حياة لكل مجموعة عرقية على حدة.

ومن الجدير بالذكر أيضا أن 50% من النيجيريين مسلمين في حين أن 35% مسيحيين و 15% من الروحانيين.

ويضاف إلى هذه الفسيفساء الثقافية ست مناطق ثقافية أخرى تشمل إمارات الهوسا-الفولاني الشمالية ومنطقة البورنيو الشمالية وأقليات الميدل بلت في الشمال الأوسط واليوروبالاند في المنطقة الجنوبية الغربية والإيجبولاند في الأقليات الجنوبية الشرقية والجنوبية في مناطق دلتا النيجر.

وكمعظم مناطق الرعي الأفريقية عجلت تحولات ما قبل الاستعمار والتحولات الاستعمارية التاريخية من حدوث تطورات منفصلة بين المناطق الشمالية والجنوبية أدت إلى نشوء تيارين ثقافيين مختلفين يتجهان نحو العصرنة.

فعلى سبيل المثال كيف الجنوب النيجيري جالياته المقيمة في ولاياته المدنية وممالكه الدستورية تبعا للقيم الاستعمارية الدخيلة التي أتى بها المنصرون. وباعتناق الديانة المسيحية ونتيجة للسبق في التعليم على النمط الغربي، أصبح للجماعات الجنوبية قصب السبق في توصيف الدولة الديمقراطية الحديثة في فترة ما بعد الاستعمار.

وبالتناوب، حافظ الشمال النيجيري، الذي كان في الماضي مركزا للإمبراطوريات السودانية الإسلامية في القرون الوسطى، من خلال السياسة الاستعمارية للحكم غير المباشر، على تقاليده وقوانينه الإسلامية كالشريعة التي تعود إلى 500 سنة، ومن ثم ولج إلى العصرنة مع الشرق الأوسط كنقطة مرجعية ثقافية.

جدل قوانين الشريعة
يحتاج النزاع حول التوسع في قوانين الشريعة الإسلامية في نيجيريا إلى تحليل واف كأزمة دستورية وديمقراطية. لقد كان للتفسيرات المختلفة للدستور النيجيري أثرها في تأجيج النزاع. فقد رأي الجنوبيون غير المسلمين أن تطبيق الشريعة إعلان غير دستوري من قبل ولايات الشمال التي أقرت الإسلام دينا للدولة متجاهلة بذلك تأييد دستور 1999 الصريح للعلمانية. وعلى النقيض، يرى مؤيدو تطبيق الشريعة أمثال كور حاكم ولاية النيجر بأنها تعبير عن الديمقراطية الشعبية في حين أن الحاكم يريما جادل بأنه لم يعلن زمفرا ولاية إسلامية، ولكنها منحت وضعا إضافيا كمركز للإسلام. وردا على تفسير الحاكم ساني عن هذا القانون، صرحت منظمة الحريات المدنية النيجيرية بأن حرية الاعتقاد الديني لا تقتضي ضمنا فرض دين بعينه من قبل ولاية ما على شخص ما. وجادلت المنظمة بأن الدستور أقر حق المسلمين في اتخاذ التدابير اللازمة لإنشاء محكمة استئناف إسلامية مختصة بالمسائل المدنية والشخصية لهؤلاء الأشخاص.

الولاية الديمقراطية الفدرالية التي تؤيد حقوق الولايات في سن القوانين نيابة عن مجتمعاتها الإقليمية دخلت في نزاع المناقشة الدستورية بإعلانها أن الشكل المتشدد لممارسات الشريعة بين الولايات الشمالية غير قانوني بموجب دستور الدولة. وأعلن نظام أوباسانجو أن قانون الشريعة ميز بين المسلمين. ومن المثير للسخرية، عند تصوير التناقضات العميقة الموجودة من أجل العملية الديمقراطية في مجتمع متعدد الأديان منقسم انقساما شديدا، أن وزير العدل، جودوين أجابي، جادل بأن المسلمين ينبغي ألا يعاقبوا بعقوبة أقسى من التي قد تفرض على النيجيريين الآخرين (غير المسلمين) لنفس الجرم.

تحقيق تقدم سياسي جدلي رغم العولمة
بدا المجتمع الدولي وقد تنفس الصعداء في سبتمبر/أيلول عام 2003 عندما أعلنت محكمة كاتسينا الإسلامية أن أمينة لوال قد برئت ساحتها من تهمة الزنا الموجهة إليها ونجت من عقوبة الموت رجما. ومع ذلك أضاع المجتمع فرصة تحليل رد القضية كإنجاز للسياسة النيجيرية ورقي ديمقراطية الدولة.

لقد امتدح كثير من ناشطي حقوق الإنسان بما في ذلك المجتمع المسلم الذي تنتمي إليه أمينة والفريق النسائي القانوني داخل البلد حقيقة أن مصير أمينة قد تقرر محليا داخل أروقة محكمة كاتسينا للاستئناف بناء على الأسباب الإجرائية وليس على أساس المناشدات الخارجية المطالبة بالعفو من قبل المجتمع الدولي.

وبالنسبة لفريق أمينة، فإن براءتها قد بينت الأبعاد الإجرائية الناجحة للديمقراطية النيجيرية، وبأنه كان من حق النيجيريين الاستئناف بموجب القانون ضد الجور الذي مارسته الدولة. وبالسماح باستئناف القضية وكسبها في أول محكمة استئناف من ثلاث محاكم محتملة (محكمة ولاية كاتسينا، ومحكمة الشريعة الفدرالية والمحكمة العليا)، أصبحت الدولة تسير في طريق تطوير ثقافة حقوق إنسان وديمقراطية نابعة من الداخل في إطار حكم القانون النيجيري. وبالفعل، فقد عزز محامي أمينة هذا الموقف معلنا أن براءة موكلته كانت نصرا للقانون والعدالة والكرامة وحقوق الإنسان في نيجيريا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة