التقريب بين المذاهب.. المفهوم والنشأة   
الأربعاء 13/2/1429 هـ - الموافق 20/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 18:17 (مكة المكرمة)، 15:17 (غرينتش)
حوار بين رفسنجاني والقرضاوي (الجزيرة)

جسد النقاش الذي بثته قناة الجزيرة بين رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور يوسف القرضاوي وورئيس هيئة مصلحة تشخيص النظام بإيران علي أكبر هاشمي رفسنجاني في منتصف فبراير/ شباط 2007 أحد مظاهر الحوار بين المذاهب الإسلامية. فقد أحيا هذا النقاش بين شيخ سني وآخر شيعي مفهوم التقريب بين المذاهب، وهو مفهوم أسس لخطابات تعايشت حقبا طويلة وعرفت تماسا وتوازيا بل وتقاطعا أحيانا أخرى.

ومن الصعب أن نضع اليد على مفهوم واضح ومجمع عليه للتقريب بين المذاهب الإسلامية. فقدم هذه المذاهب والمواقف المتباينة بين أتباعها بشأن التقريب ما بين داع إليه وبين مشكك فيه، أمور تجعل من العسير تحديد هذا المفهوم.

ولا يخفى أن فكرة الحوار كانت موجودة منذ أن ظهرت المذاهب الإسلامية في القرون الهجرية الأولى، وأن الجدل والمجادلة والمناظرة والمناقشة والمحاجة والمباحثة والمراء والمفاوضة مفردات كانت حاضرة في الساحة المذهبية الإسلامية قديما.

ومع تجدد التحاور حول الخلافات المذهبية الإسلامية في العصر الحديث يصبح التساؤل واردا حول مفهوم التقريب بين المذاهب، كيف يحدد التقريب بين المذاهب عند دعاته؟

مفهوم التقريب بين المذاهب
نشأة التقريب بين المذاهب

مفهوم التقريب بين المذاهب

تتقارب أغلب تعريفات التقريب بين المذاهب التي اطلعنا عليها والمنسوبة لبعض الأعلام المعاصرين الداعين إلى الحوار بين هذه المذاهب، إذ يقول د. يوسف القرضاوي "ليس المقصود من فكرة التقريب رفع الخلاف، الخلاف لا بد منه".

آية الله محمد علي تسخيري
ولا يبتعد آية الله محمد علي التسخيري في تحديده لمفهوم التقريب عما ذهب إليه الشيخ القرضاوي حين يقول "فكرة التقريب بين المذاهب لا تعني أبدا إلغاءها، بل يبحث الجميع عن المساحة المشتركة وتوسيعها عبر التفاهم وبالتالي تطبيق ما اتفقوا عليه".

ويوضح المفتي العام لسلطنة عمان الشيخ أحمد بن محمد الخليلي -متحدثا عن مفهوم التقريب بين المذاهب- طريقة التعامل مع ما يجمع المذاهب قائلا "يجب علينا أن نفكر فيما يجمع بين هذه الأمة، فنحن نرى قواسم مشتركة تجمع ما بين هذه الأمة جميعا، منها وحدة المصدر. فإن هذه الأمة جميعا تؤمن بكتاب الله أنه هو المصدر الأول لفكرها ولفقهها ولمنهجها في حياتها، وتؤمن أيضا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة الصحيحة".

وبالنسبة لنقاط الخلاف، يرى الشيخ الخليلي أن "الاختلاف في التفسير والاختلاف في التأويل والاختلاف في الجزئيات التي ترجع إلى هذه الكليات يمكن أن يناقش بأسلوب هادئ هادف لا يؤدي إلا إلى التآلف والتقارب".

كما تتفق رؤية رئيس مركز الإمام بدر للدراسات الإسلامية في اليمن المرتضى بن زيد المحطوري مع رؤى القرضاوي والتسخيري والخليلي في أن التقريب بين المذاهب يعني أولا الاجتماع على ما تتفق عليه المذاهب الإسلامية، والحوار حول ما تختلف حوله.

نشأة التقريب بين المذاهب

"
رغم أن المحاورات المبكرة بين أتباع المذاهب الإسلامية كانت تهدف في مجملها إلى مغالبة الخصم وإظهار التفوق عليه، فإنها تستبطن التقارب والتفاهم مع الخصم
"
لم يغب التحاور بين المذاهب الإسلامية عن الساحة الفكرية منذ العصور الماضية. وليس مستبعدا تاريخيا أن يكون ما يطلق عليه في التراث الإسلامي "مسائل ابن الأزرق" تأسيسا للحوار المذهبي في الإسلام. ومسائل ابن الأزرق هي حوار جرى بين الصحابي عبد الله بن عباس وزعيم الخوارج نافع بن الأزرق في ساحة الكعبة المشرفة وقد أوردها اللغوي المبرد في كتابه "الكامل".

ولعله من السهل إدراك مكانة المحاورة والمحاجة بين المذاهب الإسلامية قديما عبر التآليف المتمحورة حول الحوار ومنطلقاته وأسسه وقواعده وآدابه وأساسياته وشروطه وأساليبه. فربما كان الحراك الفكري بين أصحاب المذاهب الإسلامية سببا وراء تأليف إمام الحرمين الجويني كتابه "الكافية في الجدل" أو تأليف أبي إسحاق الشيرازي كتابه التلخيص في الجدل في أصول الفقه وغيرهما.

ورغم أن هذه المحاورات كانت تهدف في مجملها إلى مغالبة الخصم وإظهار التفوق عليه، فإنها تستبطن التقارب والتفاهم مع الخصم. فهذه الحوارات قربت مثلا مبادئ أصول الفقه ومصطلحاته وتطبيقاتها، ومن ذلك يقول الدكتور محمد سعيد رمضان: "فكما أن قواعد أصول الفقه لعبت دورا كبيرا فيما مضى في التقريب بين المذاهب الاجتهادية المختلفة، بل في القضاء على كثير من الاختلافات، فإنها تعتبر المرشح الأول اليوم لأن تلعب الدور ذاته".

وفي القرن الرابع الهجري اشتهرت محاورات عدة من أبرزها مناظرة إمام أهل السنة أبي بكر الباقلاني مع إمام الشيعة الإمامية الشيخ المفيد، كما ناظر الشيخ المفيد إمام المعتزلة القاضي عبد الجبار.

وفي القرن التاسع عشر دعا جمال الدين الأفغاني إلى منهج توحيد المذاهب الإسلامية، وكان تلميذه الإمام محمد عبده يميل إلى التقريب بين المذاهب، وفتحت مجلة "المنار" التي كان محمد رشيد رضا يصدرها صفحاتها لشتى المذاهب الإسلامية.

وفي أربعينيات القرن الماضي تجدد الحوار بين الأزهر الشريف بمصر وبين بعض مراجع الشيعة الإيرانيين، وكان ذلك سببا في تأسيس دار التقريب بين المذاهب الإسلامية.

وتأسس بإيران المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية سنة 1990، ويرأسه آية الله محمد علي التسخيري، وينشط في إقامة مؤتمرات ونشاطات للتقريب بين المذاهب.

ولكن رعاية إيران له حدت من نشاطه في العديد من الدول العربية والإسلامية بسبب العلاقات السيئة أو الحذرة مع طهران، في حين نشط في دول أخرى بقدر نفوذ إيران فيها أو تحسن علاقاتها بها.



_______________
الجزيرة نت

المصادر
1- كتاب "إستراتيجية التقريب بين المذاهب" في موقع منظمة الإيسسكو
2- "التقريب بين السنة والشيعة" مقال للأستاذ معتز الخطيب في الرابط التالي:
http://www.isesco.org.ma/pub/ARABIC/StratTakrib
/Meu.htm
3- رؤية أزهرية في التقريب بين المذاهب من خلال الرابط:
http://www.albainah.net/index.aspx?function=Item&id=5978&lang=
4- 
أرشيف الجزيرة نت
5- موقع المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية من خلال الرابط:
http://www.taghrib.ir/arabic/history.htm 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة