صراع الإستراتيجيات في آسيا الوسطى   
الأربعاء 1428/3/17 هـ - الموافق 4/4/2007 م (آخر تحديث) الساعة 10:33 (مكة المكرمة)، 7:33 (غرينتش)
 
إن الارتفاع المتواصل لسعر برميل النفط منذ أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، الذي تجاوز حاجز 70 دولارا في منتصف 2006، تزامن مع احتدام التنافس بين كل من واشنطن وموسكو وبكين حول المشاريع النفطية في منطقة آسيا الوسطى وهو ما اصطلح على تسميته "بإستراتيجية لعبة الأنابيب".
 
السياسة الأميركية
في هذا الإطار توخت الولايات المتحدة منذ أواخر التسعينيات من القرن الماضي سياسة تقوم على إقصاء روسيا من مسار أنابيب النفط والغاز المتجهة غربا انطلاقا من بحر قزوين. وقد دخل هذا المشروع حيز التنفيذ سنة 2002 بعد أربع سنوات من الجدل بشأنه، بسبب ما قيل عن آثاره السلبية على سلامة البيئة ورفض البنك الدولي تمويله، فضلا عن التهديدات الناجمة عن عوامل عدم الاستقرار السياسي والأمني للمناطق التي يمر منها هذا الأنبوب في كل من أذربيجان وجورجيا وتركيا.
وقد استمر بناء أنبوب باكو-جيهان أكثر من ثلاث سنوات وتم افتتاحه رسميا في مايو/أيار 2005 ويضخ يوميا أكثر من مليون برميل، أي حوالي1.4% من الإنتاج العالمي للنفط.
 
"
توخت الولايات المتحدة منذ أواخر التسعينيات من القرن الماضي سياسة تقوم على إقصاء روسيا من مسار أنابيب النفط والغاز المتجهة غربا انطلاقا من بحر قزوين

"
ومع ربط بحر قزوين بميناء جيهان التركي على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، دخل هذا المشروع المرحلة الثانية والهامة والتي تسعى إلى الربط بين بحر قزوين وكل من كزاخستان وتركمانستان لتمكينهما من فضّ الارتباط نهائيا مع خطوط الإمداد الروسية، لأن واشنطن لم تكن ترغب يوما في رؤية نفط آسيا الوسطى وقزوين يتدفق إلى أوروبا الغربية عبر الأراضي الروسية وبالتالي إعطاء موسكو درجة من السيطرة على إمدادات الطاقة، كما لم تقبل نقله عبر الأراضي الإيرانية جنوبا بموجب قانون الحظر الذي يمنع التعامل مع طهران في هذا المجال.
 
روسيا والحفاظ على مصالحها
في الجانب الآخر تهتم روسيا بالتصدي لمحاولات تحييدها من دائرة نفوذها التقليدي وترى في ارتفاع الاستثمارات في آسيا الوسطى وبحر قزوين تآكلا وتراجعا لوضعها الجيوسياسي نتيجة لخروج موارد هذه المنطقة عن سيطرتها.
 
وفي محاولة من موسكو لوضع حدّ لهذا التقهقر حاولت قيادة الكرملين تقوية إطار كومنولث الدول المستقلة، لكن بدون جدوى. لذلك بدأت إستراتيجية موسكو تأخذ منعطفا جديدا قائما على التفاهم والتوافق مع الأطراف المتنافسة معها مثل إيران التي أوكلت لها مهمة احتواء الدول المطلة على بحر قزوين خاصة منها أذربيجان وكزاخستان.
 
كما انخرطت روسيا مع الصين في إستراتيجية تهدف إلى تحجيم دور الولايات المتحدة في هذه المنطقة من خلال استخدام منظمة شنغهاي للتعاون الإقليمي التي تضم روسيا والصين وأوزبكستان وقرغيزستان و كزاخستان وطاجيكستان، وكلا من إيران وباكستان والهند بصفة مراقب.
 
ورغم المحاولات الأميركية لتهميش الهيمنة الروسية على الثروات الطبيعية لآسيا الوسطى في قطاع النقل بالأنابيب فإنه لا تزال شركة غازبروم الروسية تهيمن على قطاع نقل الغاز في آسيا الوسطى دون منازع.
 
وعليه فلا يمكن إخراج روسيا بسهولة من معادلة الطاقة القائمة في هذه المنطقة منذ انتهاء الحرب الباردة، خاصة أن موسكو تمكنت من الاحتفاظ بعلاقات تقليدية مع هذه الدول مبنية على المصالح المشتركة وثوابت الجغرافيا وحقائق التاريخ وذلك رغم التوجهات الغربية لمعظم هذه الدول.
 
الصين واحتياجات الطاقة
"
تعلمت الصين الدرس من احتلال العراق حيث رأت في هذه الحرب محاولة من واشنطن للاستئثار بمنابع النفط في العالم مما حدا بالصين إلى تبني ردة فعل تجسدت في اختراقاتها المتتالية لدوائر النفوذ التقليدية لواشنطن في كل من أميركا اللاتينية والخليج العربي

"
ومثلها مثل روسيا، تنظر الصين إلى آسيا الوسطى باعتبارها مصدرا مهما للطاقة في المستقبل. وفي هذا السياق شرعت الصين في توطيد علاقاتها مع معظم دول آسيا الوسطى ببعث العديد من المشاريع الاستثمارية في مجالات الطاقة والبنية التحتية.
 
فعلى سبيل المثال وليس الحصر تمكنت الصين من مدّ خط أنابيب نفط بينها وبين كزاخستان، علما بأن خطا مماثلا للغاز يجري إنشاؤه حاليا بين الدولتين.
 
والجدير بالذكر أن هذا التوجه الصيني الجديد في هذه المنطقة جاء نتيجة لتغير وضع الصين من دولة مصدرة للنفط إلى دولة مستوردة له تحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، حيث ترتفع احتياجاتها منه بنسبة 5%  سنويا.
 
وتتطلع الصين إلى لعب دور المنافس للولايات المتحدة على الساحة الدولية على المدى المنظور ساعية إلى تأمين إيراداتها النفطية لمواكبة حمى الحراك الاقتصادي الذي يتجسد بنسبة نمو اقتصادي غير مسبوق تتجاوز 9%  سنويا.
 
هذا فضلا عن أن الصين تعلمت الدرس من احتلال العراق حيث رأت في هذه الحرب محاولة من واشنطن للاستئثار بمنابع النفط في العالم مما حدا بالصين إلى تبني ردة فعل تجسدت في اختراقاتها المتتالية لدوائر النفوذ التقليدية لواشنطن في كل من أميركا اللاتينية والخليج العربي وذلك بعقدها صفقات نفطية مع كل من فنزويلا وإيران والمملكة العربية السعودية.
 
كما تعتبر الصين أحد المساهمين في خط أنبوب باكو-جيهان. زد على ذلك الجهود الصينية الرامية إلى تطوير التعاون مع كل من روسيا والهند  في مجال الطاقة والاستفادة من الموارد الطبيعية التي توفرها منطقة سيبيريا الروسية.
 
إن موارد الطاقة المنتشرة في آسيا الوسطى والقوقاز تعيد رسم الخريطة الجيوسياسية لمنطقة أوراسيا، وهو ما كان قد تنبأ به مستشار الأمن القومي السابق للرئيس كارتر الدكتور زبينيو بريجنسكي في كتابه الذي نشره سنة 1997 بعنوان "رقعة الشطرنج الكبرى".
 
فالتحكم في منابع الطاقة وخطوط الإمداد، كما جاء في تحاليل بريجنسكي سيكون المحدد الرئيسي للمستقبل السياسي والاقتصادي لدول آسيا الوسطى والضابط لعملية إعادة ترتيب أولويات المثلث الإستراتيجي الذي يدير زواياه الثلاث النسر الأميركي والدب الروسي والتنين الصيني.
 
ويعتبر الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 نقطة التحول الرئيسية في تكثيف الوجود العسكري الأميركي بآسيا الوسطى. فحتى هذا التاريخ كان مقتصرا على عدد من الاتفاقات الثنائية التي تتمحور حول بعض المساعدات العسكرية، التي تطورت فيما بعد لتشمل إقامة قواعد عسكرية في كل من  قرغيزستان وأوزبكستان في إطار ما سمي "بالحرب الكونية على الإرهاب".


_______________
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة