المقاومة وسياسة الأحلاف   
الاثنين 16/2/1428 هـ - الموافق 5/3/2007 م (آخر تحديث) الساعة 17:36 (مكة المكرمة)، 14:36 (غرينتش)


ياسر الزعاترة

حين نتحدث عن المقاومة في هذه المنطقة من العالم المسماة منطقة الشرق الأوسط، فنحن نتحدث عن جملة من الخصوصيات التي ينبغي أن تكون حاضرة، لعل أهمها واقع التجزئة والدولة القطرية السائد في المنطقة.

ظروف الصراع
الحالة الفلسطينية
الحالة اللبنانية
الحالة العراقية
خلاصة

ظروف الصراع

التجزئة فرضت بسطوة القوة من قبل الغرب الاستعماري، وما من شك في أنه واقع يفرض شروطه على حركة المقاومة أية حركة، كما يفرضها على مجمل اللعبة السياسية لاسيما بعد أن تجذرت القطرية على نحو أكثر قوة خلال العقود الأخيرة.

وإلى جانب ذلك فإن العدو الرئيس الذي تواجهه المقاومة هو الدولة العبرية، وهي دولة لا تتحرك بعضلاتها الذاتية، بل تحميها الإمبراطورية الأكبر في التاريخ البشري، فضلاً عما تتمتع به من إسناد من الغرب عموماً، وبالطبع في ظل خلل فادح في ميزان القوى لصالح هذا الأخير.

ثم هناك إلى جانب ذلك كله الأبعاد الحيوية لهذه المنطقة بالنسبة للغرب عموماً، من ناحية الموقع ومن ناحية الثروات.

هكذا تبدو المقاومة واقعة تحت تأثيرات كبيرة لا تتعلق فقط بخصوصية الصراع الذي تخوضه، أو المحتل الذي تواجهه، بل تتجاوزها نحو واقع أكثر قوة وتأثيراً على مختلف الأصعدة.

ما ينبغي أن يقال ابتداءً هو أن ما يمنح المقاومة فرصة الاندلاع والاستمرار في أي مكان هو واقع الاحتلال أو الظلم، ومن ثم توفر الحاضنة الشعبية القادرة على حمايتها ومدها بالرجال والإسناد، إلى جانب المدد والإسناد الخارجي.

ضمن هذه المعادلة يمكن التوقف أمام سياسة الأحلاف بالنسبة للمقاومة في سياق ثلاث حالات هي الفلسطينية واللبنانية والعراقية، وهي أحلاف لا تتعلق بالدول وحدها، بل تتجاوزها نحو الحركات والمنظمات أيضاً.

الحالة الفلسطينية

برزت إشكالية التحالفات بالنسبة للقضية الفلسطينية منذ اعتراف الوضع العربي الرسمي بضعفه أمام الهجمة الغربية تبعاً لخلل ميزان القوى الدولي وواقع التجزئة، ليس فقط منذ ما بعد عدوان يونيو/حزيران عام 1967 واعتراف النظام العربي الرسمي بالقرارات الدولية التي تقر وجود الدولة العبرية، وإنما قبل ذلك في ظل خضوع الوضع العربي الرسمي للإملاءات البريطانية أيام الانتداب، بدليل تعاطي الأنظمة العربية -وعلى رأسها مصر- السلبي مع الحاج أمين الحسيني ومجمل الحراك الفلسطيني المقاوم.

المنظمة: تحالفات دولة
مع بروز منظمة التحرير الفلسطينية ثم سيطرة حركة فتح عليها، يمكن القول إن الفلسطينيين قد دخلوا في الإطار الرسمي العربي ومجمل تعقيداته. ولما كانت مصر هي الدولة الأهم، فقد صارت منظمة التحرير شبه تابعة لها، ولم يكن سراً أن عنوان ياسر عرفات كان في القاهرة طوال الوقت، بصرف النظر عن بعض المراحل العابرة.

هكذا صارت منظمة التحرير جزءًا من السياق الرسمي العربي، وحين تكون كذلك في ظل التجزئة والدولة القطرية، فإنه من الطبيعي أن تخضع لتأثيرات التناقض العربي.

ويرى كثيرون أنه كان بوسعها تجنب الدخول في لعبة المحاور العربية، ولو على نحو سافر في أقل تقدير، لكنها لم تفعل وانساقت خلف اللعبة، الأمر الذي كلف الفلسطينيين تضحيات كانوا في غنى عنها.

في مقابل مصر عنوان الشرعية الفلسطينية أو الوضع الرسمي الفلسطيني شكلت دمشق عنوان المعارضة، إذ كانت القوى الفلسطينية سوى فتح أكثر قرباً من دمشق، وقد تبدى ذلك خلال مرحلة لبنان، ومن ثم خلال مرحلة أوسلو وما بعدها. وعلى العموم فقد كانت منظمة التحرير دولة عربية إذا ما نظر إليها في سياق لعبة التحالفات، الأمر الذي أبعدها عن سياق الثورة وحركة المقاومة.

المقاومة الإسلامية

"
علاقات حماس بإيران لا تجعلها رهناً لتوجهاتها رغم حرص هذه الأخيرة على ذلك، لا سيما بعد اندلاع أزمة الملف النووي واشتباك الوضع العراقي
"

من هنا تبدو الحالة الفلسطينية الأكثر قرباً من سياق العنوان الذي نحن بصدده هي حالة المقاومة الإسلامية، وتحديداً حركة المقاومة الإسلامية حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، مع العلم أن الفارق شبه الوحيد بين الحركتين يتمثل في علاقاتهما بإيران وتوابعها في المنطقة، إذ تبدو الجهاد أكثر قرباً على هذا الصعيد، وفي ما سوى ذلك تبدو سياسات الحركتين متقاربة من حيث إطارهما العام.

منذ البدايات رفضت حماس الدخول في إطار الخلافات العربية، كما رفضت الدخول في إشكاليات العلاقة بين الأنظمة العربية ومعارضاتها الإسلامية، رغم التقاء بعضها في الجذر الفكري والتنظيمي مع حماس ممثلاً في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

صحيح أن حماس كانت ولا تزال أقرب إلى سوريا منها إلى مصر على سبيل المثال، إلا أن ذلك لم يؤد إلى أي شكل من أشكال الصدام مع مصر.

وقد وقع ذلك رغم فترات توتر دائمة في العلاقة بين الإخوان المصريين الذين يفترض أنهم المرجع التنظيمي لحماس، وبين الدولة المصرية، في حين يعرف أن الإخوان السوريين لم يخرجوا من إطار العداء مع النظام السوري منذ مطلع الثمانينيات وإن توقف مسلسل العنف منذ ما قبل انطلاقة حماس نهاية عام 1987.

هكذا حافظت حماس على علاقة أكثر من حسنة مع عدد من الأنظمة العربية لا سيما تلك المتميزة بقدر من الممانعة في علاقتها مع الكيان الصهيوني، ولم تدخل في صدامات أو توترات مع دول أخرى كانت أكثر قرباً من السياسات الأميركية والإسرائيلية.

وإذا أخذ النموذج الأردني كحالة أخرى بالنسبة لبعض المراقبين فإن الصدام مع حماس لا يبدو خروجاً عن السياق التقليدي، إذ إنه ناتج عن هواجس أردنية محلية تتعلق بالتداخل الأردني الفلسطيني، كما تتعلق بالضغوط الأميركية الإسرائيلية، وبمسائل الإصلاح السياسي في الأردن. مع أن الحديث عن صدام بالمعنى الحقيقي للكلمة لا يبدو صحيحاً إلى حد كبير.

ربما قيل إن حماس قد دخلت في الآونة الأخيرة في محور إيراني سوري بدليل تصريحات خالد مشعل في إيران، وحديثه عن تصعيد فلسطيني في حال تعرض إيران لعدوان عسكري.

لكن هذا المحور لم يكن موجهاً في الأصل ضد طرف أو أطراف عربية، بل إنه موجه ضد الإملاءات الأميركية الإٍسرائيلية بدليل أن أياً من الدول العربية لم تنظر إليه بعين الخطورة، وإن أبدت ملاحظات على الدور الإيراني في العراق، الأمر الذي يختلف عن الدور السوري، بل عن موقف حماس من المقاومة في العراق.

وفي العموم فإن علاقات حماس بإيران لا تجعلها رهناً لتوجهاتها رغم حرص هذه الأخيرة على ذلك، لاسيما في المرحلة الأخيرة بعد اندلاع أزمة الملف النووي واشتباك الوضع العراقي.

هكذا بدا أن حماس والمقاومة الفلسطينية قد اختارت الحياد في النزاعات العربية، كما هو الحال في النزاعات بين الأنظمة ومعارضاتها الإسلامية، دون أن يعني ذلك عدم الانحياز إلى تيار الممانعة والمقاومة في الأمة، سواء كان دولاً أم حركات، بدليل العلاقة الطيبة للحركة مع مجمل الحركات الإسلامية والقومية، وحتى اليسارية في الدول العربية والإٍسلامية.

الحالة اللبنانية

لا خلاف في أن المقاومة اللبنانية ذات صلة بالصراع العربي الإسرائيلي، وإن حملت سياقات أخرى تتعلق بالحضور الشيعي في المعادلة اللبنانية، وبالدور الإيراني في المنطقة. وعموماً يمكن القول إن إدارة حزب الله اللبناني لتحالفاته وعلاقاته كانت بالغة الدقة في السياق الداخلي والخارجي.

من الناحية الواقعية يمكن القول إن مقاومة حزب الله، ومن ثم انتصاره الكبير قد تحقق بمعادلة ذات شعب ثلاث لم يكن بالإمكان الاستغناء عن أي منها:

  • أولاها الإدارة والبطولة الكامنة في الحزب ودوره وقيادته.
  • ثانيتها الدعم السوري الواضح والمحسوم.
  • وثالثتها الدعم الإيراني المالي والعسكري الواسع النطاق.

في الداخل كان حزب الله يدير علاقة بالميزان الدقيق مع القوى الداخلية، لكنه بالتأكيد كان جزءًا من المحور السوري، أما في الخارج فقد كان على علاقة طيبة مع القوى العربية والإسلامية، من دون أن يدخل في إشكالات مع الأنظمة العربية.

هكذا تبدو الحالة اللبنانية قريبة من الحالة الفلسطينية في ترتيب علاقاتها وتحالفاتها على نحو دقيق لا يضرب إجماع الأمة من حولها، مع فارق أن العلاقة مع سوريا وإيران كانت أكثر من إستراتيجية بالنسبة لحزب الله، بينما هي أقل من ذلك في الحالة الفلسطينية.

الحالة العراقية

"
تحرص المقاومة العراقية على استمرار خطوط الاتصال مع العرب، لكن الأنظمة العربية حريصة كل الحرص على عدم إظهار أي شكل من أشكال العلاقة معها خوفاً من الغضب الأميركي

"

الذي لاشك فيه هو أن وضع المقاومة العراقية أكثر تعقيداً من أية حالة أخرى لسبب بسيط هو غموضها من الناحية القيادية والتنظيمية، خلافاً لنظيرتها الفلسطينية واللبنانية، لكن ذلك لا يحول دون رؤية خطوط عامة لحراكها وتفاعلاتها على الأقل بالنسبة للجزء الوطني منها، أي ذلك الذي لا يرتبط بتنظيم القاعدة ومن يدورون في فلكه، الذي يحتاج قراءة أخرى.

هناك بالتأكيد شبكة علاقات وتفاعلات تحكم قوى المقاومة العراقية، إذ من الصعب القول إنها مجرد حالة عراقية داخلية ليست لها امتدادات في الخارج.

فخلال وقت طويل كان الشريان السوري مهماً في رفد المقاومة، الأمر الذي تغير في الآونة الأخيرة، لكن المؤكد هو أن مدداً آخر ما زال يتدفق، وإن على نحو محدود باتجاهها من بعض الدول العربية سواء تلك الخائفة من التمدد الإيراني وتلك الخائفة من نجاح المشروع الأميركي في العراق.

من ناحية الخطاب السياسي لا تختلف قوى المقاومة العراقية عن نظيرتها الفلسطينية في سعيها لتجنب الصدام مع الوضع العربي بصرف النظر عن ملاحظاتها عليه، وهي تحرص كل الحرص على استمرار خطوط الاتصال، لكن الأنظمة العربية لا تزال حريصة كل الحرص على عدم إظهار أي شكل من أشكال العلاقة معها خوفاً من الغضب الأميركي.

يبقى أن تلك القوى لا تبدو حريصة على عدم إظهار تناقضها مع إيران، رغم صعوبة القول إن طهران تتناقض مع من يقاومون الاحتلال؛ لسبب بسيط هو أنهم يدافعون عنها بشكل عملي. ولعل لهذا السلوك صلة بالحالة الشعبية الحاضنة للمقاومة، كما له صلة بالدول العربية التي تشعر بوطأة التدخل الإيراني في العراق.

في الداخل ليس ثمة شبكة علاقات واسعة تنسجها المقاومة العراقية، اللهم إلا بعض التواصل مع هيئة علماء المسلمين والقوى الرافضة للاحتلال، فضلاً عن علاقات إشكالية مع القوى المنضوية ضمن إطار العملية السياسية. أما في الخارج الشعبي فللمقاومة علاقاتها مع بعض القوى الحية في الأمة التي تتفاعل مع عملها وتبدي استعداداً لدعمها.

وفي كل الأحوال يبدو البعد المحلي غالباً على المقاومة العراقية، رغم تأثير وجودها وحضورها على الوضع العربي والإقليمي. وقد حدث ذلك كما أشير سابقاً بسبب غموض قيادتها تبعاً لطبيعة الوضع على الأرض، كما حدث بسبب خوف النظام العربي الرسمي من غضب الأميركان في حال أحسوا بعلاقات ما له مع مقاومين في العراق. والنتيجة أنها ليست جزءا من تحالف خارجي، اللهم إلا إذا اعتبرناها جزءا من تيار المقاومة والممانعة في الأمة الذي يشمل العديد من الدول العربية والإسلامية، كما يشمل العديد من الحركات الإسلامية والقومية واليسارية.

خلاصة

خلاصة القول هي أن المقاومة في فلسطين ولبنان قد تفاعلت مع الوضع الداخلي والوضع العربي والإقليمي، لكن الواضح هو أن التجارب التي أشرنا إليها كانت ذكية في صياغة تحالفاتها بحيث لا تؤثر سلباً على أدائها وحضورها، وربما استفادت من تجربة منظمة التحرير الفلسطينية التي دفعت أثماناً باهظة بسبب تخبطها ودخولها طرفاً في النزاعات العربية.
______________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة