الأزمة الفنزويلية من وجهة نظر رسمية   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:51 (مكة المكرمة)، 16:51 (غرينتش)

* بقلم/ د. ريمون قبشي

د. ريمون قبشي

يتناول الأستاذ الجامعي والمحامي ومستشار الرئيس الفنزويلي ريمون قبشي الوضع في فنزويلا عقب أحداث أبريل/ نيسان الماضي، بعد أن استطاعت المعارضة تدبير انقلاب على الرئيس شافيز. وقد تضافرت المظاهرات الشعبية الكاسحة مع تدخل الجيش فعاد الرئيس المخلوع بعد 48 ساعة من تنحيته. وفي هذا التحليل يورد د. قبشي وجهة نظره بشأن ميزان القوى السياسي داخل فنزويلا وعلاقاته بالإطار الدولي، دون أن يهمل إصلاحات شافيز المتعددة التي أثارت غضب معارضيه.

- شافيز والثورة السلمية
- مكونات المعارضة الفنزويلية
- الرئيس شافيز وأميركا
- إصلاحات شافيز ومكانته
- إحراج الولايات المتحدة
- تحسن الاقتصاد الفنزويلي
- ميزان القوى بين شافيز ومعارضيه

منذ تسلم الرئيس شافيز الحكم والمؤامرات تتوالى من المعارضة السياسية والمتضررين من حكمه من أصحاب النفوذ السابقين للإطاحة به بكل الوسائل المتاحة المشروعة وغير المشروعة.

شافيز والثورة السلمية

يمكن اعتبار الرئيس شافيز أول من قام بثورة سلمية في أميركا، قضى فيها على طبقة سياسية فاسدة دون أن يُقتل شخص أو يسجن أحد، بشكل لم تقم بعده قائمة للمعارضة السياسية والحزبية، فغير الدستور والمؤسسات المختلفة في البلاد وسيطر على جميع السلطات بعد إجراء ستة استفتاءات وانتخابات في سنة واحدة وربحها جميعها بشعبية كاسحة.

بعض الدوائر المتضررة محليا وفئات من الكوبيين المنفيين وبعض الجهات المحافظة في الولايات المتحدة تسعى جاهدة لعرقلة مساعي شافيز لحل المشاكل الفنزويلية وللإطاحة به، مستعملة جميع وسائل التلفيق والادعاءات والأكاذيب حول الوضع الداخلي الفنزويلي، خاصة الوضع الاقتصادي والعلاقات مع كوبا وليبيا والعراق والوضع العسكري وموقف القادة منه.

مكونات المعارضة الفنزويلية


تتكون المعارضة الفنزويلية من أربعة أركان أساسية هي وسائل الإعلام والكنيسة واتحاد غرف التجارة والزراعة والصناعة وأخيرا اتحاد النقابات الفنزويلي
أمام غياب المعارضة السياسية للطبقة التقليدية والحزبية انبرت أربع دوائر ترمي إلى ملء الفراغ السياسي للمعارضة منتحلة صفة سياسية ودورا سياسيا لا يتلاءم مع طبيعتها:

  • وسائل الإعلام الكبرى: من مرئية ومسموعة ومكتوبة التي تخلت عن كل مقتضيات الموضوعية في بث الأخبار والتعليقات المغرضة، بما في ذلك الهجوم الشخصي الوقح على شخص الرئيس وسائر المسؤولين، إنها تقوم بحملة مشبوهة ومنسقة مع وسائل إعلام أجنبية.
  • رجال الدين المسيحيون: يتخذ بعض رجال الدين المسيحيين موقفا معارضا من الرئيس شافيز شخصيا، بعد أن توقفت الدولة عن تقديم المعونة لبعض المؤسسات الدينية إلا بعد التعرف على برنامج ومشاريع هذه المؤسسات. ورغم تدخل المبعوث البابوي وإرشاد رجالات الدين للابتعاد عن السياسة والاهتمام بالقضايا الروحية فإن هؤلاء لا يتورعون في التمادي لملء الفراغ الذي تركته المعارضة السياسية والحزبية.
  • اتحاد الغرف التجارية والصناعية والزراعية: وهو يواجه تصدعا في صفوفه، بسبب هذه المواقف التي تضر بمصالح غالبية أعضائه الذين لهم مصالح جمة في الحكومة.
  • اتحاد العمال الفنزويلي: وهو يرى نفسه مجبرا على اتخاذ موقف مضاد للحكومة لتغطية عملية التزوير التي حدثت في الانتخابات الأخيرة لاختيار إدارة له. وقد كانت عملية التزوير مفضوحة بشكل أجبر إدارة الاتحاد على افتعال مواجهة مع الدولة للتعتيم على عملية التزوير هذه.

الرئيس شافيز وأميركا

رأت هذه الفئات المدسوسة على السياسة أن بإمكانها الاتكال على الولايات المتحدة في سبيل الإطاحة بالرئيس شافيز، متصورة أن واشنطن ترغب أيضا في التخلص منه بسبب بعض مواقف الرئيس الفنزويلي التي لا تتوافق مع السياسة الأميركية، خاصة بفيدل كاسترو وصدام والقذافي وخاتمي من جهة، وتأييده للقضية الفلسطينية وشجبه علانية للحرب ضد الأفغان، رغم إدانته للإرهاب وموقفه المغاير للسياسة الأميركية بما يتعلق بكولومبيا ومعارضته لقيام السوق الحرة الأميركية بسبب تفاوت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بين الدول الأميركية، ثم هناك الأكاذيب وتضخيم هذه المواقف بمعاداتها لأميركا من أبواق المعارضة المذكورة خاصة وسائل الإعلام.

إصلاحات شافيز ومكانته في فنزويلا


تناولت إصلاحات شافيز التشريعات والأراضي والتعليم والصيد والقطاع النفطي، وقد أفضت تلك الإصلاحات إلى غضب المعارضة لما لها من تأثير على مصالحها

قام شافيز بسن تشريعات تناهز 90 قانونا تتلاءم مع الدستور الجديد الذي قام هو نفسه بتفويض من قبل المجلس الوطني التشريعي بإعداده، وكان ذلك ضد رغبة المعارضة بشكل خاص وقد دفعها إلى التطرف الجنوني ضد الرئيس، خاصة في ما يتعلق بقانون التعليم الذي عارضته الكنيسة, وقانون الأرض الذي مس امتيازات الإقطاع الزراعي، وقانون الصيد الذي حد من طغيان شركات الصيد الكبرى، وقانون الطاقة الذي فتح الأبواب للاستثمار الأجنبي في بعض مراحل صناعة النفط، وغيرها من القوانين الحديثة التي تفرضها الأوضاع الموضوعية لفنزويلا والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية لمجتمع فرضت عليه الحكومات المتعاقبة الفقر والدَّين والحاجة والفساد، رغم أن البلاد غنية بكل الثروات الطبيعية من معادن ونفط وغاز ومياه وطبيعة ومناخ وغير ذلك من الأسباب التي تجعل من الحاجة والفقر جريمة لا مبرر لها سوى عقم السياسات السابقة وفساد السياسيين.

قوة الرئيس شافيز يستمدها من تأييد قطاعات واسعة من الشعب له، خاصة من الفئات المحرومة والفقيرة، رغم ضعفه في معارضة قطاع واسع من الطبقة المتوسطة له، رغم أنها الطبقة التي تضررت أكثر من جراء السياسات السابقة، وهذه الطبقة يشكلها الصحافيون والمهنيون والتجار وغيرهم من الذين يكونون حركة المجتمع.

أما الوجه الآخر لقوة الرئيس فيستمده من الجيش بجميع قطاعاته، حيث أعطاه الفرص العديدة للمشاركة في الحكم من الرئاسة ونيابة الرئاسة إلى جميع المراكز الحساسة في مرافق الإدارة والسياسة والاقتصاد, وهذا ما عمق هوة الخلاف بين القوات المسلحة والمعارضة التي تكيل التهم لقوات الجيش وتعارض مشاركتها في الحكم متهمة الرئيس "بعسكرة" الحكم. وقد قدم الرئيس للجيش كثيرا من الامتيازات والحقوق التي لم ينعم بها سابقا، رغم أنه كان دوما عماد الحكومات السابقة.

إحراج الولايات المتحدة


لا يمكن لأميركا أن تؤيد انقلابا ضد شافيز حتى لا يتأثر حظها من النفط الفنزويلي
تبالغ المعارضة في إمكانية تأييد الولايات المتحدة لتغيير عنيف للحكم في فنزويلا، وتبالغ أيضا في تضخيم حجم معارضة أميركا حاليا لبعض سياسات الرئيس أو تباين مواقف فنزويلا مع بعض سياسات الولايات المتحدة. إن واشنطن مجبرة على الاعتراف بأن الحكومة الفنزويلية تنتهج سياسة حريات عامة كاملة وواسعة وبأن كراكاس تتبع سياسة واضحة لمحاربة المخدرات وبأنها لا تواجه الولايات المتحدة بسياسة معادية بقدر ما تتبع سياسة وطنية وسياسة حكيمة جنبت فنزويلا ويلات الحرب الأهلية. أكثر من ذلك فإن واشنطن لا يمكن أن تؤيد انقلابا في فنزويلا (وإن تكن ربما تبغيه ضمنا) لعدة أسباب:

  • لا يمكن أن تسمح بتهديد الأمن في بلد تحتاج لنفطه القريب منها، خاصة أن نفط المناطق الأخرى كالشرق الأوسط ووسط آسيا مهدد دوما بالقلاقل ومحكوم بالحضارة التي يراها بعض الغربيين عدوا لحضارتهم.
  • لا يعقل أن توافق واشنطن على خلق مشكلة جديدة إلى جانب مشكلة الثوار في كولومبيا وإمكانية إقامة تحالف بين فئات فنزويلية متضررة من السياسة الأميركية وثوار كولومبيا وتأثير ذلك على بقية دول الجوار.
  • انهيار النظام في الأرجنتين جاء مساعدا لحكومة فنزويلا، لأن كل نظام بينهما يشكل نقيض النظام الآخر خاصة وأن حكومة "بوينس أيرس" كانت أقرب الحكومات في القارة للسياسة الأميركية وهي التي نفذت توصيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهذا ما تعارضه حكومة فنزويلا.
  • التقارب الواسع بين فنزويلا وروسيا والصين والهند وأوروبا ودول الأوبك وتأثيرها على بعض دول أميركا الجنوبية والوسطى ودول الكاريبي يقلق الولايات المتحدة ويعطل رؤاها الواضحة بمعارضة فنزويلا أو بمغازلتها، ويصعب عليها اتخاذ موقف نهائي بالمعاداة، وهذا ما لم تستطع المعارضة الفنزويلية استيعابه وهضمه والتعامل معه.

تحسن الاقتصاد الفنزويلي


تطور مؤشر النمو في عهد الرئيس شافيز بشكل إيجابي، كما تضاعف احتياطي فنزويلا من العملة الصعبة، وتضاعف كذلك سعر برميل النفط، وتطور مسار سعر العملة الوطنية
رغم كل جهود وسائل الإعلام الفنزويلي بطمس الحقيقة فإن الأرقام المتعلقة بالاقتصاد الفنزويلي تتحدث بنفسها:

  • عندما تسلم الرئيس شافيز الحكم عام 1999 كان العجز في الدخل القومي PIB وصل إلى نسبة (-6%) بينما وصل النمو عام 2000 إلى (+3.2%) ورغم هبوط أسعار النفط وأحداث 11 سبتمبر/ أيلول فقد انتهى النمو عام 2001 بزيادة قدرها (+2.7%).
  • من جهة أخرى فإن احتياطي فنزويلا من العملة الصعبة كان عام 1998 أقل من خمسة آلاف مليون دولار فأصبح عام 2001, 19 ألف مليون دولار تقريبا.
  • كان التضخم في السنوات السابقة قد وصل إلى نسبة 103% وإلى 34% عام 1998، وقد هبط إلى 12.3% عام 2001.
  • وبعدما كان معدل سعر برميل النفط عشرة دولار عام 1998، وصل المعدل رغم كل الظروف إلى 20.34 دولارا عام 2001.
  • حتى سعر العملة الفنزويلية الذي انتقل من 4.3 بوليفرات للدولار الواحد إلى 607 بوليفر للدولار الواحد على مدى 18 عاما، أصبح في نهاية عام 2001 تقريبا 760 بوليفر للدولار أي بزيادة تقل عن (10%) للسنوات الثلاث الماضية.
  • زاد معدل الاستهلاك عام 2001 بما يناهز (10%) للسنوات الثلاث الماضية.
  • بيعت عام (2001) 216 ألف سيارة تقريبا وهو رقم قياسي في تاريخ فنزويلا.
  • شيدت 530 مدرسة جديدة تقريبا واستقبلت المدارس الحكومية مليون و300 طالب جديد، وزادت ميزانية التعليم من 2.8% إلى 7% من الدخل القومي وهي من النسب العالية جدا في العالم.

كل هذه الأرقام وغيرها تنم عن مدى حقيقة السياسة الجديدة للحكومة التي رغم ذلك لم تستطع أن تثني المعارضة الجديدة عن مواقفها المتزمتة، لأن حساباتها تتعلق بمصالحها الخاصة الضيقة وامتيازاتها المتضررة وليس بحال من الأحوال بفنزويلا ومستقبلها.

ميزان القوى بين شافيز ومعارضيه

شد الحبال بين الحكومة والمعارضة وصل إلى أقصى مستوى يوم 23 يناير/ كانون الثاني 2002، في ذكرى الإطاحة بالدكتاتور ماركوس بيريز هيمينز عام 1958، حيث أقامت كل فئة مهرجانا ومسيرة لإظهار سيطرتها على الشارع. لقد ادعت كل فئة النجاح أمام الآخرين، وظهر جليا مدى انحياز وسائل الإعلام إلى المعارضة عند تغطيتها الحدثين.

ولكن بصرف النظر عن الموضوع يمكن قراءة ما حدث يوم 23 يناير/ كانون الثاني كما يلي:

  • إن مسيرات عشرات الآلاف من المواطنين في صفوف المعارضة والحكومة في شوارع العاصمة المتاخمة لبعضها دون وقوع أي حادث مؤلم يذكر أسقط كل الشعارات التي رفعتها المعارضة بعدم وجود حريات في فنزويلا وأظهرت أن فنزويلا لم تنعم قط بحريات أوسع من الحريات التي يتمتع بها المواطنون حاليا، خاصة في ما يتعلق بحرية الصحافة والرأي وغيرها.
  • بينما أظهرت قوى الحكومة وحدة متراصة حول زعيمها الرئيس شافيز، أظهرت المعارضة رغم مسيرتها الواحدة تشرذما حيث قام أكثر من 15 فريقا بالمسيرة على رأس كل فريق زعيم معارض، إما من المعارضة القديمة وإما من المعارضة الجديدة. وفي حين ألقى الرئيس خطابا جامعا على مؤيديه لم تستطع المعارضة إقامة مهرجان خطابي تجنبا للخلافات بينها.
  • بالغت وسائل الإعلام والمعارضة بشكل عام من حجم وعدد المشاركين فيها ولكن الحق يقال بأن الحجم الحقيقي للمسيرة الذي تقول عنه المعارضة يبقى أقل بقليل من عدد الأصوات الذي حصلت عليه في الانتخابات السابقة.
  • استطاعت المعارضة أن توحد جهودها بمسيرة واحدة، ولكن هذه الوحدة تبرز ضعفا أكثر مما تبرز قوة إذا وجدنا السياسيين المنبوذين التقليديين إلى جانب من طرحوا أنفسهم قيادات جديدة لا صلة لها بالفساد السابق وأخطاء الحكومات السالفة فإذا بها جنبا إلى جنب مع كل الرموز السابقة وسياسيي الماضي.
  • لقد استطاع الرئيس شافيز أن يعيد الاعتبار لاهتمام الناس بشؤونهم وبالقضايا العامة بعد أن أصبحت غالبية الناس غير مكترثة بما يدور بالمحافل السياسية.

إن الشعارات التي ترفعها المعارضة لا تقنع غير أعداء الرئيس شافيز لأنها تفتقر إلى الأصالة, فمثلا تتباكى على المعارضة والحريات، والناس تعرف كذب هذه الادعاءات كما أنها ترفع شعار البطالة والفقر وغيرها، والناس تعرف أن الرئيس الحالي قد جاء إلى الحكم بسبب الواقع الذي أوجدته الحكومات السابقة وهو الآن يحارَب بالضبط لأنه يتبع سياسة تتجاوب مع تطلعات المحرومين والفقراء وضحايا السياسات السابقة.

إن المعارضة تخطئ في طرح شعار تنحي الرئيس عن الحكم وتضغط في هذا المضمار، لأن الضغوط (مسيرات، مظاهرات، إضرابات) قد تؤدي إلى سقوط رئيس متردد وخائف ولكنها لا تستطيع إسقاط رئيس يتمتع بتأييد قطاعات واسعة من الشعب والجيش ولديه أخلاقية وإيمان راسخ ومبادئ واضحة والاستقلالية في القرار كالتي يتمتع بها الرئيس شافيز صاحب الشخصية القوية والإرادة الحديدية والوطنية الراسخة التي جعلته في مدة قصيرة يحقق أحلام قطاعات واسعة من أبناء الشعب.

إن علاقة المعارضة مع دوائر أجنبية في الولايات المتحدة كمنظمة العمل الدولية ومنظمة حقوق الإنسان وجمعية أصحاب الصحف الأميركية وغيرها يوحي لهذه المعارضة بأنها تستطيع الإطاحة بالرئيس وكأن فنزويلا وشعبها وقواتها المسلحة لا حساب لها.

إن الوضع الحالي في فنزويلا معقد والرئيس شافيز قد انتصر طيلة السنوات الثلاث الماضية على جميع فئات المعارضة القديمة والجديدة، لكن الشيء الجديد أن هذه المعارضة قد وحدت جهودها من جهة ومن جهة أخرى أخذت تطالب برحيل الرئيس، وهذا ما ينبئ بأننا أمام أحداث مهمة وقد تكون خطيرة لأن قوى المعارضة بيأسها قد تتخطى الخطوط الحمراء وتلجأ إلى العنف عندئذ تكون الكارثة، لأن الرئيس ومعه الشعب والجيش لن يرحل ولن يستقيل ولن يسقط.
_______________
* أستاذ جامعي ومحام ومستشار للرئيس الفنزويلي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة