أسباب الأزمة في إندونيسيا وتداعياتها   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:04 (مكة المكرمة)، 16:04 (غرينتش)

بقلم عثمان البتيري*

عثمان البتيري
أصبح المشهد الإندونيسي ضيفا شبه دائم على المسرح السياسي الإقليمي والعالمي بتداعياته المتسارعة وأزماته المتلاحقة، حتى غدا العديد من المراقبين المتعاطفين مع أكبر بلد إسلامي يحبسون أنفاسهم خوفا من تفتته إلى دويلات متناحرة أو بقائه متماسكا لكن بصورة هي أقرب إلى بيت العنكبوت.

ويثير الوضع البائس الذي تحياه إندونيسيا منذ الأزمة المالية الآسيوية عام 1997 وما تبعها من سقوط النظام الحاكم آنذاك، تساؤلات كثيرة عن ماهية الأسباب التي حرمت هذا البلد الغني بالثروات الطبيعية والبشرية من تجاوز أزماته في حين عبر جيرانه النفق المظلم الذي أدخلتهم فيه هذه الأزمة وبدؤوا يتعافون سياسيا واقتصاديا.

أسباب موضوعية للأزمة
لعل من أهم الأسباب في تفاقم الأزمة الإندونيسية وتدهورها يوما بعد يوم هو انهيار النظام السياسي الحاكم في الوقت نفسه الذي هزت فيه الأزمة المالية اقتصاد البلاد الآسيوية بما فيها إندونيسيا, وهذا أمر انفردت به إندونيسيا عن بقية جيرانها.


لعل من أبرز عوامل اتساع الأزمة العرقية والدينية في إندونيسيا هي:
1- انهيار نظام سوهارتو
2- تراجع نفوذ الجيش
لقد وجدت إندونيسيا نفسها أمام أزمة مالية خانقة في وقت انزلقت فيه إلى مرحلة انتقالية من نظام دكتاتوري صارم بقيادة الرئيس الأسبق سوهارتو إلى ملامح نظام ديمقراطي وليد تتنازعه اختلافات الأحزاب السياسية ومطالب شعبية عارمة بإقصاء الشخصيات الحكومية القديمة، وهي مطالب قد تكون لها وجاهتها نظرا لما ارتكبه ذلك النظام من أخطاء بحق الشعب لكنها بلا شك حرمت البلاد من خبرات سياسية واقتصادية قد تكون البلاد في حاجة ملحة إليها خصوصا مع إطباق الأزمة المالية على الاقتصاد الوطني بشكل خطير.

سبب آخر مهم هو غياب القوة العسكرية الحازمة والتي حكمت لمدة 32 عاما واستطاعت لمّ شتات البلاد المترامية الأطراف وقمع كل محاولة انفصال للعرقيات أو الطوائف التي تتشكل منها الصورة الفسيفسائية لإندونيسيا.

فلقد تعامل الشعب الإندونيسي مع الجيش على أنه أداة القمع في يد الدكتاتور سوهارتو والتي ذاق بسببها الناس مختلف صنوف العذاب والحرمان السياسي والقتل والتصفية الجسدية, ولذا كان من أهم المطالب الشعبية التي صاحبت الفترة الانتقالية تحجيم القوة العسكرية وإقصاؤها عن الحياة السياسية.

هذا الأمر أدى إلى إلقاء الأعباء الأمنية كاملة على كاهل قوات الشرطة والتي كانت أضعف وأعجز من السيطرة على الأوضاع الأمنية في الأقاليم خصوصا مع تفجر الأزمات الانفصالية والنزاعات العرقية والطائفية.

ولعل الخلافات بين قيادتي الجيش والشرطة كانت أوضح ما تكون أثناء النزاع العرقي في جزيرة كالمنتان حيث رفض الجيش التدخل ما لم تطلب قيادة الشرطة منه ذلك، غير أن الشرطة رفضت طلب مساعدة الجيش لأن ذلك يثبت فشلها.. هذه الخلافات أدت إلى استمرار عمليات التطهير العرقي التي أودت بمئات الأرواح دون أن يوقفها أحد.

عامل آخر لعب دورا أيضا في إقصاء الجيش وتحجيم دوره، وهو المطالب الدولية سواء من قبل المجتمع الدولي أو المنظمات المالية العالمية, فلكي تحصل إندونيسيا على قروض مالية كان لابد من الانصياع للشروط بإقامة حياة ديمقراطية خالية من العسكر وكذلك ملاحقة المتورطين من جنرالات العهد السابق بقضايا انتهاك حقوق الإنسان، وهذان الشرطان تركا ردة فعل سلبية لدى الجيش فأحجم عن دعم الحكومة المنتخبة بشكل فاعل يسهل تحركها في الأقاليم المضطربة وتطبيق برامجها الإصلاحية فيها.


عجز حكومة واحد على محاربة الفساد المالي والإداري في مؤسسات الحكم كان له دورا في تفاقم الأزمة في إندونيسيا
السبب الاقتصادي كان له دور كبير أيضا في استمرار تفاقم الأزمة في إندونيسيا لا سيما أن الفساد المالي والإداري والمحسوبية والرشوة قد أصبحت جزءا من حياة بيروقراطية تنخر في جسد البلاد.

فقد أعلنت حكومة الرئيس عبد الرحمن واحد عزمها على محاربة الفساد وملاحقة أصحابه مهما علت مراتبهم ومناصبهم، لكن كل ذلك تحطم على صخرة الفساد المتجذر حتى الأعماق. وبدلا من محاربة الفساد وجدت الحكومة نفسها تغرق فيه، ولم ينج منه حتى الرئيس واحد نفسه.

هذا الأمر أفقد الحكومة  مصداقيتها أمام الشعب الذي يتهمها بالسقوط في أخطاء العهد السابق بدلا من إصلاحها. كما أن ذلك أدى إلى حرمان إندونيسيا من القروض الخارجية والاستثمارات الأجنبية التي يمكن أن تسهم في إنعاش الاقتصاد المتدهور وتوفير الميزانيات اللازمة لبرامج الحكومة الإصلاحية.

ويضاف إلى تلك الأسباب أيضا صراع الأحزاب السياسية فيما بينها وتنافر أجنداتها السياسية بصورة كبيرة مما أدى إلى إغراق البلاد في خلافات امتدت من القمة إلى القاعدة الشعبية، ولعل الصراع السياسي الحاصل الآن بين الرئيس واحد ومناصريه وأحزاب المعارضة ومؤيديها يعد دليلا على مدى تأثير الخلافات السياسية على الأوضاع الأمنية والاقتصادية للبلاد.

الأزمة الرئاسية وتأثيرها على الواقع
في مثل هذه الأجواء الصعبة بدأت حكومة الرئيس عبد الرحمن واحد تتلمس طريقها -تدفعها الآمال التي علقها الشعب عليها باعتبارها أول حكومة منتخبة في تاريخ إندونيسيا- لتحقيق ما قطعه الرئيس واحد على نفسه من وعود. غير أن شهر العسل بين الرئيس وحكومته والأحزاب البرلمانية لم يدم طويلا حيث بدأت الخلافات بين الطرفين تتفاقم، سيما مع شعور الأحزاب الوسطية أو الإسلامية بأن واحد وجه لها طعنة عندما أدار ظهره لها ولم يعد يشركها في الرأي حول إدارة البلاد.

ولعل أكثر المشاكل التي واجهها واحد تكمن في طبيعته التفردية والاعتداد برأيه كما يصفه المحلل الاستراتيجي سالم سعيد الذي يقول إن الرئيس واحد ناجح في كسب عداء الجميع وتحويل كل من حوله إلى معارض له وذلك لعدم قبوله بمشورة من حوله وإطلاقه تصريحات استفزازية ضد الجيش أو الأحزاب الأخرى.

الرئيس واحد ومنذ البداية فتح عدة جبهات سببت له الكثير من المتاعب حيث أقال وزراء عدة من حكومته كان أهمهم الجنرال ويرانتو الذي كان يشغل آنذاك الوزير المنسق للشؤون الأمنية والسياسية مما استعدى الأحزاب عليه، إضافة إلى إثارة غضب الكثير من قيادات الجيش الذين يتمتع الجنرال ويرانتو بينهم بشعبية ونفوذ كبيرين.


واجه الرئيس واحد ولا يزال أزمة ولاء بين أفراد حكومته المكونة من أطياف سياسية ووزراء هم أكثر ولاء لأحزابهم من ولائهم للرئيس نفسه
الرئيس واحد واجه أيضا حكومة مكونة من جميع الأطياف السياسية ووزراء هم أكثر ولاء لأحزابهم من ولائهم للرئيس نفسه، وهو ما كان يشتكي منه الرئيس واحد في حكومته الأولى ويعتبره السبب في الأداء السيئ للوزارة. أما على الصعيد الاقتصادي فقد وجد الرئيس واحد خزينة شبه خاوية وديونا متراكمة تصل إلى 140 مليار دولار استحق الكثير منها السداد هذا العام.

وطيلة فترة حكمه التي قاربت عاما ونصف العام واجه الرئيس واحد أزمات انفصالية في إقليم آتشه وإيريان جايا، وأعمال عنف عرقية وطائفية في الجزر المختلفة في البلاد، وتدهورا أمنيا في العاصمة نفسها لاسيما حوادث التفجيرات التي استهدفت مؤسسات حكومية وسفارات أجنبية. وكان من الواضح أن أطرافا تعمل في الخفاء من أجل إغراق الرئيس وحكومته في أزمات متلاحقة حتى بدا أنه لم يعد قادرا على متابعة ما يجري حوله، وأصبحت الأزمة الجديدة تلهي الحكومة عن معالجة سابقاتها.

وفي خضم هذا الواقع المأساوي ظهرت على السطح ملامح الفضائح المالية تحوم حول الرئيس واحد، وهو ما سارعت الأحزاب المعارضة إلى تلقفه واستخدامه للإطاحة به.

 وبعد تحقيقات شاقة أجرتها لجنة برلمانية خاصة وجه البرلمان اتهامات للرئيس واحد بالتورط في الاستيلاء على أموال حكومية تبلغ أربعة ملايين دولار بواسطة المدلك الخاص به، إضافة إلى اتهامه بعدم توضيح مصير مليوني دولار تبرع بهما سلطان بروناي لإعادة إعمار إقليم آتشه.

وجاء التصويت على تصدير رسالة تحذير إلى الرئيس واحد حيث صوت 394 نائبا من بين 500 على ذلك وكان موقف حزب نائبة الرئيس ميغاواتي مفاجئا للرئيس الذي كان يؤكد حتى قبل يوم واحد من تصويت البرلمان أن ميغاواتي وحزبها إلى جانبه، ولكن الحزب الأول برلمانيا صوت ضد الرئيس واحد مما أعطى بقية الأحزاب دفعة قوية لتضييق الخناق عليه.

وعلى الرغم من أن الإجراءات الدستورية تعطي الرئيس واحد ثلاثة أشهر عقب استلامه الرسالة التحذيرية الأولى من أجل توضيح موقفه للبرلمان، فإن تحركات الأحزاب البرلمانية أكدت عزمها على إصدار رسالة تحذيرية ثانية دون الأخذ بعين الاعتبار ما سيرد في رد الرئيس واحد على التهم الموجهة إليه.

الأحزاب البرلمانية تعتبر أن الرسالة التحذيرية الأولى تلزم الرئيس واحد بتحسين أدائه الرئاسي إلى جانب توضيح موقفه من التهم الموجهة إليه، وتؤكد هذه الأحزاب أن أداء الرئيس واحد لم يتحسن بل إن تراجعا طرأ على الأداء سيما في أحداث التطهير العرقي في كالمنتان الوسطى وغياب الرئيس واحد عن البلاد في ظل تلك الظروف.


لا تزال احتمالات عقد جلسة استثنائية لمجلس الشعب الاستشاري للنظر في مسألة عزل الرئيس واردة، وذلك في حالة منح الرئيس رسالة تحذيرية ثانية
ووفقا للإجراءات الدستورية فإن منح الرئيس واحد رسالة ثانية يعني أن احتمالات الدعوة إلى عقد جلسة استثنائية لمجلس الشعب الاستشاري أعلى هيئة تشريعية في البلاد من أجل عزل الرئيس واحد أصبحت قريبة.

ويقف الرئيس واحد في هذه الأزمة وحيدا إلا من أنصاره في حركة نهضة العلماء التي تضم 35 مليون عضو والذين يؤكدون استعدادهم للنزول إلى الشوارع ومواجهة ما يسمونه مؤامرة لعزل زعيمهم.

وعلى صعيد الأحزاب البرلمانية لا يجد الرئيس واحد إلا حزب النهضة القومي الذي أسسه هو وتزعمه حتى توليه الرئاسة للتصويت لصالحه في البرلمان، لكن ذلك لا يعني شيئا لكون الحزب يملك 51 مقعدا فقط.

وحتى الجيش الإندونيسي وإن كان يؤيد الرئيس إعلاميا فإن قادته يؤكدون أنه لا بد للدستور أن يكون هو الفيصل في عملية عزل الرئيس واحد, وقادة الجيش الذين لا يكنون أي ود للرئيس واحد يعلمون أنه وفقا للدستور فإن خروج الرئيس واحد قد يكون مؤكدا. ويشعر قادة الجيش أن عزل الرئيس واحد سيفتح المجال لميغاواتي ذات العلاقة الطيبة بهم وهو أمر يخدم الجيش والعودة على الأقل خلفها إلى دوره في قيادة البلاد.

وقد تنقلب  تهديدات أنصار الرئيس واحد بالنزول إلى الشوارع والزحف نحو العاصمة جاكرتا ضد الرئيس، وبخاصة إذا حصلت صدامات مع معارضيه وأصبحت الأمور الأمنية تهدد بالانفلات، لأن ذلك سيعني تدخل الجيش وبالتالي الدعوة إلى جلسة استثنائية لمجلس الشعب الاستشاري من أجل مناقشة الأوضاع المتدهورة في البلاد كما صرح بذلك بعض قيادات الجيش التي ستكون المحطة النهائية في المعركة السياسية بالنسبة للرئيس واحد.
_____________
* مراسل قناة الجزيرة في إندونيسيا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة