العمل العربى المشترك وتحديات ما بعد 11 ‏سبتمبر‏‏   
الجمعة 1427/8/15 هـ - الموافق 8/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:07 (مكة المكرمة)، 11:07 (غرينتش)

 
شكل الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 تاريخا فاصلا في السياسة العربية كما هو الحال في السياسة الدولية، بيد أنه فرض على النظام العربي والعمل العربي المشترك صعوبات وتحديات مضاعفة، خاصة أن النظرة الأميركية لعالم ما بعد سبتمبر/ أيلول انطلقت من مقولة المسؤولية العربية والإسلامية وراء الهجمات، عبر توفير بيئة سياسية واجتماعية وثقافية أفرزت ظاهرة الإرهاب والإرهابيين على حد سواء. وهى النظرة التي تطورت لاحقا وشكلت أساس المطالب الأميركية بإصلاح المجتمعات العربية والانفتاح الثقافي والسياسي، والتي عرفت بالشرق الأوسط الكبير ثم الموسع.
 
 
 
"
لم تؤسس الدول العربية سياسة جماعية ضد ظاهرة الإرهاب تنطلق من تعريف عربي لهذه الظاهرة، يفصلها عن  المقاومة المشروعة للاحتلال

"
هذه البيئة الدولية المحملة بالضغوط الإعلامية والسياسية على كل ما هو عربي وإسلامي أضافت بدورها عوائق جديدة أمام العمل العربي المشترك المستند إلى آليات الجامعة العربية. فرغم أن قانون الفعل ورد الفعل كان يتطلب سلوكا عربيا جماعيا لمناهضة هذه الحملات القادمة من عالم ما بعد سبتمبر/ أيلول، انطلاقا من حقيقة أن العرب مستهدفون كجماعة ثقافية لها هوية خاصة وكنظام إقليمي يعبر عن تفاعلات جماعية بينية ومع الغير، إلا أن التباين العربي في تقييم حدث 11 سبتمبر/ أيلول، ومدى التورط أو المسؤولية غير المباشرة لهذا الطرف أو ذاك سياسيا ومعنويا في حدث 11 سبتمبر/ أيلول نفسه، وكذلك مسافة الاقتراب من أو الابتعاد عن واشنطن، والانشغال الفردي في تأكيد التعاون ضد الإرهاب ورد واستيعاب الضغوط الأميركية، أدت في النهاية إلى تعدد المواقف العربية وليس تكتلها، وبالتالي زاد الضغط العكسي على السلوك الجماعي العربي.
 
وهنا يمكن إبداء ملاحظتين مهمتين:
 
1- أن العمل العربي المشترك المعروف بخضوعه لأهواء السياسات المحلية العربية وبالرصيد الإيجابي المحدود جدا عبر تاريخه الممتد لأكثر من نصف قرن قد تفاعل مع أولويات النظام الدولي الجديد انطلاقا من رؤية تعنى بالخلاص الفردي وليس الجماعي. وهو ما تجسده جملة المواقف العربية التي تفاعلت مع سبتمبر من جهة ومع مطالب الولايات المتحدة بالإصلاح السياسي والاجتماعي من جهة أخرى.
 
والصحيح مبدئيا أن كل الدول العربية وكذلك الجامعة العربية قد أدانت هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، وأعلنت التزامها بالقرارات الدولية التي صدرت نهاية 2001 بخصوص ما بات يعرف بالحرب على الإرهاب الدولي.
 
لكن الصحيح أيضا أنها لم تؤسس على هذا الموقف سياسة جماعية ضد ظاهرة الإرهاب تنطلق من تعريف عربي لهذه الظاهرة، يفصلها عن الظواهر الأخرى التي تتداخل معها في بعض جوانبها، لاسيما المقاومة المشروعة للاحتلال، والأهم أن تقنع به العالم الخارجي.
2- إن تحديات ما بعد سبتمبر/ أيلول 2001 شكلت من الناحية الموضوعية مدخلات جديدة بالنسبة لقضية الأمن القومي العربي، لا سيما البعد المعنوي المتعلق بتشويه الهوية الحضارية والدينية. ونظرا لأن مفهوم الأمن القومي العربي نفسه كان قد تعرض لنوع من التآكل التدريجي خلال العقدين السابقين، فلم يعر كثير من العرب الاهتمام المناسب للتحديات المتعلقة بتشويه الهوية باعتبارها موضوعا جوهريا يقع في قلب مفهوم الأمن.
 
ولم يدرك كثيرون أن تركيب وإشاعة صورة نمطية سلبية في الوعي "العالمي" لفئة معينة من البشر وربط ذلك بخصائصها الدينية والسلوكية لا يمثل انتهاكا إنسانيا وأخلاقيا وحسب، بل أيضا تبريرا مسبقا لعدوان مباشر قد يحدث لاحقا، لاسيما في ضوء إستراتيجية الحرب الاستتباقية التي تبنتها إدارة الرئيس بوش لرد ما تعتبره مصدرا محتملا للإرهاب وتهديدا محتملا للأمن القومي الأميركي نفسه.

هاتان الملاحظتان تجسدان جوهر محنة العمل العربي المشترك، فرغم وضوح التحديات وجلاء المخاطر الحالة والمستقبلية، فإن أولوية الخلاص الفردي أعطيت لها الأولوية والسبق على أي تحرك جماعي.

مخاطر عالم ما بعد سبتمبر
تمثل الوجه الأخطر لعالم ما بعد سبتمبر في عدد من التطورات بالغة التهديد للمصالح العربية، من أبرزها:

  • إعادة توصيف القضية الفلسطينية أميركيا وإسرائيليا واعتبار كفاح أبنائها المشروع إرهابا ممجوجا يستدعى المواجهة القاسية تماما كما فعلت واشنطن في أفغانستان وضد تنظيم القاعدة ومن ثم أطلقت اليد الإسرائيلية الباطشة عسكريا وإعلاميا في حصار كل مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية ورئيسها عرفات، وتم التلاعب الأميركي الإسرائيلي بعملية التسوية السياسية وإعلاء المطالب الأمنية الإسرائيلية عما عداها، وبدا شعار "لا يوجد شريك فلسطيني" مجسدا لطبيعة المرحلة الأحادية أميركيا وإسرائيليا تجاه القضية الفلسطينية.
  • وضع الولايات المتحدة الأزمة بين العراق والأمم المتحدة قسرا في إطار الحرب على الإرهاب الدولي وفقا للمنظور الأميركي، وذلك في خطوة تمهيدية لغزو العراق عسكريا كما حدث بالفعل في مارس/ آذار 2003.
  • التشويه المنهجي المنظم للإسلام والمسلمين والمجتمعات العربية وتصويرها كمصدر للتخلف والديكتاتورية والتطرف الديني والإرهاب، ما جعل العرب جميعا في موقف دفاعي لم يستعدوا له جيدا.
  • الأولوية الأميركية للمعالجات العسكرية للأزمات الدولية، وتجاهل الأمم المتحدة أو التعامل معها كآلية لتمرير وشرعنة السياسات الأميركية الأحادية.

تحديات النظام العربي المشترك

مثلت كل هذه التطورات تحديات خطيرة ومهمة للنظام العربي، بل يمكن القول إن النظام العربي نفسه كان مستهدفا استهدافا وجوديا، وليس فقط استهدافا وظيفيا. والفارق بين الاستهدافين هو الفارق بين الفناء الكامل ومجرد الوجود بلا فاعلية أو تأثير. ولذلك مثل الحفاظ على وجود الجامعة العربية عضويا، ولو في ظل الحد الأدنى من الأداء، هدفا إستراتيجيا في حد ذاته، ومن ثم لم يكن مطروحا في اللحظات التالية مباشرة لعالم ما بعد سبتمبر/ أيلول تطوير أداء الجامعة أو تفعيل العمل العربي المشترك، بل فقط مجرد الاستمرار المؤسسي.

ورغم ما في ذلك من انكفاء على الذات وانكماش في العمل المشترك، فقد كان يمثل البديل الوحيد الممكن حتى تمر العاصفة، لاسيما أن الخلاص القطري الفردي لأعضاء الجامعة كان هو السلوك الغالب، ولا يمثل بالتالي أساسا لعمل جماعي فاعل.

"
المفارقة الكبرى أن العرب يدركون نظريا جوانب الافتعال التي برعت فيها إدارة الرئيس بوش، ولكنهم في الآن نفسه يشعرون بعدم القدرة على الفعل المناسب
"

العامل العراقي
هذه النتيجة العامة للعمل العربي المشترك في ظل بيئة ما بعد سبتمبر/ أيلول ليست بعيدة عن التطور السلبي الذي لحق بالعراق، حيث كان العرب منقسمين بشأن توصيف الأزمة العراقية مع الأمم المتحدة. وكان الفارق الأكبر أن العرب يدركون نظريا جوانب الافتعال التي برعت فيها إدارة الرئيس بوش، ولكنهم في الآن نفسه يشعرون بعدم القدرة على الفعل المناسب. وفى ذلك الوقت، أصبح من المتعذر أن يصل العمل العربي المشترك إلى تصور واضح يقبله الجميع دون تحفظات أو مناورات خفية لدرء خطر الغزو عن بلد عربي كبير والذي صار ماثلا للعين حتى قبل حدوثه بحوالي عام كامل.

هنا يمكن تفسير هذا التراجع المتواصل في العمل العربي بأسباب عدة منها ما هو هيكلي وبنيوي، ومنها ما هو عارض:

  • في إطار الأول يبرز مبدأ عدم التدخل في الشؤون العربية الداخلية لبلد آخر، وهو المبدأ الذي تمسكت به دول عربية عدة -عدا استثناءات محدودة كسوريا والأردن- لتبرير عدم اتخاذها خطوات سياسية جريئة لدعم الشعب العراقي في مواجهة النظام الصدامي مثلا، على اعتبار أن الشأن العراقي الداخلي ليس محلا للشد والجذب العربي. وذلك رغم إدراك كل العرب تقريبا أن دولا إقليمية وقوى دولية تتبنى كل فصائل المعارضة العراقية في الخارج وتعدها لمرحلة ما بعد الغزو العسكري.
  • ومنها أن الجامعة العربية لم يكن في مقدورها تقديم تصور واضح ومحدد لمساعدة العراق على الخروج من أزماته، وذلك نتيجة عدم اتفاق العرب على توصيف طبيعة الأزمة العراقية، اللهم إنها أزمة عربية دولية ليس للعرب أي دور مبادر فيها، كما لم يكن لديها القدرة على إقناع الولايات المتحدة بخطأ سياستها الرامية إلى غزو العراق عسكريا دون شرعية دولية.
  • أما الأسباب العارضة، أي التي لا صلة لها مباشرة بأصول العمل العربي نفسه فتتجسد في هيمنة المحافظين الجدد على إدارة الرئيس بوش، وهم يحملون معهم مشروعا إمبراطوريا يعنى بأن تكون أميركا فوق الجميع، وهو المشروع الذي كان يبحث عن ذريعة للتحول من مجرد فكرة نظرية إلى أسلوب عمل دولي، وحين جاءت هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، توفرت الذريعة، وبقيت نماذج للتطبيق، فكانت أفغانستان أولا، ثم العراق ثانيا.

الجامعة العربية في المحك

"
سبب ضعف العمل العربي المشترك إلى  تدخل قوى إقليمية في المعادلات العربية الداخلية كإيران ثم تركيا في شؤون المشرق العربي، وإثيوبيا وإريتريا في شؤون دول عربية بالقرن الأفريقي
"

عندما تفاعلت هذه العناصر معا كان على الجامعة العربية أن تواجه واحدة من اكبر أزماتها الوجودية، الأمر الذي وصل إلى ذروته بعد نجاح الغزو سريعا في التخلص من نظام صدام حسين في وقت وجيز، وحينها أطلقت التساؤلات عن جدوى وجود الجامعة وهى التي لم تستطع أن تحمى أمن أحد أعضائها. ولعل أحد الجوانب المثيرة في هكذا تساؤل أن الذين أثاروا هذا الأمر تصوروا أن هناك انفصالا بين انقسامات البلدان العربية وتعدد مواقفها، وبين قدرة الجامعة العربية على الفعل والمبادرة لحماية أحد أعضائها. لكن التساؤل نفسه أوضح محاولة تهرب الأطراف العربية من مسؤولية عدم منع غزو العراق. وأوضح أيضا أن أحد عوامل ضعف العمل العربي المشترك تكمن في ازدواجية مواقف العديد من البلدان العربية، فهي من جانب تريد أن تتصرف مستقلة بعيدا عن التزامات العمل الجماعي، ومن جانب آخر تريد أن تحمل الجامعة العربية مسؤولية الإخفاقات العربية الجماعية، وبذلك يحدث ما يمكن وصفه بالتطهر الفردي من المسؤولية التاريخية للإخفاق الجماعي تجاه قضية تدخل في صلب الأمن العربي الجماعي غير المتفق على طبيعته أو حدوده.

منافسة من أجل الإصلاح المؤسسي
بعد مرور عاصفة غزو العراق، أعيد طرح قضية تفعيل العربي المشترك نفسها مرة أخرى من زاوية مدى الحاجة إلى وجود جامعة عربية تستطيع أن تقود العمل العربي المشترك وتحمى أعضاءها وتحول دون غزوهم.

كان طرح هذه القضية مهما من زاويتين، أنه أعاد السؤال القديم الجديد ولكن في ظل بيئة دولية وإقليمية جديدة مفعمة بالمخاطر، وثانيا أن النتيجة الإجمالية، ورغم الانتقادات المريرة التي وجهت للجامعة العربية انتهت إلى أن العرب بحاجة إلى الجامعة وبحاجة إلى إصلاحها، ومن هنا حدث تنافس عربي في تقديم اقتراحات وخطط التطوير والإصلاح المؤسسي.

هذا التنافس من أجل بلورة الأفكار الإصلاحية للجامعة العربية وإن مثل تطورا محمودا في حد ذاته، فقد أعاد في جزء منه إنتاج السياسات العربية السابقة التي تعد مسؤولة عن أزمة فعالية الجامعة. وهو ما بدا واضحا في التمسك بمبدأ السيادة المطلقة وعدم قبول تطوير العمل العربي المشترك وفق أسس التنازل التدريجي عن أجزاء من السيادة القطرية وفى مجالات بعينها ومنحها لسلطة جماعية كما هو الحال في المنظمات الإقليمية التي تتطور ذاتيا نحو الاندماج والتكامل.

استبعاد آليات الاندماج
ولذلك استبعد من كل أفكار الإصلاح المؤسسي ما يتعلق بإنشاء محكمة العدل العربية، وتفعيل التنسيق العسكري ولو تحت مظلة المنتدى العربي الأمني غير الرسمي، كما استبعد أيضا آليات المتابعة لتطبيق القرارات وآليات دمج المجتمع المدني العربي في صلب الأداء المؤسسي للجامعة، واكتفى بعلاقة سطحية رمزية. وفى كل الأحوال انتهت دعاوى إصلاح الجامعة إلى تطوير بعض الجوانب الإجرائية والإدارية لمؤسسة الجامعة، ولم يصل الأمر إلى صلب إعادة بناء العمل العربي المشترك بحيث يطبق آليات التطور لغاية الاندماج والوحدة واكتفى بتفعيل آليات التنسيق، وهو ما يمثله قرار دورية القمم العربية في موعد سنوي محدد.

هذه النتيجة تجعل العمل المشترك في حدوده المتعارف عليها سابقا، ولكن في ظل بيئة سياسية عربية أقل توترا نسبيا، لا سيما مع التوافق العربي العام على الالتزام بإستراتيجية التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي، وعلى حق البلدان العربية في أن تحافظ على مصالحها الخارجية وفقا لما تراه، وأيضا على حقها في أن تدخل في صيغ تنسيقية أو تعاونية عربية في مجالات اقتصادية أو تجارية أو اتصالية وما شابه ذلك. وعلى حقها أيضا في أن تبرمج إصلاحا داخليا وفقا لظروفها الخاصة، وليس وفقا لرؤية محددة سواء جاءت من الخارج أو طرحت عربيا.

الفراغ الإستراتيجي العربي
وبهذا المعنى الذي جسد ضعف العمل العربي المشترك فلسطينيا وعراقيا، تبلور ما يمكن وصفه بالفراغ الإستراتيجي في المنطقة العربية، الأمر الذي وفر فرصا تاريخية لكي تدخل قوى إقليمية إلى صلب المعادلات العربية الداخلية، وفى المقدمة إيران وتاليا تركيا في شؤون المشرق العربي، والحال العراقي يغنى عن التفاصيل، وكذلك إثيوبيا وإريتريا في شؤون دول عربية في القرن الأفريقي، والحال في الصومال وفى السودان يقدمان الدلائل والقرائن يوما بعد آخر.
_______________
رئيس تحرير التقرير الإستراتيجى العربى بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة