تأثير 11 سبتمبر في فلسطين   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:23 (مكة المكرمة)، 16:23 (غرينتش)

الرئيس الفلسطيني في اليوم الثاني لأحداث سبتمبر يتبرع بدمه في مستشفى غزة لضحايا مركز التجارة العالمي

تأثرت فلسطين شعبا وسلطة وقضية بأحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، فبالإضافة إلى المطالبة الأميركية الصريحة بتغيير القيادة الفلسطينية بأخرى تحظى بالموافقة الأميركية والإسرائيلية فإن أخطر ما واجهته القضية هو إعادة تكييف المقاومة المشروعة التي تهدف إلى التخلص من آخر احتلال عسكري في عالم اليوم وتصنيفها ضمن الأعمال الإرهابية الواجب التكاتف من أجل إيقافها والقضاء عليها.

أميركا وإسرائيل
أخذت الولايات المتحدة الأميركية على عاتقها ومنذ قيام دولة إسرائيل عام 1948 حماية هذه الدولة بكل السبل الممكنة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، والحيلولة دون أي تهديد يمس أمنها ووجودها، ولعل تعاملها في مجلس الأمن حيال أي قرار من الممكن أن يسبب حتى ولو إحراجا لإسرائيل يعطينا مؤشرا على هذا، فقد استخدمت الولايات المتحدة حق النقض "الفيتو" 42 مرة على مدى العقود الخمسة الماضية ضد أي قرار يدين الممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.

الترويج لابتهاج مفتعل

أخطر تداعيات أحداث سبتمبر/أيلول على الإطلاق هو إعادة تكييف المقاومة الفلسطينية لتصبح إرهابا يجب استئصال جذوره وليست جهادا وطنيا مشروعا لآخر احتلال عسكري في عالم اليوم
فور وقوع الحدث تم ترويج مشهد صوره صحفي بريطاني مشهور لمجموعة من الفلسطينيين يضحكون ويرقصون على أنه مظهر من مظاهر فرح الشعب الفلسطيني لما حل بالولايات المتحدة الأميركية بسبب تحيزها لإسرائيل في التعامل مع القضية الفلسطينية، وانتشر هذا المشهد الذي لم يستغرق 45 ثانية وأذيع في معظم محطات التلفزة العالمية دون تمحيص أو دليل على أن مناسبة هذا الفرح هي تفجيرات نيويورك وواشنطن، كما لم يتم أي لقاء مع أي من المبتهجين لمعرفة أسباب سعادتهم
، فوجهت تلك البداية الرؤية الأميركية المتأثرة أصلا بثقافة الصورة.

ولم تكف مواقف السلطة الفلسطينية بعد ذلك ولا تبرع رئيسها ياسر عرفات بدمه لضحايا الحادث في كبح جماح الإعلام الموجه ضد الفلسطينيين وقضيتهم بل ازداد الموقف الأميركي تشددا بعد 11 سبتمبر/أيلول كما يتضح من المحطات التالية:

المطالبة بتغيير القيادة الفلسطينية
فرغت أحداث سبتمبر/أيلول الموقف الأميركي من رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات من أي تعاطف بعد القبول النسبي الذي كن قد حظي به إبان عهد الرئيس السابق بيل كلينتون.

وقد تجلى ذلك في 4 أبريل/نيسان 2002 حين صرح الرئيس جورج بوش أن ياسر عرفات مسؤول عما يجري من أعمال عنف وأنه خيب الآمال المعقودة عليه من طرف شعبه، وجاء ذلك التصريح في توقيت صعب بالنسبة لعرفات حيث كان الحصار الذي فرضته السلطات الإسرائيلية لا يزال مستمرا عليه.

ولم يكن موقف الرئيس بوش من عرفات سوى تكرار لموقف رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون الذي صرح في 29 مارس/آذار 2002 أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عدو ينبغي عزله، ومنذ ذلك التاريخ تمت محاصرة مقره في رام الله من طرف الدبابات الإسرائيلية.

الموقف من حركات المقاومة
لم تتردد الولايات المتحدة حين أعلنت الحرب على ما تسميه الإرهاب في توجيه أسهم الاتهام لحركات المقاومة في فلسطين، فبعد شهرين من أحداث سبتمبر/أيلول وفي 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2001 صنفت الولايات المتحدة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وحركة الجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الأقصى والعديد من الجماعات والفصائل الفلسطينية الأخرى على أنها منظمات إرهابية.

الموقف من الدولة

التغييرات التي أدخلها ياسر عرفات على أجهزة السلطة لم تكن كافية من وجهة النظر الأميركية واعتبرتها مجرد تغيير في بعض الوجوه والشخصيات وليس في الهيئات والمؤسسات وفلسفة العمل
أعلنت الإدارة الأميركية عن اهتمامها بإقامة دولة فلسطينية وصرح وزير الخارجية الأميركي كولن باول في 12 يونيو/حزيران 2002 لصحيفة الحياة اللندنية أن الرئيس بوش يقبل إنشاء دولة فلسطينية "مؤقتة" وأنها ستشكل مرحلة انتقالية في انتظار قيام دولة فلسطينية. لكن الرئيس بوش وضح أن تلك الدولة مشروطة بتغير في القيادة بعد أن صرح في خطاب له بالبيت الأبيض يوم 24 يونيو/حزيران 2002 بأن قيام دولة فلسطينية مشروط بوجود قيادة فلسطينية جديدة ومختلفة عن القيادة الراهنة.

تغيير المزاج الدولي
لم يتوقف تأثير أحداث سبتمبر/أيلول على تشدد الولايات المتحدة وحدها تجاه السلطة الفلسطينية، بل غيرت هذه الأحداث المزاج الدولي تجاه السلطة فسار على المنوال نفسه الاتحاد الأوربي
الذي أعلن في 15 يونيو/حزيران 2002 عن حجزه لتمويل مخصص للسلطة الفلسطينية بمبلغ 18.7 مليون يورو حتى يعرف طرق استعماله.

وأعلن مؤتمر الثماني (G8) الذي عقد في كندا في 27 يونيو/حزيران 2002 عن ضرورة إجراء إصلاحات داخل السلطة الفلسطينية.

إبعاد بعض وجوه السلطة عن مناصبهم
ظلت السلطة الفلسطينية حريصة على تبني مبدأ "الدبلوماسية المرنة" والاستجابة لكل ما من شأنه أن يعطي الانطباع بأن الفلسطينيين حريصون على مماشاة المجتمع الدولي. وفي 10 يونيو/حزيران 2002 أعلنت السلطة الفلسطينية عن تشكيل حكومة جديدة كخطوة أولى تدخل في سياق الإصلاح الذي تطالب به أميركا وإسرائيل، وقد أصبح عدد الوزراء 20 بدل 30، كما عين عبد الرزاق اليحيى وزيرا للداخلية بعد أن كان هذا المنصب يتولاه الرئيس عرفات. وفي 2 يوليو/تموز 2002 وفي إطار الإصلاحات أقال عرفات غازي الجبالي قائد الشرطة الفلسطينية كما أقال محمود أبو مرزوق قائد الدفاع المدني. وفي 5 يوليو/تموز تم تعيين زهير مناصره قائدا للأمن الوقائي الفلسطيني بالضفة الغربية ليحل محل جبريل الرجوب.

غير أن هذه التغييرات لم تكن كافية من وجهة النظر الأميركية واعتبرتها مجرد تغيير في بعض الوجوه والشخصيات وليس في الهيئات والمؤسسات وفلسفة العمل داخل السلطة الفلسطينية، ولا تزال الضغوط الأميركية والإسرائيلية على الفلسطينيين مستمرة.
_______________
1-Le Monde Diplomatique

2 - تراجيديا الـ 11 سبتمبر
Paix en Palestine

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة