المقرحي وليبيا ليسا بريئين فقط بل هما ضحيتان   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:47 (مكة المكرمة)، 16:47 (غرينتش)

إبراهيم الغويل

شكلت قضية لوكربي "محنة" بالنسبة لليبيا التي واجهت أقوى دول العالم أميركا معززة بحليفتيها بريطانيا وفرنسا، فتداخل في القضية القانون مع السياسة والترافع أمام المحاكم والبحث عن تسويات، فما الأسس القانونية التي قامت عليها هذه القضية وكيف تم تكييفها وهل خضعت لقوة القانون أم لقانون القوة؟ كل هذه الأسئلة طرحتها الجزيرة نت على المحامي إبراهيم بشير الغويل وهو خبير في القانون الدولي والشريعة ومنسق فريق الدفاع سابقا في قضية لوكربي.

من وجهة نظرك الخاصة من كان وراء تفجير طائرة البان أميركان فوق بلدة لوكربي بأسكتلندا نهاية سنة 1988؟

ظلت قضية لوكربي "تراوح" في الفترة ما بين وقوعها في 11 ديسمبر/كانون الأول 1988 وإلى أن "تقرر" توجيه الاتهام إلى المواطنين الليبيين عبد الباسط علي المقرحي والأمين خليفة فحيمة في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1988، (ظلت تراوح) من اتهام مجموعة معينة ودولة معينة معا، ولم يذكر اسم المواطنين الليبيين، ولا اسم ليبيا، إلا حين "تقرر" توجيه الاتهام نحو هذا المسار فـ "عادوا" إلى الرواية الخرافية "الخديعة المالطية" التي تقول إن حقيبة المتفجرات وضعت في مالطة صبيحة يوم 21 ديسمبر/كانون الأول 1988 مبكرا لتصل إلى مطار فرانكفورت ظهرا ولتغادره إلى مطار هيثرو بلندن قريبا من الغروب ولتغادر هيثرو عند السابعة مساء لتنفجر عند السابعة وثلاث دقائق.

ونقول "عادوا" إلى هذه الرواية الخرافية التي قال في حقها القاضي غريفلاند (قاضي محكمة الاستئناف بنيويورك): إنها خرافة وحماقة ولا يمكن أن يجازف بها إرهابي يهدف إلى تفجير طائرة مغادرة من هيثرو إلى نيويورك بعد قرابة 12 ساعة.

وهذه الرواية الخرافية التي سميت بـ "الخديعة المالطية" كانت بالأصل "خديعة" قصد منها الفاعل الحقيقي "المجرم" الذي نثق أن المخابرات التي تولت التحقيقات في هذه القضية خلال العام 1989 كلها وحتى 30 يونيو/حزيران 1990 قد عرفته وتعرفت عليه جيدا، ولكنها لأسباب سياسية وجهت الاتهام وجهة أخرى، وجهة كانت بالأصل قد أريد بها "خداعها" فاكتشفتها مبكرا في 30 ديسمبر/كانون الأول 1988 وسارت بالتحقيقات في وجهتها الصحيحة في 1989 ومنتصف 1990، ثم انحرفت بالتحقيقات لتعود إلى "الخديعة" هذه المرة لتخدع بها العالم، وقد استيقنت في هذه المرة أنها خديعة.

من كان وراء ما تسمونه بالخديعة المالطية التي آلت إلى الزج بليبيا حسب تصوركم في قضية لا علاقة لها بها؟

"الخديعة المالطية" كانت الأرجح أنها من صنع "مخابرات ألمانيا الشرقية" (Stazi) وقد تكون من صنع "مجموعة الأعمال القذرة بمخابرات جنوب أفريقيا العنصرية". وتتمثل "الخديعة المالطية" في أنه أريد وضع "مؤشرات" لتتويه المحققين عن المجرم الحقيقي ومسار الجريمة الحقيقي.

وقد طلب من "بوليير" صاحب مصنع "ميبو" الذي يصنع مؤقتات (MS13)، والذي من الممكن "وضع الكلمات في فمه" تحت التهديد ليقول بداية إنه لم يبع هذا النوع من المؤقتات إلا لليبيا. طلب من "بوليير" أن يسافر إلى ليبيا على وجه الاستعجال لأنها تريد 40 مؤقتا وترتب الحجز ليكون في 18 ديسمبر/كانون الأول 1988 ولتكون العودة عن طريق مالطا في مساء 20 ديسمبر/كانون الأول 1988 ومنها صباح 21 ديسمبر/كانون الأول 1988 إلى زيوريخ.

وكان من المفترض أن يبيع مؤقتاته وأن يعود طريقه كما هو مرسوم و"لتسرب" هذه المعلومات إلى (CIA) وليسرب معها "ملف بوليير" ورحلته الشهيرة إلى "فيينا" وعودته عن طريق "برلين الشرقية" وتعامله مع معهد تقني تابع لـ "مخابرات ألمانيا الشرقية" (Stazi).

وكان من المفترض أن "بوليير" سيكون المتهم الأول في رواية خرافية تقول إنه ذهب إلى طرابلس ومعه المؤقتات وباعها إلى طرابلس وحمل أحدها ليركبه مع "متفجرات" كانت موجودة بمالطا لدى مدير الخطوط الجوية العربية الليبية في مالطا الذي كانوا يظنون أنه لا يزال الأمين خليفة فحيمة.

ولحسن حظ هذه البلاد ولعله لسوء حظ عبد الباسط المقرحي الذي لم يكن مضمنا في هذه الرواية الخرافية أن (CIA) حينما واجهت "بوليير" في 30 ديسمبر/كانون الأول 1988 "انهار" أمامها وكان على استعداد أن يردد ما يلقن من كلمات إلا أنه أخبرهم بنقطتين من المستحيل أن يقول خلافا لهما:

  1. أنه لم يبع المؤقتات وعاد بها، لأن طرابلس لم تشتر المؤقتات.
  2. أنه لم يسافر عن طريق مالطا بل سافر رأسا من طرابلس إلى زيوريخ.

وبالتالي فإن (CIA) حينما عادت إلى هذه الرواية كانت تدرك جيدا أنها تعود إلى رواية خرافية وأنها توجه الاتهام إلى غير الفاعل الحقيقي الذي تكاد توجه إليه الاتهام في تحقيقاتها التي أجرتها من 1 يناير/كانون الثاني 1989 إلى 30 يونيو/حزيران 1989، وكانت تقودها في هذه التحقيقات "مشابهات" تتمثل في أنها كانت قد أسقطت، وقبل أشهر قريبة من 21 ديسمبر/كانون الأول 1988 لإحدى الدول طائرة تحمل 290 حاجا، وقبل أيام معدودة من يوم الحج الأعظم، وتم توعدها بأنها ستسقط طائرة وقبل موعد كبير (كعيد الميلاد مثلا) بأيام (21 ديسمبر/كانون الأول مثلا).

وهنا يهمنا أن نقول، والحق نقول إننا لا نرجح هذا الاحتمال على الاحتمال الآخر الذي يوجه أصابع الاتهام إلى "مجموعة العمليات القذرة" في جنوب أفريقيا التي كانت تطارد "بيرينت كارلسون" الساعد الأيمن لـ "أولف بالمة" الزعيم الاشتراكي السويدي الذي من المرجح أن تكون هذه المجموعة "اغتالته" والذي استدعي ليعقد اجتماعا في لندن وليوضع على طائرة البانام رحلة 103 بعد أن ألغى "بيغ بوتا" رئيس وزراء جنوب أفريقيا ومجموعته رحلته على نفس الطائرة وحيث كان الاثنان "كارلسون وبوتا" متوجهين إلى نيويورك لإجراءات تسليم "ناميبيا" للأمم المتحدة وحيث اتضح أن "بوتا" قد عقد اتفاقية على منجم كبير للماس مع "كارتل" دي ماس الشهير.

وحينما عادت (CIA) إلى هذه الرواية الخرافية بحثت على وجه مستعجل على بديل لـ "بوليير" واستخدمت "العميل" جعاكة الذي باع نفسه وباع أسرته وخان بلده وليقول كذبا وزورا إن عبد الباسط المقرحي هو من يمكن أن يحل محل "بوليير" في الزعم أنه هو الذي جاء بالمؤقت (MS13) وأنه هو الذي قام بوضعه في الحقيبة مع المتفجرات التي من المفترض افتراضا غير عقلاني أنها كانت موجودة مع الأمين فحيمة في مكتب الخطوط الجوية بالمطار.

هذه الرواية الملفقة بالكذب والزور من ناحية وبافتراضات غير معقولة من ناحية أخرى تبنتها المحكمة بعد أن قالت إن جعاكة كذاب وبعد أن رأت الأمين فحيمة.

كيف تعاملتم بوصفكم أحد أبرز المحامين المهتمين بهذه القضية للرد على ما تسمونه بالتلفيقات وشهادة الزور؟

سائل قد يسأل إذا كان ما كان من أمر الواقعات فماذا عن الجوانب القانونية؟ وماذا عن المعركة القانونية التي خضناها حول ولاية واختصاص القضاء الليبي وعدم وجود إلزام بتسليم المواطنين الليبيين؟ ولماذا قبلنا بولاية واختصاص آخر؟ ولماذا سلمت ليبيا المواطنين؟ وكيف انتهى الأمر إلى التعويضات وتحمل المسؤوليات؟ ومدى مسؤولية الدولة عن أفعال موظفيها؟ وهل دفع التعويضات يعتبر -ولو ضمنيا- اعترافا بالجريمة؟ وما مدى الضمانات القانونية الموجودة لعدم توسعة دائرة الاهتمام لتشمل مسؤولين آخرين؟

وبالإجابة على هذه الأسئلة وخاصة من بداياتها ستتضح مدى قوة القانون في مواجهة لا أقول قانون القوة بل أقول "غشامة القوم".

فولاية واختصاص القضاء الليبي مقررة وفقا للقانون الوطني والقانون الدولي واتفاقية مونتريال 1971 المتعلقة بجرائم الطائرات تقيم اعتبارا في مادتها 5-3 للقانون الوطني وضرورة إعماله في هذا الخصوص (المتعلق بالولاية والاختصاص) كما أن المادة 5-2 تعطي اختصاصا للبلد الذي يوجد فيه المتهم.

أما عدم وجود إلزام بتسليم لمواطنيها فهو أمر مقرر في القانون الدولي منذ عهود بعيدة وتنبه اتفاقية مونتريال 1971 بجرائم الطائرات في المادة 7 التي أوضحت أن البلد الذي باشر ولايته واختصاصه القضائي فإنه غير ملزم بالتسليم وهو ما يفهم جيدا إذا ما قرنت مع المادة 8-3،2 من نفس الاتفاقية.

ولقد كان هذا الفهم القانوني هو الذي جعل ليبيا تباشر ولايتها واختصاصها القضائي فور تسلمها قرار الاتهام في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 1991 (أربعة أيام بعد إعلان الاتهام في مؤتمر صحفي متزامن ساعة ويوما في البلدين على شاطئ المحيط.
ولكن الإجراءات القانونية السليمة ووجهت ببيان سياسي في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 1991 احتوى إملاءات بالتسليم والتعويض والاعتراف بالمسؤولية.

وصممنا نحن على أن الموضوع لا بد أن يعالج في ضوء القانون وعلى هديه ولكنهم أصروا إصرارا واستكبروا وذهبوا بإملاءاتهم هذه إلى مجلس الأمن وحيث أثرنا نحن أن المادة 36-3 من الميثاق توضح أن على مجلس الأمن أي وجوبيا إذا ما عرضت عليه موضوعات تتضمن منازعات قانونية أن يحيل الأطراف إلى محكمة العدل الدولية التي ذهبنا إليها بعد أن دعوناهم للتحكيم وفقا للمادة 14-1 من اتفاقية مونتريال 1971.

ولكن القوة استطاعت أن تحصل على القرار 731/1992 الذي صدر في 21 يناير/كانون الثاني 1992 على أن القرار قد صدر معيبا بعيب عدم الاختصاص ومعيبا بعيب إجرائي لمخالفة المادة 27/3 من الميثاق التي كانت تحتم ألا تصوت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا لأنها أطراف في النزاع.

ومع كل هذا فقد جاء القرار رافضا أن ينص على إذعان ليبيا لإملاءات ومكتفيا بالقول إنه على ليبيا أن تستجيب (To resoond/ not to comly).

واستجبنا بالذهاب إلى محكمة العدل الدولية التي بعد مراوحات لا نريد أن نخوض في تفصيلاتها قضت في 24 أغسطس/آب 1998 باختصاصها بكل هذه الجوانب: الولاية والاختصاص القضائي والتسليم وعدم وجود إلزام به والتعاون مع السلطة القضائية صاحبة الولاية والاختصاص...الخ.

(وقد يكون من المناسب أن نوضح هنا أنه حتى في مذكرات كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة لم تجر أي منازعة في ولاية واختصاص قضائنا وعدم وجود إلزام علينا بالتسليم وجوب التعاون معهم).

هذا ومن الأهمية بمكان أن نذكر بأنه في هذه الأثناء ومنذ 1992 حيث أفلحت "القوة" في تعطيل أحكام الميثاق وصحيح القانون الدولي والاتفاقات الدولية واستطاعت "القوة" أن تستصدر القرار 748/1992 (الذي صدر هذه المرة تحت الفصل السابع من الميثاق) في الأثناء ومنذ 1992 طورنا في ليبيا وبقرار من المؤتمرات الشعبية صيغ في آخر 6/1992 من مؤتمر الشعب العام حلا سياسيا ولكنه مؤسس قانونيا، يقول بإمكانية التوصل إلى محاكمة عادلة أمام محكمة محايدة في بلد محايد، وهذا الحل للأسف الشديد وبعد أن تقوى بحكم محكمة العدل الدولية في 28 فبراير/شباط 1998 هو الذي جرى التلاعب به وحرف إلى مبادرة بريطانية/أميركية في رسالة 24 أغسطس/آب 1998 وتم استصدار القرار سيئ السمعة 1192/98 بعد أربعة أيام فقط من رسالة المبادرة، وللأسف الشديد قبل وانتهى إلى الإجراء الذي تم بتعبير الزميل الأستاذ صباح المختار في أسود يوم في تاريخ القانون يوم 6 أبريل/نيسان 1999 ليسجل انتصارا لغشامة القوة في مواجهة قوة القانون التي حسبنا أن حكم محكمة العدل الدولية قد أظهرها على غشامة القوة وكان التسليم والمحاكمة أمام محكمة أسكتلندية مهما قيل عنها إنها خارج أسكتلندا.

صدر الحكم على المتهمين بداية 2001 بتبرئة أحدهما وتأبيد الآخر وبدأت المفاوضات حول التعويضات فما موقف القانون من هذا الجانب من القضية؟

صدر الحكم المعيب المعيب المعيب وتأيد استئنافا. فجاءت المطالبات بالتعويضات والتي للأسف أنها لم تتخذ المسار القانوني ولم تجر محاولات التسوية فيها حتى على حل تفاوضي، ولكنه مؤسس قانونيا بل جرت محاولات التسوية على أساس مساومات بين رجال الأعمال من طرف ليبيا ومحامين أميركيين يتعاملون في القضية على أساس (Contingency phases)، وهي نوع من المراهنة على أتعاب قد تتحقق وقد لا تتحقق وهي مضاعفة إلى زمن مستقبل ويكون استحقاقها رهنا بحصول أمر احتمالي... إلخ، وهنا يكون المحامون أقرب إلى التجار.

وكانت هذه المحاولات تجري على هامش مفاوضات سياسية بين ليبيا من جهة والمملكة المتحدة والولايات المتحدة من جهة أخرى.

ونظرا لعدم مشاركتي في هذه الاجتهادات والجهود فإنني أتحفظ في إبداء الرأي وأتحفظ على ما انتهت إليه لأنني كنت أتصور حتى في هذه المرحلة كان يمكن أن تسير الأمور في مسار أفضل لو أنها تأسست على تأسيس قانوني، كان سيواجه القضايا أمام محاكم الولايات المتحدة بقوة (دافعا بعدم ولاية واختصاص القضاء الأميركي بعد رسالة التنازل في 24 أغسطس/آب 1998 ودافعا بعدم اختصاص محكمة نيويورك دي سي محليا ودافعا بعدم حجية الأحكام الأسكتلندية وداعيا لإثبات الدعوى من جديد، ما كان سيتيح إعادة محاكمة أمام القضاء الأميركي (أمام محكمة منطقة كولومبيا/واشنطن)، ثم في هذه الأثناء ستجري تسويات خارج المحكمة وعلى أسس قانونية معروفة لا تتطلب الاعتراف بالمسؤولية ولا يمكن أن تصل بحجم التعويضات لأكثر الأشخاص دخلا ولأطولهم امتدادا في سني العمل ولأكبرهم أسرة.. إلخ ووفقا لما استحدث لتعويض ضحايا مركز التجارة العالمي من أكبر المصارف والشركات وعرف بصيغة "قاينبرغ" لا يمكن أن تصل بحجم التعويضات إلى أكثر من أربعة ملايين دولار.


هل الدولة مسؤولة قانونيا عن أفعال موظفيها؟

إن مسؤولية الدولة عن أفعال موظفيها مقيدة بأن يكونوا يتصرفون ضمن حدود اختصاصهم ووفقا لما هو مشروع... إلخ

ودفع التعويضات في نظرنا وإن كنا لا نعلم ما الذي اتفق عليه ما كان ينبغي أن يتم تحت أي مسؤولية بل هو تسوية تمت خارج المحكمة ولا يملك أحد أن يعترف على عبد الباسط بارتكاب جريمة لم يرتكبها.

ولا ندري ما الضمانات القانونية الموجودة لعدم توسعة دائرة الاتهام إلا أنه يمكن أن تدركوا أن أكبر ضمان من وجهة نظرنا لعدم توسعة دائرة الاتهام هو معرفة كل من (CIA) و(M16) أن عبد الباسط بل وكل ليبيا لا أقول إنهم غير متهمين أو أبرياء بل أقول إن عبد الباسط وكل الليبيين ضحايا. ولا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة