النظام العربي الرسمي بين حرب 67 واليوم   
الاثنين 12/5/1428 هـ - الموافق 28/5/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:49 (مكة المكرمة)، 12:49 (غرينتش)

 
حسن نافعة

عندما شنت إسرائيل في 5 يونيو/حزيران عام 1967 حربها الخاطفة على الدول العربية لم يكن النظام العربي الرسمي في أحسن حالاته. ومع ذلك يكفي أن نلقي نظرة سريعة على ما يجري حاليا في العراق وفلسطين ولبنان والسودان والصومال لندرك أن حال هذا النظام يبدو اليوم أسوأ بكثير مما كان عليه قبل أربعين عاما وبات أشبه بسفينة بلا قبطان تطفو فوق بحر هائج.

النظام العربي قبل حرب 67  
مسار النظام العربي بعد حرب 67
خاتمة

النظام العربي قبل حرب 67

"
التحالف المصري السعودي السوري الذي سبق له أن حقق نجاحات كبيرة في التصدي لحلف بغداد والعدوان الثلاثي, راح يتصدع على خلفية المواقف المتباينة من نظرية الفراغ التي طرحها أيزنهاور

"

كان النظام العربي عشية حرب 67 يبدو قويا وقادرا على الصمود في وجه عواصف وأعاصير راحت تهب على المنطقة. فمن ناحية, بدا الرئيس المصري جمال عبد الناصر ممسكا بقوة بدفة القيادة وبزمام المبادرة.

ومن ناحية ثانية, بدت الدول العربية مستعدة لتنحية خلافاتها وتوحيد صفوفها لمواجهة عدوها المشترك ممثلا في إسرائيل كما بدت الجيوش العربية في وضع أفضل بكثير مما كانت عليه من قبل.

غير أن تلك المظاهر التي بدت إيجابية وقادرة على حسم الأزمة لصالح النظام العربي لم تكن في الواقع سوى الجزء العائم من جبل ثلج كان يخفي تحت السطح عكس ما يظهر فوقه.

فقد تكشف فيما بعد أن جمال عبد الناصر كان شخصية معزولة لا يدري شيئا عما يدور داخل جيشه وأن صراعا مكتوما على السلطة كان يجري منذ فترة مع القائد الفعلي لهذا الجيش ممثلا في الرجل الثاني في النظام المشير عبد الحكيم عامر، وعجز في أكثر من مناسبة عن زحزحته رغم تكراره لأخطاء عسكرية وسياسية كانت لها آثار كارثية.

وتكشف أن تصعيد المواجهة مع إسرائيل لم يكن كافيا وحده لطمس خلافات عربية بدت عميقة على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والفكرية.

فالتحالف المصري السعودي السوري الذي سبق له أن حقق نجاحات كبيرة في التصدي لحلف بغداد والعدوان الثلاثي على مصر, راح يتصدع, على خلفية المواقف المتباينة من نظرية الفراغ التي طرحها الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور عقب أزمة السويس وقيام الوحدة بين مصر وسوريا, إلى أن انهار كلية بعد الانفصال، وقرار مصر بالتدخل عسكريا لدعم ثورة اليمن الذي سمح باستدراج الجيش المصري خارج حدوده واستنزافه بعيدا عن خط المواجهة مع إسرائيل.

ومع هذا الانهيار, وعلى خلفية صراع اجتماعي وفكري عميق, بدأ يظهر على الساحة العربية معسكران تدور بينهما حرب باردة كادت تتحول إلى حرب ساخنة على حدود اليمن أحدهما "رجعي" تقوده السعودية والآخر "تقدمي" تقوده مصر.

والواقع أن الصراع داخل المعسكرين, خاصة "التقدمي", لم يكن أقل حدة من الصراع بينهما, وظهر أن التصعيد في مواجهة إسرائيل استخدم وسيلة للابتزاز هنا والمزايدة هناك. 

كان على عبد الناصر, بعد أن رفضت الجماهير المصرية والعربية قراره بالتنحي, معالجة أوجه الخلل التي تضافرت في صنع الانتكاسة في الحرب.

وهذا ما تم, فعلى الصعيد المصري, حسم عبد الناصر الصراع مع عبد الحكيم عامر وشرع في إعادة بناء الجيش على أسس جديدة.

وعلى الصعيد العربي تم في قمة الخرطوم رأب جانب من الصدع الذي كان أصاب العلاقات بين مصر والسعودية وتأمين دعم سياسي ومالي لتمكين دول الطوق من الصمود.

مسار النظام العربي بعد حرب 67

وإذا كانت الأقدار شاءت أن يرحل عبد الناصر عن عالمنا قبل أن يتمكن من أن يدير بنفسه معركة الحسم التي كرس كل جهده لها, فإن رحيله أضاف عنصرا إيجابيا إلى جملة العناصر التي صنعت النجاح في حرب 1973.

المفارقة: حرب وتسوية!
كان خلفه الرئيس المصري أنور السادات بحكم تكوينه الأيديولوجي وارتباطاته الشخصية السابقة جاهزا للحرب, وتمكن من دعم علاقاته بالسعودية وفتح قنوات اتصال سرية مع الولايات المتحدة دون إحداث قطيعة كاملة مع المعسكر الآخر.

وبالتالي خلق ظروفا مواتية, حين أصبحت المواجهة الميدانية حتمية, بالتنسيق عسكريا مع سوريا لشن الحرب بالتزامن على الجبهتين, وسياسيا مع السعودية لاستخدام النفط كسلاح سياسي في المعركة إذا لزم الأمر.

وبين حالتي السمو التي بدا عليها النظام العربي الرسمي في أكتوبر/تشرين أول 1973 والدنو التي يبدو عليها اليوم, تتجلى مفارقة تحتاج إلى تفسير.

ولأنه يبدو واضحا الآن أن دوافع الدول العربية التي توحدت لشن الحرب كانت مختلفة ولم يكن لديها تصور مشترك لكيفية صنع السلام أو حتى لإدارة مرحلة ما بعد الحرب, فلم يكن من المستغرب أن يتفرق شملها بسرعة.

"
حين تقرر الدولة العربية الأكبر البحث عن تسوية سلمية حتى ولو منفردة, لا يصبح أمام النظام العربي الرسمي إلا الانخراط في عملية سياسية تقودها الشقيقة الكبرى، أو إقامة حلف جماعي لموازنة خروجها من معادلة الصراع 

"
فالسادات دخل حرب "تحريك" بهدف إطلاق عملية تسوية سياسية, وليس لتحرير الأرض المحتلة بقوة السلاح. ولأنه كان مقتنعا بأن الولايات المتحدة تملك 99% من أوراقها, فقد كان جاهزا للتعاون معها إلى أقصى مدى.

ولذلك لم يجد وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كيسنجر صعوبة كبيرة في إقناعه بسياسة الخطوة خطوة التي نجحت في رفع الحظر النفطي, وإبعاد السوفيات عن العملية السياسية وتحويل "التسوية" إلى "عملية سياسية" تجرى على مسارات منفصلة وليس إلى مفاوضات جماعية تستهدف التوصل إلى تسوية شاملة ونهائية من خلال مؤتمر دولي ووفد عربي موحد, كما كانت تطالب سورية.

وبهذا النهج تمكن كيسنجر من تجريد النظام العربي من كل أسلحته وأوراق ضغطه مقابل عملية "فض اشتباك" محدودة، وفي سياق كهذا كان من الطبيعي أن تعود التناقضات العربية للظهور. وكان لبنان, الذي بدأ الوضع الداخلي يحتقن فيه إلى أن وصل إلى حالة الحرب الأهلية, أول من دفع أثمان تلك التناقضات.

عندما عادت "عملية التسوية" إلى حالة التجمد من جديد, بعد أن قضى منها كيسنجر وطره, لم يكن باستطاعة السادات, الذي كان قد قطع شوطا طويلا على طريق التنازلات, أن يعود إلى حمل السلاح حين اكتشف أنه مازال خالي الوفاض بعد سنوات من حرب أكتوبر.

ولأن الطريق الوحيد الذي بدا مفتوحا أمامه كان هو طريق الحل منفردا, فقد بدأ التفكير جديا في "زيارة القدس"، واضعا النظام الرسمي العربي أمام مفترق طرق حقيقي.

فحين تقرر الدولة العربية الأكبر, التي يستحيل في غيابها شن حرب تقليدية في مواجهة إسرائيل, البحث عن تسوية سلمية حتى ولو منفردة, لا يصبح أمام النظام العربي الرسمي سوى واحد من بديلين:

  1. الانخراط في عملية سياسية تقودها الشقيقة الكبرى, أملا في تحسين شروطها وقطع الطريق على أي تسوية منفردة.
  2. الاستمرار في المواجهة وهو ما يقضي بإقامة حلف جماعي لموازنة خروج مصر من معادلة الصراع.

وفي ظل احتدام المنافسة على موقع القيادة الشاغر اختار النظام العربي الطريق الثاني وتقدم العراق لشغل الفراغ وقيادة "جبهة الصمود والتصدي" التي أعلنت تجميد عضوية مصر في جامعة الدول العربية ونقل مقرها إلى تونس.

غير أن هذه الجبهة لم تدم طويلا, وبالتالي لم تصمد ولم تتصدّ, لأنها ما لبثت أن انهارت عقب اندلاع الثورة الإسلامية في إيران وقرار الرئيس العراقي صدام حسين شن الحرب عليها.

لم يكن لهذا القرار, الذي جر معه منطقة الخليج العربي برمتها إلى حرب ضد إيران, سوى مغزى واحد وهو تراجع موقع القضية الفلسطينية على جدول أعمال النظام العربي الرسمي وبداية عملية واسعة النطاق لاستنزافه سياسيا وماديا.

ولأن إسرائيل أرادت, ضمن ما أرادت, إثبات أن "جبهة الصمود والتصدي" أضعف من أن تصمد أو تتصدى, فقد تعمدت اللجوء إلى التصعيد العسكري من جانب واحد وأقدمت على ضرب المفاعل النووي العراقي لإحراج العراق, ثم راحت تضغط عسكريا على جنوب لبنان لإحراج سوريا.

في سياق كهذا كان من الطبيعي أن تؤدي الحرب العراقية على إيران, من الناحية العملية, إلى تخفيف الضغط السياسي الواقع على مصر, خاصة بعد اغتيال السادات, وتعيد طرح "عملية التسوية السياسية" حتى ولو بالشروط الإسرائيلية, باعتبارها الخيار الوحيد المتاح.

ولأن سوريا بدت مشغولة بلبنان, والعراق ودول الخليج الأخرى بإيران وبقية الدول بأحوالها الداخلية, فقد كان من الطبيعي أن تتراجع القضية الفلسطينية إلى أدنى سلم اهتمامات النظام العربي.

وبدأ الشعب الفلسطيني يدرك بعمق أنه ترك في منتصف الطريق وحيدا, وأنه بات عليه أن يأخذ مصيره بيديه، وهكذا اندلعت شرارة الانتفاضة وبدأ ظهور حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على الساحة الفلسطينية.

الجرح العربي من جديد 

"
يفتقر النظام العربي اليوم إلى مشروع سياسي أو حتى قضية مركزية يمكن أن يلتف أو يتوحد حولها، فهو لا يملك مشروعا للوحدة أو حتى للتكامل الاقتصادي الجاد, ولم تعد فلسطين قضيته المركزية وإنما تحولت إلى جثة يبحث لها عن مكان آمن للدفن

"

وبالتدريج بدأ الواقع المحلي والإقليمي يفرز عوامل جديدة تضافرت لإعادة إحياء الأمل في إمكانية ترتيب البيت العربي من جديد.

من هذه العوامل انتهاء الحرب مع إيران بانتصار عراقي نسبي, وعودة مصر للنظام العربي، غير أن الأمل في تحقيق انطلاقة جديدة للنظام العربي ما لبث أن انطفأ من جديد حين قرر صدام حسين, فجأة وبشكل منفرد ودون التشاور مع أحد, غزو الكويت, الذي كان بمثابة المسمار الأخير أو قبل الأخير في نعش هذا النظام.

فتح الغزو العراقي للكويت جرحا كبيرا في جسد عربي مريض, وبدأت بعض الدول العربية تدرك أن مصادر الخطر الأكبر على أمنها الوطني ينبع من داخل النظام العربي نفسه, وليس من خارجه.

ومع النزيف المستمر لهذا الجرح الملوث, تراجع الإيمان بالعروبة وبعدم جدوى النظام العربي إلى الدرجة التي أصبح فيها باب التدخل الأجنبي في شؤون العالم العربي مفتوحا على مصراعيه.

وقد أفضى هذا الوضع الجديد في نهاية المطاف إلى خمس نتائج بالغة الخطورة:

الأولى: تمكين الولايات المتحدة الأميركية من شن حربين متتاليتين على العراق لحمله على الخروج من الكويت أولا ثم لإضعافه بعد ذلك تمهيدا لغزوه واحتلاله وتدميره والاستيلاء على نفطه.

ثانيا: بداية انخراط كافة الدول العربية في عملية التسوية السياسية بحضور مؤتمر مدريد أولا ثم بداية ظاهرة الهرولة العربية لتطبيع العلاقة مع إسرائيل حتى من قبل أن تنسحب من الأراضي المحتلة.

ثالثا: عودة القواعد العسكرية الأجنبية, وخاصة الأميركية, للظهور في المنطقة العربية, وتزايد مبيعات السلاح الغربي لها بطريقة مبالغ فيها دون ما ضرورة أو حاجة فعلية بعد أن تراجع الصراع مع إسرائيل تماما وتم وضع أمن دول المنطقة في عهدة الراعي الأميركي.

رابعا: بروز أزمة شرعية في الدول العربية بعد تزايد الفجوة على نحو غير مسبوق بين تطلعات الشعوب واحتياجات النظم الحاكمة.

خامسا: تصاعد استخدام العنف كوسيلة لحسم الصراعات في المنطقة سواء من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل أو من جانب التنظيمات غير الرسمية الرافضة لمحاولتهما فرض الهيمنة على المنطقة. 

خاتمة

يختلف النظام الرسمي العربي اليوم عن النظام الذي كان قائما عشية نكسة 67, من زوايا عدة:

الأولى: افتقاره إلى قيادة سياسية, ممثلة في زعيم أو دولة أو مجموعة دول نواة, مؤهلة ولديها الاستعداد لتحمل أعبائها السياسية والنفسية والمادية.

الثانية: افتقاره إلى مشروع سياسي أو حتى لقضية مركزية يمكن أن يلتف أو يتوحد حولها. فلا يملك النظام العربي مشروعا للوحدة أو حتى للتكامل الاقتصادي الجاد, ولم تعد فلسطين قضيته المركزية وإنما تحولت إلى جثة يبحث لها عن مكان آمن للدفن, ورغم اشتداد خطر إسرائيل عليه أصبح يفضل البحث عن وسيلة لمهادنتها وليس لمواجهتها.

ثالثا: تصاعد دور الدول الهامشية, على حساب دول المركز أو القلب, وذلك من خلال اضطلاعها بوظائف مرسومة ومحددة لها تستهدف تشتيت انتباه النظام الرسمي وإحداث الفرقة بين وحداته.

رابعا: انعدام الثقة في الأطر الرسمية وتزايد الإيمان بعدم قابلية النظام العربي الرسمي للإصلاح من داخله وبوجوب العمل على تغييره من خارجه.

وفي هذا السياق يبدو أن النظام العربي وصل إلى مفترق طرق بعد أن أصبح محشورا بين أطماع الخارج وتحالف الفساد والاستبداد في الداخل.
_______________
باحث مصري وأمين عام منتدى الفكر العربي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة