العراقيون والأمن المفقود   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:56 (مكة المكرمة)، 16:56 (غرينتش)

محمود عبد الغفار

أدى سقوط النظام العراقي واحتلال بغداد يوم التاسع من أبريل/ نيسان 2003 إلى حدوث حالة فراغ أمني كاملة بسبب الغياب المفاجئ للمسؤولين خشية تعرضهم للاعتقال أو القتل من قبل القوات المحتلة أو لتجنب مصير مجهول ينتظرهم.

وفي ظل غياب نظام منهار وتلكؤ قوة احتلال عن تحمل مسؤوليتها طبقا لاتفاقيات جنيف، اتسع الانفلات الأمني جغرافيا ليشمل معظم المدن الرئيسية، وأتى على ممتلكات المواطنين ومنشآت الدولة والمرافق العامة حتى طالت التراث الحضاري والإنساني.

مظاهر انعدام الأمن
دور الاحتلال
حالات اغتصاب
هوية الجناة
المجتمع يحمي نفسه

مظاهر انعدام الأمن

وتنوعت أشكال انعدام الأمن لتشمل أعمال النهب والسلب والقتل العشوائي والمتعمد والخطف بينما اهتمت قوات الاحتلال بحماية منشآت النفط ووزارتها التي تكاد تكون المنشأة الرسمية الكبرى الناجية من التخريب.

ولخصت منظمة العفو الدولية في تقرير لها صدر في يوليو/ تموز الماضي هذه الأيام العصيبة عقب سقوط بغداد في هذه العناوين "تفشي عمليات السلب والنهب وتصاعد ألسنة الحرائق.. انعدام القانون وشن الهجمات الانتقامية.. نقص في المياه وانقطاع في التيار الكهربائي.. اجتياح المشافي ونهبها وتخريبها.. الاضطرابات تعيق عمل وكالات الإغاثة الإنسانية، هذه هي الحقيقة المرة التي تواجه ملايين المدنيين العراقيين في المناطق التي سيطرت عليها مؤخراً قوات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة".

وأضافت المنظمة قائلة –نقلا عن مندوبيها في العراق- "إن أعمال التخريب طالت مؤسسات حيوية لمستقبل الشعب، ومنها المدارس والجامعات والمستشفيات، وهذا هو الأبشع. وفي معظم الحالات وقفت قوات الاحتلال متفرجة وغير راغبة، أو غير مستعدة للاضطلاع بمهام حفظ الأمن على ما يبدو".

دور الاحتلال

وقد عكست تصريحات قائد قوات مشاة البحرية الأميركية العقيد جون تولان عدم استعداد قوات بلاده للمحافظة على القانون والنظام، وصرَّح لمراسل صحيفة ذي غارديان البريطانية يوم 9 أبريل/ نيسان 2003 وهو يقف على أنقاض مجمع فريق الأمم المتحدة للتفتيش عن الأسلحة "يبدو أن هناك أعمال نهب.. ربما كان الناس ينتهزون الفرصة لاستغلال انعدام الأمن العام".

وقال أحد العراقيين لمراسل هيئة الإذاعة البريطانية يوم 10 أبريل/ نيسان "لا سلطة الآن، لا قانون، لا شيء، واللصوص في كل مكان".

وأكد رئيس إدارة البحث والتطوير بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور أسامة العاني أن عمليات النهب والسلب دمرت أكثر مما أحدثه القصف للمعامل والأجهزة داخل الجامعات العراقية ومراكز البحث العلمي والتي قضت على أكثر من 70% منها.

حالات اغتصاب


منظمة هيومن رايتس ووتش ذكرت أن انعدام الأمن في بغداد والمدن العراقية شجع على اغتصاب النساء وخطفهن، مشيرة إلى حدوث 25 حالة في هذا الصدد

ومع انعدام الأمن أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش منتصف يوليو/ تموز 2003 أن انعدام الأمن في بغداد والمدن العراقية يشجع على اغتصاب النساء وخطفهن، مشيرة إلى حدوث 25 حالة في هذا الصدد. ودعت المنظمة سلطات الاحتلال إلى إرسال محققين مختصين في قضايا الاغتصاب والجرائم ضد النساء إلى أن تصبح الشرطة العراقية قادرة على تحمل مسؤولياتها.

وجاء ذلك رغم أن المنظمات الدولية وعدد من دول العالم حذرت الولايات المتحدة وبريطانيا قبل الحرب من وجود مخاطر جسيمة لتفشي الاضطرابات ونشوب أزمة إنسانية ووقوع انتهاكات لحقوق الإنسان -ومنها الهجمات الانتقامية- بعد الإطاحة بالنظام العراقي.

ومما زاد الطين بلة هو انتشار الأسلحة بين أيدي العراقيين جميعا إما بسبب الوضع العشائري وإما بالحصول عليه من الحكومة العراقية لمساعدتهم على القتال ضد قوات الغزو أو من أعضاء في العديد من التنظيمات الأمنية والمليشيات، مثل فدائيي صدام وجيش القدس اللذين تبعثرا بعد انهيار النظام.

وأصبح المزيد من الأسلحة -ومن ضمنها القنابل اليدوية- متوافراً بسهولة عندما أُخليت مراكز الشرطة وثكنات الجيش ومباني حزب البعث ونهبت فيما بعد، ثم عقب حل سلطة الاحتلال للجيش والمؤسسات الأمنية وتسريح نحو نصف مليون مسلح. ولذلك لم يكن مستغربا أن تسمع أحد الصبية يجلس في أحد شوارع بغداد يبيع القنابل وهو يقول "بنصف دولار تخلص ممن لا تحب".

هوية الجناة

ولأنه لم يتم ضبط غالبية الجناة وتصنيفهم فلا يزال هناك جدل بين العراقيين عن هوية هؤلاء والمصلحة التي جنوها من وراء جريمتهم. فهناك من يتهم لصوصا وفئة منبوذة من المجتمع خاصة هؤلاء الذين خرجوا من السجون في عفو عام في أكتوبر/ تشرين الأول 2002.

لكن يمكن إدراك أن ما حدث لم يكن بفعل لصوص فحسب لأن هؤلاء غايتهم سرقة المال أو ما يؤدي إليه، أما نهب آثار لا يمكن الاستفادة منها داخليا أو بيعها إلا عبر تهريبها للخارج أو إشعال الحرائق المتعمدة بالمنشآت المنهوبة خاصة الحاضنة للثقافة والحضارة، فيرى مراقبون أن ثمة أيادي غير عراقية ساهمت في هذا الجرم.

فقد ذكر بعض شهود عيان في العراق –قابلت أحدهم عندما كنت في بغداد قبل شهرين- إنهم رأوا جنود الاحتلال يفتحون بعض الأبواب الموصدة لمنشآت لا يستطيع المخربون فتحها. وأكد آخرون ضلوع قوات الاحتلال جزئيا على الأقل في أعمال التخريب، ودللوا على ذلك باستخدام مواد ساهمت في استمرار الحرائق وصعود الدخان بالمباني لعدة أيام، وهو ما لا يتوافر بحوزة الأفراد العاديين فضلا عن تعمد الإقدام على هذا الفعل.

وفي أجواء غياب القانون عقد الناس العزم على الاحتفاظ بأسلحتهم لأنه لا توجد جهة أخرى تحميهم من اللصوص أو المجرمين.

المجتمع يحمي نفسه


رأى العقلاء بالعراق أن استباحة الوطن تستهدف إلحاق هزيمة نفسية وحضارية بالعراقيين خاصة والمسلمين عامة، لذا فقد هبوا لمنع هذه الهجمة الجديدة
إزاء ذلك تنبه العقلاء والوجهاء في المؤسسات الدينية والشعبية إلى خطورة ما يحدث، وأن الأمر لم يقف عند حد الاحتلال العسكري لموقع إستراتيجي أو إسقاط نظام للبحث عن أسلحة غير تقليدية مزعومة أو ما تردد عن السيطرة على ثروة النفط، وإنما يكاد يكون تخريبا منظما تقوده أياد مجهولة.

ورأى هؤلاء العقلاء –وأمثالهم خارج العراق- أن الهدف الأكبر من هذا هو إلحاق هزيمة نفسية وحضارية بالعراقيين خاصة والمسلمين عامة، لذا فقد هبوا لمنع هذه الهجمة الجديدة. ولذلك كان من الطبيعي أن يشكل هؤلاء مفارز مسلحة ليس لحماية المنشآت والمناطق السكنية والعمل قدر المستطاع على استعادة ما سلبه الناهبون فحسب، بل لإعادة الأمن المفقود إلى قلوب الناس.

إضافة إلى ذلك ساهمت فتاوى علماء السنة والشيعة بتحريم عمليات نهب المنشآت العامة والخاصة ووجوب إرجاع المسروقات في تهدئة نسبية للأوضاع المتردية واستعادة بعض ما تم سلبه.

وأكد الشيخ أحمد حسن الطه العضو البارز بالأمانة العامة لهيئة علماء المسلمين في بغداد أن المنابر كان لها دور رائد في حماية الصف الوطني وتهدئة الناس والحيلولة دون انفلات عدد كبير منهم بعد سقوط النظام السابق ودخول قوات الاحتلال وانفلات الوضع الأمني نتيجة غياب حكومة مركزية.

وأصبح من الشائع أن تجد عددا من المسلحين –خاصة في الفترة التالية لاحتلال بغداد- يقفون على مفارق الطرق والمؤسسات الحيوية بالنسبة للمواطنين خاصة الجامعات والمستشفيات.

وأبلغ الشيخ يحيى صالح إمام مسؤول فرع هيئة علماء المسلمين في الفرات الأوسط –التي تضم محافظات بابل والمثنى وكربلاء والنجف والقادسية- لأحد موفدي الجزيرة نت أن علماء السنة والشيعة وشيوخ العشائر وضعوا خطة أمنية لحماية الممتلكات والأعراض والدماء. وأضاف أن لجانا شكلت من أجل سد الثغرات التي نشأت عن غياب الدولة وأجهزتها بعد احتلال العراق.

وقال شهود عيان في حي الشرطة إن المقاتلين العرب الذين شاركوا في الدفاع عن بغداد شاركوا في ضبط الأمن واستعادة مسروقات خلال هذه الفترة.
______________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة