الاقتصاد الإيراني على المحك   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:44 (مكة المكرمة)، 16:44 (غرينتش)

متسوقون إيرانيون في طهران

إعداد: شاهر الأحمد

همّش الكثير من المتابعين للشأن الإيراني الأسباب غير السياسية التي دفعت بالآلاف للاحتجاج ضد الحكومة الإسلامية في طهران. فالساحة الإيرانية شهدت وماتزال معطيات اقتصادية قد تكون سببا رئيسيا في تأجيج المشاعر ضد الحكومة.

ففي شهر يونيو/حزيران 2003 اندلعت المظاهرات الاحتجاجية بالجامعات في طهران إثر إعلان الحكومة عن خصخصة بعض الجامعات وفرض رسوم على أخرى مما دفعها للتراجع عن قرارها لاحقا.

تردي الأوضاع رغم الوعود
إنتاج النفط بإيران
الحكومة التي حرصت أكثر من مرة على التأكيد على العمل لتحسين الأوضاع المعيشية لمواطنيها من خلال ما تعرضه في ميزانية الدولة منذ اعتلاء الإصلاحيين سدة الحكم بقيادة الرئيس محمد خاتمي إلا أن الجمهور الإيراني مازال يعيش أوضاعا سيئة. فسجل معدل البطالة العام الماضي أكثر من 20% ( حسب تقديرات غير رسمية) وأكثر من 15% ( وفقا للتقديرات الرسمية)، مما يفرض عبء توفير نحو مليون وظيفة سنويا في سوق العمل، كما يرزح أكثر من ربع السكان في إيران تحت خط الفقر وفقا لما تشير إليه بعض التقارير.

ومن المشاكل الاقتصادية التي مازالت تلاحق طهران ما خلفته حرب الثماني سنوات مع العراق فهذه الحرب التي وضعت أوزارها عام 1988 أنتجت دمارا كبيرا للبنية التحتية التي تقدرها مصادر إيرانية بنحو 871.5 مليار دولار.

تأثير ارتفاع سعر النفط
كان الاقتصاد الإيراني حقق في عام 2001 أعلى نموا خلال ثماني سنوات بلغ معدله 5% وفقا لتقديرات البنك الدولي وقدرته إيران بـ 5.9% لعام 2001. ويعود الفضل بذلك إلى قطاع النفط، فقد ارتفع إنتاج إيران للنفط ( ثاني أكبر مصدر للنفط في أوبك بعد السعودية) بحوالي 10% حسب تقديرات منظمة الطاقة العالمية.

وفي نفس الفترة تراجع الدين الخارجي الإيراني الذي يشكل نحو 13% من الناتج المحلي إلى 7.8 مليارات دولار عند نهاية العام المالي 2001، وهي نسبة معقولة مقارنة بدول شرق أوسطية أخرى. وسجلت نسبة التضخم تراجعا كبيرا في العام الماضي إذ بلغت 12.6% مقارنة بحوالى 20% في العام قبل الماضي حسب إعلان البنك المركزي الإيراني.

وكانت الحكومة الإيرانية أقرت ميزانية عام 2002 بزيادة 45.5% مقارنة بالعام الذي قبله ليصبح حجمها نحو 663.757 تريليون ريال (83 مليار دولار)، وشملت هذه الميزانية تركيزا على قطاع البناء، بهدف معالجة ظاهرة البطالة المستشرية. غير أنها في المقابل وفي محاولة للتقليل من عجز الموازنة المزمن، وقع اختيارها على التعليم الجامعي لتحاول خصخصته والتحلل بالتالي من دعمها له.

غير أنه وبرغم من محاولات تحسين أداء الاقتصاد فإن سعر صرف العملة المحلية في مقابل الدولار الأميركي يسجل سنويا تراجعا، ففي حين سجل سعر صرف الدولار 7300 ريال في بداية عام 2001 تقريبا، سجل سعره في بداية هذا العام حول 8000 ريال.

ضعف العوائد غير النفطية
رغم سعي حكومة الرئيس محمد خاتمي على زيادة العوائد من الصادرات للسلع غير النفطية إلا أن ذلك لم يتحقق بعد، فلا زالت الصادرات النفطية تشكل أكثر من 88% من إجمالي الصادرات الإيرانية. وغيرها من الصادرات مثل الفواكه الطازجة والمجففة والسجاد والصلب لا تشكل مجتمعة سوى أقل من 12% من الصادرات.

وهنا بيت القصيد فعدم الاستقرار الذي تعاني منه أسواق النفط المعتمدة عليه طهران في دخلها القومي لم تتمكن من تخفيف الاعتماد فخشت الحكومة أن ينعكس ذلك على وضعها الاقتصادي في ظل التخوفات من انخفاض سعر النفط والتقليل من حصة الصادرات الإيرانية منه.

فمجريات الأحداث التي يمر بها العالم تشير إلى أن تراجع أسعار النفط بات أمرا مرجحا بعد انتهاء الحرب على العراق، واحتمال عودة قريبة للصادرات النفطية العراقية مما يرجح زيادة المعروض من النفط في الأسواق العالمية والذي يستدعي تخفيض حصص أعضاء أوبك بما فيهم إيران. فإن تعامل الدول الأعضاء في أوبك بمسؤولية للحفاظ على أسعار النفط العالمية يحتم عليها إعادة ترتيب الحصص حتى لا تهوي الأسعار إلى مستويات تذكر بما وصلت إليه عام 1998 عندما وصل سعر البرميل من النفط إلى دون العشر دولارات.

وشهد الاقتصاد العالمي مؤخرا تراجعا في سعر صرف الدولار (العملة التي يقيم بها النفط في الأسواق العالمية). كلها أسباب قد تكون زعزعت موقف الميزانية الإيرانية المعتمدة على الصادرات النفطية.

وفي محاولة لإنقاذ الوضع الاقتصادي لجأت طهران لإنقاذ ميزانيتها المرسومة عن طريق التقليل أو شطب دعمها للتعليم الجامعي. أملا في أن تتمكن من الإيفاء ببعض الالتزامات التي قطعتها على نفسها للقيام بإصلاحات اقتصادية تحسن من أوضاع مواطنيها.

ضغوط اقتصادية خارجية
وفي ظل ما تواجه طهران من صعوبات اقتصادية داخلية ليس لنا أن نهمل ما تعانيه من حرب اقتصادية أميركية ضدها منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، ولعل أبرز فصولها ما اصطلح على تسميته بـ (قانون داماتو) الذي شرع في عام 1996 ويقضي القانون بحرمان الشركات التي تتعاون مع إيران من دخول السوق الأميركية أو الحصول على ضمانات تزيد على عشرة ملايين دولار في السنة من بنك الاستيراد والتصدير الأميركي، وكذلك حظر الاشتراك بالعقود الحكومية أو الاتجار بالسندات التي تصدرها الخزانة الأميركية.

وأقر الكونغرس الأميركي تمديد العمل بقانون داماتو لمدة خمس سنوات أخرى بدءاً من أغسطس 2001، رغم مواجهته لانتقادات عدة من الشركات الأميركية معتبرة هذه العقوبات تفوت عليها فرصًا كبيرة في الاستثمارات النفطية بإيران التي تستحوذ على 20% من احتياطي البترول في العالم أي ما يربو على 93 مليار برميل.

محاولات الخروج من الأزمة
وتحاول طهران ومنذ عقد التسعينات الهروب من العقوبات الأميركية من خلال تحسين علاقاتها الاقتصادية بالدول الآسيوية والعربية وأوروبا. فنجحت طهران بتفعيل علاقاتها الاقتصادية مع السعودية ووقعت مع الكويت وقطر معاهدات للتبادل التجاري. وتمكنت إيران من استمالة كل من ألمانيا وفرنسا بالدخول في برامج تطوير إنمائي اقتصادي مشترك.

ونجحت إيران كذلك بتأمين أسواق آسيوية لاستيعاب كمية البترول التي كانت تستوردها الشركات الأميركية والتي تبلغ 60 ألف برميل يوميًّا بعد توقف هذه الشركات عن استيرادها نتيجة الحظر المفروض عليها.

وتحركت إيران صوب روسيا، حيث تم الاتفاق على إنشاء شركات مشتركة في مجال التنقيب عن البترول وإنتاجه. يضاف إلى ما سبق ظهور مشروع باسم "طريق الحرير" وهو خط يصل الصين بأوروبا، ويصل الشرق الأوسط والخليج العربي بالمحيط الهندي عبر إيران، كما يربط إيران بدول آسيا الوسطى.

وتزامن مع ضروف إيران الاقتصادية الصعبة شن الإدارة الأميركية حملة إعلامية ودبلوماسية مكثفة على طهران للعودة عن برنامجها النووي ودعمها لما تسميه الإدارة الأميركية تنظيمات إرهابية وتقصد بها حركة حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين وحزب الله في لبنان.
_______________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة