أميركا والعرب: مسار التطور التاريخي للعلاقة   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:40 (مكة المكرمة)، 16:40 (غرينتش)

*إعداد/ قسم الدراسات والبحوث

تميز المنحنى البياني للتطور التاريخي لعلاقة الولايات المتحدة الأميركية مع الدول العربية بالصعود الدائم من اختيار مبدأ العزلة وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى إلى محاولة فرض الهيمنة الأميركية على المنطقة، وصولا إلى ضمان مصالحها الحيوية فيها. وقد شهدت هذه العلاقة ثلاث مراحل رئيسية:

  • المرحلة الأولى من القرن التاسع عشر إلى الحرب العالمية الثانية.
  • المرحلة الثانية من الحرب العالمية الثانية إلى نهاية الحرب الباردة.
  • المرحلة الثالثة وبدأت مع إرهاصات انهيار الاتحاد السوفياتي ولاتزال مستمرة إلى الآن.

وقد أدت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 إلى منعطفات جديدة في طبيعة هذه العلاقة، مازالت تداعياتها لم تستكمل بعد.

جيمس آرثر بلفور
العلاقات في المرحلة الأولى

تأخر ظهور الولايات المتحدة على مسرح السياسات العالمية حتى نهاية القرن الثامن عشر، واتخذت مع بداية تفاعلاتها الدولية سياسة حذرة تمثلت باختيار مبدأ العزلة وما أطلق عليه بمبدأ مورنو (1823)، وقد ساعدها على هذه السياسة موقعها الجغرافي البعيد نسبيا عن التنافس بين الدول الكبرى والصراعات الدولية القائمة آنذاك. كما تمكنت خلال تلك الفترة من الاهتمام بالبناء الداخلي وتعزيز عناصر القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية.


صدر عام 1922 قرار عن رئيس مجلس الشيوخ الأميركي لمصلحة وعد بلفور يمكن المنظمات الصهيونية الأميركية من العمل والنشاط لصالح الوطن القومي لليهود في فلسطين
واتسم النشاط الأميركي في المنطقة العربية في القرن التاسع عشر بالاهتمام بقضايا بعيدة عن ميادين التنافس السياسي، وكان أبرز هذه الاهتمامات الإرساليات التنصيرية التي ارتبطت بشكل أساسي بنشاط الكنائس. يلي ذلك النشاط الاقتصادي، إذ نالت واشنطن عدة امتيازات اقتصادية من الدولة العثمانية بما في ذلك مد سكك الحديد والتنقيب عن الثروات المعدنية.

مع نهاية الحرب العالمية الأولى وزوال الدولة العثمانية ومسارعة الدول الاستعمارية إلى تقاسم ميراثها، ظهرت مبادئ الرئيس ولسن واستهوت العرب الذين كانوا يحاولون الفكاك من الخطط الاستعمارية. لكن الجهود العربية في ضمان انحياز القوة الناشئة الجديدة (الولايات المتحدة) إلى جانب قضاياهم باءت بالفشل، وعجزت الوفود العربية بما في ذلك وفد سعد زغلول في الوصول إلى تطبيق تلك المبادئ على المنطقة العربية.

ولم تشارك الولايات المتحدة في تقاسم تركة الدولة العثمانية من الدول العربية، واكتفت بأدوار تنصيرية وثقافية واقتصادية تمثل البعد التنصيري بالإرساليات المدعومة من جانب الحكومة والكنائس. أما البعد الثقافي فقد تمثل في عمليات البحث والتنقيب عن الآثار، بيد أن البعد الأخطر والذي لعب دورا رئيسا –ولا يزال– هو البعد الاقتصادي، بالإضافة إلى حرص الولايات المتحدة على إقامة علاقات دبلوماسية مع عدد من حكومات المنطقة. وكان من أبرز النشاطات الاقتصادية بين الحربين العالميتين حصول الولايات المتحدة على امتيازات بشأن استثمار النفط (من خلال معاهدة عام 1924). ولم تكن هذه الاستثمارات من الوجهة القانونية تابعة لوزارة الخارجية، وإنما لمؤسسات وشركات مستقلة.

وبخصوص القضية الفلسطينية فقد استطاعت بريطانيا ربط الحكومة الأميركية بوعد بلفور، حيث صدر قرار عن رئيس مجلس الشيوخ الأميركي في مايو/ أيار 1922 لمصلحة الوعد. وبموجب معاهدة "الأنجلوأميركية " (3 ديسمبر/ كانون الأول 1924) فقد تمتع المواطنون الأميركيون بحقوق إنشاء مختلف المؤسسات والجمعيات التعليمية والخيرية والدينية في فلسطين، وتمكنت بموجب هذه المعاهدة المنظمات الصهيونية الأميركية من العمل والنشاط لصالح الوطن القومي لليهود في فلسطين.

ورغم بناء الولايات المتحدة سياستها الخارجية –حتى إعلان الحرب العالمية الثانية– على أساس حماية حقوقها التجارية ومصالح رعاياها، مع تجنب التورط السياسي في منطقة نفوذ أوروبي مباشر، فإن إعلان روزفلت (18 فبراير/ شباط 1943) بأن "السعودية أصبحت من الآن فصاعدا ذات ضرورة حيوية للأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية" شكّل نقطة تحول جديدة في هذه السياسة وساهم في زيادة الاهتمام الأميركي في المنطقة، وبالتحديد محاولة زيادة النفوذ داخل منطقة الخليج العربي خاصة في المملكة العربية السعودية.

وقد بدا واضحا مع إرهاصات نهاية الحرب العالمية الثانية أن التنافس بين بريطانيا وأميركا على المصالح الاقتصادية في الشرق الأوسط وخاصة حقول النفط، وصل إلى درجة متقدمة. وتجلى هذا التنافس عبر المفاوضات بين البلدين عام 1944، إذ أكدت الولايات المتحدة أن لها مصالح اقتصادية وإستراتيجية في نفط السعودية كما هو الحال بالنسبة لمصالح بريطانيا في نفط إيران.

العلاقات في الحرب الباردة
جمال عبد الناصر
أدت الحرب العالمية الثانية إلى تلاشي النظام الدولي السابق وظهور نظام دولي جديد سمي بالحرب الباردة، فقد خرجت الدول الكبرى السابقة منهكة متعبة من هذه الحرب تسعى إلى إعادة إعمار ما دمرته الحرب. وظهرت قوتان جديدتان تحمل كل واحدة منهما مشروعا أيدولوجيا مناقضا لمشروع الأخرى وتمتلكان أسلحة تدميرية فائقة وتدخلان في سباق للتسلح ولبناء الأحلاف المؤيدة. فقد بدأ الاتحاد السوفياتي بقيادة العالم الشيوعي، في حين بدأت أميركا بقيادة العالم الغربي. وظهرت سياسات وإستراتيجيات جديدة في العلاقات والتفاعلات الدولية مثل: سياسة الردع، ونظرية الدومينو، وإستراتيجية الاحتواء.

أما في المشهد السياسي العربي فقد بدأت الدول العربية بالحصول على الاستقلال السياسي بالتدريج منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأخذت الدول القطرية الجديدة تسعى لبناء وجودها ودورها السياسي. كما بدأت الولايات المتحدة على الفور مع إرهاصات نهاية الحرب الثانية بملء الفراغ الناجم عن أفول القوة العسكرية البريطانية في المنطقة.

وقد تركز الاهتمام الأساسي للولايات المتحدة في مواجهة الخطر السوفياتي، حيث أعلن ترومان في مارس/ آذار 1947 أن أميركا ستضطلع من الآن بالتدخل المباشر ليس في أوروبا الغربية فحسب، بل وكذلك في شرقي البحر المتوسط والشرق الأدنى بهدف تقديم المساعدات العسكرية والاقتصادية للدول والحكومات المعارضة للأيدولوجية والسياسات السوفياتية.

وبدأت أميركا مباشرة بناء الأحلاف الدفاعية في المنطقة -أو ما سمي بمواضعات القوة– لمنع ومحاصرة المد الشيوعي واحتوائه، وسعى وزير الخارجية الأميركية دالاس إلى ربط الدول العربية بأحلاف تابعة لبلاده، وحاول إنشاء حلف بغداد إلا أنه لم يكتب له النجاح لمعارضة غالبية الدول العربية له وعدم تقبل النظام الإقليمي العربي له آنذاك.

وفي الخمسينات بدأ المد القومي بالانتشار وظهرت شخصية جمال عبد الناصر التي شكلت علامة بارزة في طبيعة العلاقة الأميركية–العربية. ففي البداية حاول عبد الناصر الحصول على الدعم الأميركي لمصلحة القضايا العربية، لكنه وجد اختلافا في التوجهات فاتجه إلى الاتحاد السوفياتي وأعلن تأميم قناة السويس مما سبب العدوان الثلاثي عام 1957، وتدخلت أميركا لصالح انسحاب الدول الثلاث من الأراضي المصرية.

غير أن الموقف الأميركي كان منحازا لصالح إسرائيل في حرب 1967، وساهمت هذه الحرب في تعزيز وتوكيد التحالف الأمريكي–الإسرائيلي. وخرجت الدول العربية من الحرب وقد فقدت كل فلسطين وجزءا من أراضيها، في حين خرجت إسرائيل منتصرة زاهية. وصرح جونسون وزير الخارجية الأميركية آنذاك يوم 19 يونيو/ حزيران 1967 بأن إسرائيل غير ملزمة بإعادة الأراضي التي احتلتها عام 1967.

أما في حرب رمضان عام 1973 فقد زاد الخلاف العربي الأميركي إلى مستوى متقدم، حيث قامت الولايات المتحدة بعمل جسر جوي لمساندة إسرائيل في الحرب. وفي المقابل استخدم العرب لأول مرة سلاح النفط في المعركة، وتم الربط بشكل أساسي بين المصالح الأميركية والغربية في النفط العربي وبين الصراع العربي الإسرائيلي. وبينما هدد كيسنجر بأنه لن يسمح باستخدام سلاح النفط في الصراع، رد وزير النفط السعودي ووزراء عرب آخرون أنهم على استعداد لتفجير منابع النفط إذا كانت هناك محاولة أميركية للسيطرة عليها.

ومع نهاية حرب رمضان انشغلت الولايات المتحدة في خطط السلام ونجحت بالفعل في دفع مصر وإسرائيل إلى التوقيع على معاهدة كامب ديفد، مما تسبب في خروج مصر من الصف العربي بعد قرار الدول العربية عزلها ونقل مقر جامعة الدول العربية إلى تونس.

وساهمت سياسة الرئيس الأميركي كارتر في الانفتاح السياسي ومهادنة الاتحاد السوفياتي وتشجيع ما سمي بالأنظمة المعتدلة في المنطقة، إلا أنه ومع نهاية السبعينات وبداية الثمانينات حدثت تغيرات جديدة في المنطقة العربية، حيث سقط نظام شاه إيران وكان يعتبر أحد الأعمدة الأميركية في المنطقة، وأيضا التدخل السوفياتي في أفغانستان، الأمر الذي حدا بالرئيس ريغان إلى إعلان الحرب الدينية ضد الإلحاد الشيوعي، ومساعدة الدول العربية والجماعات الإسلامية في حربها ضد السوفيات في أفغانستان مما أرهق القوة السوفياتية. تلا ذلك إرهاصات انهيار الاتحاد السوفياتي في نهاية الثمانينات وظهور بوادر هيمنة أميركية في العالم، وقد كانت حرب الخليج الثانية أبرز معالم التحول وانهيار النظام الدولي القديم.

الهيمنة الأميركية بعد الحرب الباردة
الهجوم الأميركي على أفغانستان
شهدت بداية التسعينات من القرن المنصرم انهيار الاتحاد السوفياتي وزوال ما يسمى بالمعسكر الشيوعي وتداعي النظام العالمي القائم على الثنائية القطبية، وانفراد الولايات المتحدة بالنفوذ في منطقة الشرق الأوسط. وقد أظهرت حرب الخليج الثانية أن الولايات المتحدة هي الدولة القادرة على توظيف مجلس الأمن والمؤسسات الدولية لصالح أهدافها، وهي القوة القادرة على تجييش العالم ضد أعدائها، واستطاعت أميركا من خلال حرب الخليج الوصول إلى منابع النفط وضمان استمرارية تدفقه دون خوف من استخدامه كسلاح من قوى أخرى.

لقد بدا واضحا أن الولايات المتحدة أعادت تعريف مصالحها الحيوية في المنطقة ومصادر التهديد ووضع السيناريوهات التي تنسجم مع مصالحها، فقد كانت سياسة الاحتواء للنفوذ الشيوعي أحد أهم أهداف السياسة الخارجية السابقة في المنطقة، أما بعد حرب الخليج الثانية فقد ربطت سياسة الاحتواء بكل من إيران والعراق "الاحتواء المزدوج".

وبالإضافة إلى ضمان أمن إسرائيل والنفط، عملت واشنطن على وضع دول المنطقة على طاولة المفاوضات. ودخلت الدول العربية مؤتمر مدريد برعاية أميركية حقيقية ورعاية روسية رمزية، وأسفر مؤتمر السلام عن توقيع كل من منظمة التحرير الفلسطينية والأردن اتفاقيات سلمية على التوالي مع إسرائيل عامي 1993 و1994. وبدأت أوساط سياسية عديدة تتحدث عن الشرق الأوسط الجديد، وعن السلام والمشاريع الاقتصادية في المنطقة.


بلا شك إن ضرب العراق والمشهد الفلسطيني من أهم محددات العلاقة المستقبلية بين أميركا والعرب

بيد أن مفاوضات الحل النهائي بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل تعثرت، ولم تفلح الخطط الأميركية في إرغام الطرف الفلسطيني على مزيد من التنازلات. واشتعلت الانتفاضة مرة أخرى عام 2000، وخرج الشارع العربي يعلن سخطه على الانحياز الأميركي للطرف الإسرائيلي. وبدا واضحا أن الأنظمة التي تسميها الولايات المتحدة بالمعتدلة "محرجة" أمام شعوبها، الأمر الذي أدى في المحصلة إلى انسداد أفق المشروع الأميركي في المنطقة. وظهرت في نفس الوقت أزمة النظام الإقليمي العربي وانقسامه بشكل كبير بين دول تدعو إلى إلغاء اتفاقيات السلام (سوريا)، ودول تدعو إلى فتح باب الجهاد (اليمن والعراق)، ودول تدعو إلى مبادرات سلمية جديدة وإخراج عملية السلام من مأزقها (السعودية، مصر، الأردن)، ودول تستجدي الولايات المتحدة لوقف المذابح الإسرائيلية.

وظهرت دعوات عربية شعبية وفلسطينية جديدة للعودة إلى سلاح النفط لإجبار الولايات المتحدة على أداء دور محايد والقبول بوجود قوات دولية لحماية الفلسطينيين، إلا أن المشهد السياسي انحصر في جرائم ومذابح إسرائيلية بحق الفلسطينيين وضوء أخضر أميركي وحالة من العجز العربي الواضح.

في ضوء هذا المشهد جاءت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول التي غيرت وجه التفاعلات والعلاقات الدولية وحركت العالم، فأصبحت الولايات المتحدة في صراع مكشوف ومباشر مع الحركات الإسلامية الجهادية التي حولت الإسلام السياسي من عدو مفترض يتحدث عنه المنظرون الإستراتيجيون الأميركيون إلى عدو حقيقي تواجهه أميركا عسكريا في أفغانستان وأمنيا وإعلاميا واقتصاديا خارج أفغانستان.

وأعلنت الولايات المتحدة الحرب على حركات الجهاد باسم الحرب على الإرهاب، وبادرت الدول العربية شبه الحليفة إلى تأييد الحملة الأميركية، وكذلك الدول العربية الأخرى (دول الشمال الأفريقي) حتى الدول المارقة (كما يصفها المنظرون الأميركان) –باستثناء العراق– قدمت معلومات ومساعدات أمنية للأميركان (سوريا والسودان)، لتظهر أميركا بعد هجمات سبتمبر/ أيلول مصممة على تنفيذ إرادتها على دول العالم الأخرى.

وما أن انتهت أميركا من أفغانستان حتى توجهت صوب العراق متحججة تارة بعدم قبوله بعودة المفتشين، وتارة أخرى بامتلاكه أسلحة الدمار، وتارة ثالثة بتعاونه مع تنظيم القاعدة، في حين مازالت حليفتها إسرائيل تضرب الفلسطينيين بعنف، والنظام العربي يقف مكبلا أمام هذا المشهد الإقليمي القلق، وحالة من الإحباط تسود الشارع العربي.

وبلا شك فإن الضربة المحتملة للعراق والمشهد الفلسطيني من أهم محددات العلاقة المستقبلية بين أميركا والعرب، إضافة إلى التصورات الإستراتيجية الأميركية الموضوعة للمنطقة العربية، وقد يتضمن ذلك تغير خارطة الجغرافيا السياسية.
ـــــــــــــــــــ
* الجزيرة نت.

المصادر
1-
خيرية قاسمية، السياسة الأميركية والعرب، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1982.
2- إسماعيل صبري مقلد، الإستراتيجية والسياسة الدولية.. المفاهيم والحقائق الدولية، مؤسسة الأبحاث العربية، 1979.
3- امتطاء النمر، مجموعة من الباحثين، ترجمة مركز الإمارات للدراسات والبحوث، 2000.
4- شبلي تلحمي، السياسة الأميركية في الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي، مركز الإمارات للدراسات والبحوث، ط1، 1997.
5- مراد بطل الشيشاني، أحداث 11 سبتمبر وأثرها على المجتمعات العربية والحركات الإسلامية، بحث غير منشور.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة