الحركة الإسلامية في تركيا: أزمة العلمانية الشاملة   
الثلاثاء 1427/10/9 هـ - الموافق 31/10/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:40 (مكة المكرمة)، 10:40 (غرينتش)


بشير موسى نافع

سمح إقرار دستور تركي جديد عام 1961 باستئناف الحياة السياسية الحزبية، واتسمت الحياة السياسية التركية في الستينيات بحالة من الاستقطاب، خاصة بعد اتساع نشاط القوى اليسارية والقوى القومية اليمينية، فيما شهدت المرحلة التالية وقوع انقلابين وجملة أحداث داخلية وخارجية كان من بينها وصول التيار الإسلامي السياسي الى قلب المشهد السياسي التركي.

وقد قسمت المقالة إلى قسمين يتناول كل قسم مجموعة من المحاور تعالج أزمة العلمانية التركية في ظل تنامي وجود الحركات والتيار الإسلامي.

القسم الثاني

الحركة الاسلامية الحديثة
تنازلات شكلية للعلمانية

علمانيون بخلفيات إسلامية

المثال التركي

الحركة الإسلامية الحديثة

في العام 1970، قام أستاذ جامعي شاب للهندسة الميكانيكية تلقى دراسته العليا في ألمانيا، هو نجم الدين أربكان، بتأسيس حزب جديد تحت اسم حزب النظام الوطني.

دافع حزب النظام الوطني عن الديمقراطية التركية، وتضمن خطابه قبولا ضمنيا بالدولة التركية الحديثة وبالأساس القومي لتركيا. ولكن برنامج هذا الحزب كان أكثر إسلامية من أي تعبير تركي سياسي آخر منذ ولادة جمهورية أتاتورك. كانت هذه هي بداية الحركة الإسلامية الحديثة في تركيا الجمهورية.

"
عام 1970 مثل بداية الحركة الإسلامية الحديثة في تركيا من خلال حزب النظام الوطني بزعامة أربكان
"

أثار التشظي المتزايد في الساحة السياسية المؤسسة العسكرية التي نصبت نفسها منذ 1960 حارسا معلنا للجمهورية القومية العلمانية.

وفي مارس/ آذار 1971 تدخل الجيش من جديد لفرض استقالة حكومة سليمان ديميريل ومنع حزبي النظام الوطني الإسلامي والعمال اليساري، إضافة إلى إدخال تعديلات طالت 35 مادة من مواد دستور 1961.

استهدفت التعديلات تعزيز سلطة الدولة على وسائل الإعلام، وفرضت حظرا متشددا على استخدام الدين في السياسة، ومنح سلطات أعلى لمجلس الأمن القومي.

ولكن الانقلاب العسكري المقنع لم يضع نهاية لوجود أربكان ورفاقه الذين عادوا للعمل السياسي باسم حزب الإنقاذ الوطني. وفي انتخابات 1973 نجح حزب الإنقاذ في الحصول على 49 مقعدا، ليصبح التحالف معه ضروريا لتشكيل حكومة مستقرة، نظرا لأن حزب العدالة بقيادة ديميريل حصل على 149 مقعدا وحزب الشعب الجمهوري بقيادة بولند أجويد على 185 مقعدا. وهكذا، ذهب أجويد إلى التحالف مع أربكان لتشكيل حكومته الأولى في يناير/ كانون الثاني 1974.

كان تحالف الطرفين براغماتيا وليس أيديولوجيا، ومدفوعا برغبة أربكان بالحصول على اعتراف مؤسسة الدولة التركية بوجوده ووجود حزبه كطرف أصيل في الساحة السياسية. في صيف العام نفسه، وجدت حكومة أجويد- أربكان نفسها في مواجهة الأزمة القبرصية. وعندما أخذت الحكومة قرارها بإنزال القوات التركية في شمال قبرص، خرج الأتراك بمئات الألوف إلى الشارع يحيون حكومتهم، مطلقين لقب الغازي على أربكان وأجويد.

ولكن السبعينيات كانت فترة اضطرابات داخلية كبرى في تركيا، فقد اتسع نطاق الصدامات بين العناصر اليسارية من جهة والإسلامية والقومية من جهة أخرى، لا سيما في الجامعات. كما أن تصاعد معدلات التضخم كان يدفع اقتصاد البلاد إلى الانهيار. وسرعان ما واجهت تركيا واحدة أخرى من اللحظات التحولية الرئيسية في تاريخها. وكانت قوة الإسلام السياسية هي التي فرضت ذلك التحول.

في فبراير/ شباط 1979، انتصرت الثورة الإسلامية في إيران، وبدأت الدول الغربية الرئيسة تنظر إلى الإسلام السياسي باعتباره مصدر خطر وتهديد. وفي السادس من سبتمبر/ أيلول 1980 دعا حزب الإنقاذ الوطني إلى تجمع جماهيري كبير للاحتجاج على قيام الدولة العبرية ضم مدينة القدس. كانت التظاهرة واحدة من كبرى التظاهرات الجماهيرية في التاريخ التركي، وقد رآها كثيرون حركة توكيد على هوية تركيا الإسلامية وارتباطها بالعالم الإسلامي، ومؤشرا على أن خطر الإسلام السياسي بات يطال تركيا نفسها، ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف الناتو.

بعد ستة أيام فقط قاد رئيس الأركان التركي الجنرال كنعان إيفرين انقلابا عسكريا، وضع البلاد تحت سلطة مجلس الأمن القومي، وحل البرلمان وعطل الدستور وألقي القبض على قادة الأحزاب السياسية، وبدأت حملة أمنية واسعة ضد النشطين الإسلاميين واليساريين على السواء، بهدف إحكام سيطرة الدولة ووضع حد للانهيار الأمني والسياسي. ولكن السنوات القليلة التالية أثبتت أن كنعان إيفرين، سواء لقناعات خاصة أو لإدراكه حقائق الواقع، كان يسعى إلى إحكام سيطرة الدولة على الشأن الإسلامي لا العودة إلى صدام الدولة العدمي مع الإسلام.

تنازلات شكلية للعلمانية

عام 1983 اكتملت صياغة دستور جديد، وقد جاء نص الدستور طويلا ومنهكا إلى الحد الذي جعله أكثر الدساتير تعاملا مع التفاصيل، وهو ما عكس القلق المتزايد في أوساط المؤسسة العلمانية تجاه قوة وفعالية التيار الإسلامي.

من ناحية أخرى، وعلى خلاف دستور 1961، جاء الدستور الجديد ليوجه تركيا نحو اقتصاد السوق، ولكن المشكلة لم تكن مشكلة دستورية لأن الجيش نفسه هو الذي أشرف على كتابة الدستور السابق، الذي اعتبر الضمان الأكبر للعلمانية، المشكلة كانت القطيعة الحادة بين إسلام الناس والعلمانية الصارمة للدولة، وهو ما دفع النظام إلى محاولة حل الإشكال عمليا بالسماح بالتعبيرات الإسلامية، طالما كانت غير سياسية ولا تهدد بنية الدولة.

"
مشكلة تركيا كانت القطيعة الحادة بين إسلام الناس والعلمانية الصارمة للدولة، ولذلك قام نظام الحكم بالسماح بالتعبيرات الإسلامية غير السياسية
"

وجد العسكريون ضالتهم في تورغوت أوزال، رجل الاقتصاد الليبرالي الذي تحدر من عائلة محافظة. تولى أوزال، كرئيس لحزب الوطن الأم، رئاسة الوزراء بين 1983 و1991. وفي 1987، سمح للقيادات الحزبية الأخرى بالعودة للعمل السياسي. شكل ديميريل حزب الطريق القويم، الليبرالي المحافظ، وشكل أجويد حزب اليسار الديمقراطي، بينما شكل إيردال إينونو الحزب الاجتماعي الديمقراطي. وعاد الإسلاميون بقيادة أربكان في حزب الرفاه الوطني.

خلال فترة حكم أوزال رئيسا للوزراء وإيفرين رئيسا للجمهورية، شهدت تركيا أكبر حركة للانفتاح الاقتصادي، الذي واكبه بعض من الانفتاح السياسي والاجتماعي، وهو ما ساعد التيار الإسلامي على الانتشار. وقد أسهم في تعزيز القواعد الاقتصادية للإسلاميين المنح الأوروبية التي استهدفت النهوض الاقتصادي بالأناضول، المنطقة التي اعتبرت دائما معقل التيار الإسلامي. ولكن نهوض الأناضول الاقتصادي لم يضعف الإسلاميين، بل أدخل إلى القاعدة الاقتصادية والصناعية التركية صنفا جديدا من رجال الأعمال: الأناضوليون الإسلاميون الذين سيلعبون دورا هاما في موازين السياسة التركية خلال سنوات قليلة.

ولم تقف الأمور هنا، فقد فتحت حقبة إيفرين/ أوزال الباب لتوسع المدارس الدينية التي كانت قد ظهرت للمرة الأولى في عهد مندريس. كما دخل الإسلاميون حقل الثقافة والإعلام بتأسيسهم عددا من الصحف ودور النشر ومحطات الإذاعة والتلفزة الخاصة.

وصلت محاولة الدولة استيعاب الإسلام ذروتها عندما أخذ قصر رئاسة الجمهورية خلال فترة تولي أوزال الرئاسة بين 1991 و1993 في استضافة احتفالات دينية صوفية بالمولد النبوي الشريف، بينما كان الإسلاميون يتوسعون في البيئة الليبرالية الجديدة.

في النهاية، وكما أظهرت التجربة المصرية في عهد الرئيس السادات، لم تستطع الدولة التحكم في القوة الصاعدة للإسلام السياسي. وفي انتخابات 1996، نجح حزب الرفاه في الحصول على أكبر كتلة برلمانية، ما جعله مؤهلا لتشكيل الحكومة إن استطاع عقد تحالف مع إحدى الكتل البرلمانية الأخرى.

وبعد مباحثات طويلة وشاقة توصل أربكان إلى اتفاق مع السيدة تانسو تشلر رئيسة حزب الطريق القويم على أساس توليه رئاسة الوزراء نصف الفترة البرلمانية، يتخلى بعدها عن الموقع لتشلر نصف الفترة التالية.

نجحت حكومة أربكان–تشلر في خفض معدلات التضخم وفي إطلاق حالة من النمو الاقتصادي غير المسبوق. ولأن أربكان كان يدرك حجم الدور الذي تلعبه القيادات العسكرية عبر مجلس الأمن القومي فقد تجنب ما أمكن الصدام مع جنرالات الجيش، حتى عندما تعلق الأمر بالعلاقات التركية–الإسرائيلية التي طالما شجبها.

من ناحية أخرى تجاهل أربكان مسألة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي وعمل بجهد كبير على توجيه الاقتصاد التركي نحو المنطقة العربية والعالم الإسلامي. وفي محاولة لإقامة تحول إستراتيجي في وجهة تركيا، دعا أربكان إلى قيام مجموعة اقتصادية من الدول الإسلامية الرئيسة، بما في ذلك مصر والسعودية وإيران وماليزيا. ورغم أن المجموعة عقدت لقاء لها فإن عدم حماس عدد من أعضاء المجموعة للمشروع ثم تنحي أربكان عن موقعه وضع حدا لعملها.

لم يستمر أربكان في موقعه سوى عام واحد فقط، وقد وجد في صيف 1997 أن أمامه إما الاستقالة أو أن تتعرض البلاد لانقلاب عسكري جديد. ونظرا لأن أربكان حاول جهده تجنب استفزاز الجيش على أي نحو من الانحاء، فقد كان من الصعب في ذلك الحين قراءة الأسباب التي أدت إلى قيام الجيش بإجبار أربكان على الاستقالة، سوى توجهاته الإسلامية المعروفة. وكان على دارسي الشأن التركي الانتظار عقدا آخر قبل أن يدركوا حقيقة الصراع في تركيا وعليها.

علمانيون بخلفيات إسلامية

في 1998، حظر حزب الرفاه من العمل السياسي، وبدأ القضاء التركي في ملاحقة أربكان وعدد من قادة حزبه بتهم مختلفة تتعلق بانتهاك مواثيق علمانية الدولة وإهانة رموزها. لجأ أربكان وقيادات حزبه إلى المخرج التركي التقليدي بتأسيس حزب جديد باسم الفضيلة. ولكن حزب الفضيلة تعرض هو الآخر للحظر سنة 2000، وبدا واضحا أن القوى العلمانية النافذة في الجيش وبيروقراطية الدولة وجهاز القضاء ستقوم بكل ما بوسعها لمنع أربكان من الحصول على الدعم الانتخابي الكافي للمشاركة في الحكم.

وهنا بالذات بدأت التشققات في الظهور داخل حزب أربكان وفي صفوف أتباعه.

لم يكن سرا في الأوساط التركية الإسلامية أن أربكان يقود حزبه كسلطان عثماني، وأنه يصر على إدارة شؤون الحزب كافة، صغيرها وكبيرها، حتى أثناء الفترات التي منع فيها من ممارسة العمل السياسي.

وبعد أن مضى زهاء ثلاثة عقود على بروزه في الساحة السياسية التركية، كان أربكان قد أصبح عبئا على زملائه أكثر منه مصدر إلهام لهم. ولا يخفى أن تقدم العمر من ناحية وطموحات جيل جديد من الشبان الأتراك الإسلاميين من ناحية أخرى قد لعبت دورها في انشقاق الحزبيين الإسلاميين على أنفسهم. ولكن الانشقاق هذه المرة حمل صبغة فكرية أيضا.

في فبراير/ شباط 2000، قال رجب طيب أردوغان، القيادي البارز في حزب الفضيلة، "إن من الخطأ أن نساوي الحزب بالدين والدين بالسياسة. إننا لا نهدف إلى تأسيس دولة إسلامية، ولسنا حزبا ثيوقراطيا، أما في حال انخراط الناس الأتقياء في الحياة السياسية، مع امتناعهم عن اعتبار المعايير الدينية مرجعا لهم، فلا يمكننا الحديث عن إسلام سياسي".

جاء تصريح أردوغان في سياق الدفاع عن حزب الفضيلة، ولكنه استبطن أيضا بحثا عن مخرج من مأزق العداء المستحكم بين أربكان والمؤسسة العلمانية في الدولة. وما إن صدر قرار حظر حزب الفضيلة سنة 2000، حتى أعلن أردوغان ومجموعة من رفاقه رغبتهم في تأسيس حزب مستقل.

في العام التالي ولد حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان وعبد الله غول. كان أردوغان قد التحق في سن مبكرة بحزب السلامة الوطني، وظل عضوا في كل الأحزاب التالية التي درج أربكان على تأسيسها بعد حظر سلفها. في 1985 أصبح أردوغان رئيس فرع حزب الرفاه الوطني في إسطنبول.

وفي 1994 فاز فوزا ساحقا في انتخابات رئاسة بلدية المدينة. خلال فترة رئاسته لبلدية إسطنبول، نهض أردوغان بالمدينة نهضة نوعية، ما لفت إليه الأنظار وجعله واحدا من أكثر الشخصيات السياسية شعبية في البلاد. ولكنه تعرض هو الآخر لملاحقات قضائية تتعلق بأبيات شعر قرأها في خطاب له بمدينة ديار بكر، وصفت بأنها تحمل إهانة لذكرى أتاتورك.

عندما أسس حزب العدالة والتنمية أعلن أردوغان أن حزبه سيحافظ على أسس النظام الجمهوري، ولن يدخل في مماحكات مع القوات المسلحة التركية. وقال "سنتبع سياسة واضحة ونشطة من أجل الوصول إلى الهدف الذي رسمه أتاتورك لإقامة المجتمع المتحضر والمعاصر في إطار القيم الإسلامية التي يؤمن بها 99% من مواطني تركيا".

في تصريحات أردوغان المبكرة بدا للبعض أنه ليس أكثر من إسلامي جامح الطموح، يسعى إلى استرضاء الجيش والدولة العلمانية للفوز بالحكم، ولكن الحقيقة أن أردوغان ورفاقه توصلوا إلى قناعة باستحالة نجاح حزب إسلامي في مناخ تركيا الحالي، حتى بعد 60 عاما على وفاة أتاتورك.

"
العدالة والتنمية بزعامة أردوغان ليس حزبا إسلاميا، إنه حزب علماني يحترم عقيدة الشعب التركي وإيمانه
"
ما أراده أردوغان هو إقامة توافق سياسي بين الأتاتوركية والإسلام، توافق يسمح بقيام حكم عقلاني يضع حدا لحرب الدولة على الدين، ويمنع انفجار الصراع بين أنصار الهوية الإسلامية وحراس القيم العلمانية للجمهورية. العدالة والتنمية ليس حزباً إسلامياً، ليس صورة أخرى من محاولات أربكان الماراثونية لاستعادة تركيا إلى حضن الإسلام. العدالة والتنمية هو حزب علماني يحترم عقيدة الشعب التركي وإيمانه.

بهذا المركب القلق بين الأتاتوركية والإسلام، بشعبية هائلة حازها أردوغان ورفاقه خلال سنوات إدارتهم عددا من البلديات، بدعم هائل من اتحادات التجار والصناعيين المسلمين، وبجيش من الشبان النشطين والأكفاء، أدار العدالة والتنمية حملة انتخابية غير مسبوقة في 2002. وكانت النتيجة فوزا ساحقا للحزب الجديد، وإخفاقا للأحزاب العلمانية التقليدية، يمينها ويسارها. ورغم الشكوك العميقة التي أبداها جنرالات الجيش تجاه العدالة والتنمية، لم تتحرك المؤسسة العسكرية لحرمان الفائزين من حقهم في تشكيل الحكومة.

كانت تركيا قد مرت منذ 1999 بأزمة اقتصادية طاحنة، أفقدت الليرة التركية 50% من قيمتها الفعلية. كما أعلنت قمة الاتحاد الأوروبي في هلسنكي بدء التفاوض حول سعي تركيا الترشح لعضوية الاتحاد. لم تكن الأزمة الاقتصادية، ولا النظرة الأوروبية للحكم العسكري تسمحان بتدخل الجيش المباشر في نتائج الانتخابات. وكان واضحا أن كلا من قيادة العدالة والتنمية وقيادة الجيش يراهن على عامل الزمن.

بنيت توقعات الصدام بين الجيش وحكومة العدالة والتنمية على منطق تقليدي؛ فالخلفية الإسلامية لقادة العدالة والتنمية لم تكن تخفى على أحد، والجيش هو حارس علمانية الجمهورية وعدائها لكل ما هو إسلامي. ولكن المفاجأة كانت في نجاح أردوغان ورفاقه في إدارة حكومة بالغة الكفاءة، وتطبيق برنامج إصلاح سياسي واقتصادي لم تعرف تركيا مثيلا له منذ نصف قرن على الأقل.

المثال التركي

خلال العامين الأولين من عهدها، واصلت حكومة أردوغان المباحثات الخاصة بترشح تركيا للانضمام إلى الوحدة الأوروبية. وقد استخدم أردوغان المطالب الأوروبية بتحسين أوضاع حقوق الإنسان والفصل القاطع بين السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية من أجل وضع نهاية لتدخل الجيش في شؤون الحكم. وفي خطوة تحولية، ألغي مجلس الأمن القومي بتركيبته العسكرية الطاغية واستبدلت به هيئة شورى ترتبط بمكتب رئيس الوزراء.

ضمت هيئة الشورى أغلبية من المدنيين، بما في ذلك الأمين العام للهيئة. كما أخضعت ميزانية الجيش للمرة الأولى لسلطة البرلمان والرقابة القضائية. وقد جاء الدعم الأهم لحكومة العدالة والتنمية من حيث لم يتوقع أحد، ففي سياق الحرب على الإرهاب والضغوط الأميركية لتغيير مناهج التعليم والمناخ الثقافي والسياسي في بعض الدول الإسلامية، رأت واشنطن في التوجه العلماني لإسلاميي العدالة والتنمية مثالا يمكن أن يحتذى في بلدان إسلامية أخرى.

استقبل أردوغان بترحاب في البيت الأبيض، وأبلغ جنرالات الجيش التركي معارضة واشنطن أي تحرك عسكري ضد حكومة العدالة والتنمية. ولكن ما إن بدأت عملية غزو العراق حتى اكتشفت إدارة بوش أن التعامل مع تركيا العدالة والتنمية لن يكون سهلا بالضرورة. فقد صوت البرلمان التركي، حيث يتمتع العدالة والتنمية بأغلبية مريحة، ضد السماح للقوات الأميركية باستخدام الأراضي التركية لغزو العراق. ولم يتم تدارك الأمر، إلا بعد مرور عدة أسابيع من بدء الحرب، عندما سمح أردوغان للأميركيين بتحريك إمدادات لوجستية فقط من تركيا إلى العراق.

أسهمت نجاحات الحكومة الداخلية في تعزيز شعبية أردوغان وحكومته. وسرعان ما أظهر أردوغان ووزير خارجيته عبدالله غول قدرا متزايدا من الثقة بالنفس. انتقدت حكومة أردوغان السياسة الأميركية في العراق، لا سيما التحالف الأميركي مع الأحزاب القومية الكردية. كما أعربت حكومة أنقرة عن قلقها تجاه أوضاع تركمان العراق. ثم فاجأ أردوغان كثيرين بتوجيه انتقاد لاذع لسياسة الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في الضفة والقطاع.

ورغم أن البعض أشار حينها إلى توتر في العلاقات التركية– الإسرائيلية نظرا لتزايد التقارير حول نشاطات إسرائيلية في شمال العراق فإن تصريحات أردوغان ذكرت بالتزام أربكان التاريخي بالقضية الفلسطينية. ولكن تغييرا ما شاب سياسة حكومة العدالة والتنمية في العام الثالث من ولايتها. انسحبت السياسة التركية كليا تقريبا من العراق، وتوقفت الانتقادات الموجهة للإسرائيليين. وفي مطلع مايو/ أيار 2005 وصل أردوغان وبرفقته زوجته في زيارة لإسرائيل جذبت اهتماما عالميا بالغا. التقى أردوغان رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون وعرض علنا التوسط في عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

لم يلق اقتراح الوساطة استجابة، وقد فسر أردوغان سعيه إلى تحسين العلاقات التركية– الإسرائيلية بالرغبة في فتح الطريق لمساعدة الفلسطينيين. ولكن الواضح أن زيارة الدولة العبرية، في وقت يتعرض فيه الفلسطينيون للبطش الإسرائيلي، كان تنازلا كبيرا من رئيس حكومة العدالة والتنمية. ولم ينته الأمر هنا، فبعد أسابيع من زيارة إسرائيل قامت حكومة أردوغان باستضافة أول لقاء رسمي بين الإسرائيليين والباكستانيين. وبدا كأن تركيا بدأت تلعب دور الوسيط فعلا، ليس بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل بين دول إسلامية وإسرائيل.

"
في تركيا اليوم محاولة لايجاد منطقة توازن بين الاسلام والعلمانية في تجربة تختلف في ظروفها عن تجربة مندريس في الخمسينيات التي انتهت نهاية دموية
"
لم تأت هذه المتغيرات في السياسة الخارجية لحكومة أردوغان من فراغ. فقد شهدت الأشهر الأولى من 2005 قيام أوساط مرتبطة بالمؤسسة العسكرية بممارسة ضغوط وطرح إغراءات من أجل فك ارتباط العديد من نواب العدالة والتنمية عن حزبهم. وشهدت الفترة نفسها تزايد الضغوط الأميركية على الحكومة التركية فيما يتعلق بسياستها تجاه العراق وفلسطين. كما أن القرار الأوروبي بخصوص ترشح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي كان قد اقترب.

وبالفعل، فقد أسهم التغيير في سياسة حكومة أردوغان الخارجية في تخفيف الضغوط الأميركية، وفي تهدئة الضغوط الداخلية، على الأقل إلى حين. وفي أكتوبر/ تشرين الأول، أعلن مؤتمر وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي الموافقة على ترشيح تركيا لعضوية الاتحاد، وانطلاق المفاوضات الطويلة المتعلقة بالعضوية. وبدا وكأن مشكلة الإسلاميين مع الدولة التركية ليست مشكلة داخلية دائما، بل ربما هي في جلها مشكلة خارجية.

لا أحد يمكنه التنبؤ بالمستقبل الذي تسير إليه تركيا. حتى أتاتورك نفسه لم يخطر على خياله أن الدولة التي بناها ستواجه الصعوبات التي أخذت في مواجهتها خلال عقدين فقط من وفاة مؤسسها. المحاولة الحالية لإيجاد منطقة توازن بين العلمانية المعادية للدين والإسلام ليست المحاولة الأولى. فقد انتهت التجربة التي خاضها عدنان مندريس نهاية دموية. ولكن تركيا اليوم تختلف كثيرا عن تركيا الخمسينيات. ليس فقط لأن التيار الإسلامي بات أكثر قوة وانتشارا، بل أيضا للعلاقة بالغة التعقيد بين تركيا وأوروبا. فقد أصبحت صلات الحب والكراهية التي تربط أوروبا الموحدة بتركيا، الآسيوية والأوروبية والعلمانية والإسلامية في الآن نفسه، ضمانة قوية لاستقرار الحكم المدني في أنقرة ولتقليم أظافر مؤسستها العسكرية.

ولا يمكن إغفال الحكمة والنزاهة والإحساس بالواجب الذي يميز قادة العدالة والتنمية. بل وربما أصبح من الممكن القول إن تركيا العدالة والتنمية قد تصالحت أخيراً مع نفسها. وليس هناك من شك في أن نجاح أو فشل تجربة العدالة والتنمية سيطرح سؤالاً أكبر حول ما إن كان المثال التركي صالحاً للاستعارة والتطبيق في مناطق أخرى من العالم الإسلامي.
_______________
باحث فلسطيني

عودة إلى القسم الأول

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة