القضية الكردية في سوريا   
الأحد 14/5/1427 هـ - الموافق 11/6/2006 م (آخر تحديث) الساعة 9:56 (مكة المكرمة)، 6:56 (غرينتش)

محمد موسى محمد

تم تقسيم كردستان بين عدة دول، أهمها أربع من دول المنطقة هي إيران وتركيا والعراق وسوريا، إضافة إلى أجزاء ألحقت بروسيا أثناء حروبها مع الدولة العثمانية، وهكذا صار الشعب الكردي من أكبر الشعوب التي بقيت إلى الآن محرومة من كافة حقوقها القومية، ويتم أحيانا إنكار وجودها وطمس ثقافتها.

ملامح الانتشار
الكرد والحركة السياسية

المشروع الوطني

ملامح الانتشار


ارتبط مصير الشعب الكردي في سوريا بمصير باقي أبناء الشعب السوري، بموجب اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، وهو يشكل الآن أحد المكونات الأساسية للشعب السوري ويقطن في مناطقه الرئيسية في شمال شرقي سوريا، في الجزيرة السورية، ومنطقة كوباني (عين العرب) وعفرين في شمال حلب، كما تسكن أعداد كبيرة منه في مدينة


حلب ومدينة دمشق، وفي محافظات حماه والرقة واللاذقية ومنطقة
حوران.

"
ارتبط مصير الكرد ببقية أبناء الشعب السوري وهم ينتشرون في شتى المدن السورية

"
ومنذ الربع الأخير من القرن العشرين زاد عدد الكرد في محافظة دمشق والمحافظات الداخلية عموماً بسبب هجرة الشباب العاطلين عن العمل الذين
يبحثون عن لقمة عيشهم، كما هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى مختلف الدول الأوروبية وخاصة ألمانيا بسبب سياسة الاضطهاد القومي التي مارستها الحكومات المتعاقبة على سوريا وبحثاً عن لقمة العيش، علماً بأن الوجود القومي الكردي في محافظتي دمشق واللاذقية وغيرهما من المحافظات الداخلية يعود في قسم كبير منه إلى أيام القائد الكردي صلاح الدين الأيوبي، أي إلى أكثر من 800 عام.

ويتكلم الكرد السوريون كلهم اللغة الكردية وتحديداً اللهجة الكرمانجية، ولا توجد موانع لغوية في تفاهمهم، إلا أن الأكراد المقيمين في دمشق منذ القديم وكذلك أكراد اللاذقية وحوران وحماه يتكلمون العربية ونسيت أجيالهم الجديدة اللغة الكردية، وبالنظر إلى أن الدولة تمنع تعلم اللغة الكردية كما تمنع تعليمها رسمياً فإن تعلم الأكراد للغتهم الكردية يتم داخل أسرهم، كما تقوم الأحزاب الكردية بفتح دورات سرية لتعليم اللغة قراءة وكتابة وتم استبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية الأكثر ملاءمة مع اللغة الكردية.

وبخصوص عدد الكرد في سوريا فلا توجد إحصائيات رسمية حول عددهم، بالنظر إلى أن السلطة في سوريا تعتبر جميع المقيمين على الأرض السورية عرباً، غير أن آخر التقديرات تشير إلى أن الكرد السوريين يشكلون حوالي 15% من سكان سوريا، أي حوالي ثلاثة ملايين نسمة.[ هذا الرقم يمثل رأي الكاتب، حيث تشير تقديرات اخرى الى ان عدد الكرد في سوريا ربما يكون بحدود المليونين أو أنهم لايزيدون على مليون شخص فقط (الجزيرة نت) ].

وأهم المدن في المناطق الكردية السورية هي مدينة القامشلي التي تقع على الحدود السورية التركية والمتاخمة لمدينة نصيبين التاريخية في تركيا، ومدينة ديريك التي تم تعريب اسمها إلى مدينة المالكية، ومدينة تربه سبيي التي تم تعريب اسمها إلى القحطانية، وبلدة چل آغا التي تم تعريب اسمها إلى الجوادية، ومدينة عامودا ومدينة الدرباسية، ومدينة سري كانيي التي تم تعريب اسمها إلى رأس العين، وهذه المدن كلها تقع في الجزيرة السورية، ومدينة كوباني وعفرين وراجو وغيرها في محافظة حلب.

"
أكثرية الكرد في سوريا من المزارعين، ويقبل شبابهم على العلم وتلتحق أعداد متزايدة منه بالجامعات

"

ويقيم أكثرية الكرد في الريف ويعملون بشكل رئيسي في الزراعة، كما يعمل قسم منهم في تربية الماشية والبقر، وأهم الزراعات في المناطق الكردية هي زراعة الحبوب بكافة أصنافها والقطن والخضروات. وتعتبر منطقة عفرين الجبلية من أهم مناطق زراعة الزيتون وصناعتها في سوريا.

ويقبل الشباب الكردي على العلم بشكل واسع، حيث تلتحق أعداد كبيرة ومتزايدة منه بالجامعات السورية بالرغم من ضآلة حصولهم على فرص عمل، بينما تشكل العمالة الكردية جزءاً هاماً من العمالة الفنية الخبيرة على مستوى البلاد وبشكل خاص في قطاع البناء والصناعة، إضافة إلى أن أعدادا كبيرة منهم يعملون كأجراء في مهن الخدمات وبخاصة في المطاعم وغيرها في معظم المدن السورية، كما أن التجارة أصبحت من المهن التي يتقدم فيها الكرد بشكل ملحوظ.

ومن الناحية الدينية فإن الأغلبية الساحقة من الكرد السوريين هم من المسلمين السنة، ومن أتباع المذهب الشافعي، وتوجد بينهم فئة صغيرة من أبناء الطائفة اليزيدية يقدر عددها بحوالي 25000 نسمة تسكن في مجموعة من قرى الجزيرة ومنطقة عفرين، إلى جانب فئة أصغر منها من أبناء الطائفة العلوية التي يتركز وجودها في منطقة عفرين خاصة في قرية معبطلي.

وبخصوص وضع المرأة فمن المعروف تاريخياً أن المرأة تحتل مكانة هامة في المجتمع الكردي وتحتفظ بقدر من الحرية أوسع من المرأة في المجتمع العربي والتركي والفارسي، ويؤكد المستشرق الروسي باسيل نيكيتين ذلك في كتاباته حول الكرد، حيث يستند إلى مشاهداته الشخصية أثناء تجواله في المناطق الكردية. ولأن حرية المرأة ترتبط بشكل عام بحرية المجتمع بأكمله وبالمستوى الثقافي للمجتمع فإنها كانت إحدى المسائل التي اهتم بها المجتمع الكردي، وقد أسهم فيها كثيرا انتشار تعليم الفتاة الكردية، ونضال أحزاب الحركة الكردية السياسي والاجتماعي والثقافي الذي يولي أهمية خاصة لمسألة حرية المرأة وزجها في العمل السياسي التحرري للمجتمع.

ويتشكل المجتمع الكردي من مجموعة من العشائر هي امتداد للعشائر الكردية في كردستان تركيا وكردستان العراق، ومن العشائر الكردية
على سبيل المثال لا الحصر: 
كيكان، ملان، الدقورية، كابارا، كوجر،  آشيتي، البرازية، شيخان، بارافا، هارونا، هسنان، شكاكا، الميرسينية، 
بادلي، وغيرها الكثير من العشائر.

والحقيقة أن دور العشيرة في المجتمع الكردي في تضاؤل مستمر لمجموعة من الأسباب الموضوعية، منها التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الحاصل في الساحة السورية عموماً، ونمو الوعي القومي، ونشاط الأحزاب السياسية الكردية والتطور الثقافي بين الكرد.


الكرد والحركة السياسية

وبخصوص الحياة السياسية في المجتمع الكردي في سوريا فقد نشطت جمعية خويبون (الاستقلال) وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت هذه الجمعية تنشط على مستوى عموم كردستان غير أنه لم يكن لها تأثير كبير على المجتمع الكردي بالنظر إلى أنها كانت محصورة ضمن بعض القوميين من زعماء العشائر والبكوات، إضافة إلى أن أسلوب عملها لم يكن يساعد على إنهاض المجتمع الكردي.

أقبل الشعب الكردي في سوريا بشكل واسع على الانخراط في صفوف الحزب الشيوعي السوري وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وبداية استقلال سوريا، لأن كثيرين من الكرد رأوا في الحزب المذكور طريقاً للخلاص القومي وكان وجود خالد بكداش الكردي على رأس الحزب يشجع على ذلك، وقد لعب الحزب الشيوعي السوري فيما بعد دوراً هاماً بين الجماهير الكردية.

"
للكرد دور في طرد المستعمر الفرنسي ويكفي أن يوسف العظمة وإبراهيم هنانو من الكرد

"
بعد استقلال سوريا عام 1946 وفي الفترة التي سادت فيها الديمقراطية في الحياة السياسية في سوريا لم يكن هناك تمييز قومي واسع تجاه الكرد، وقد ساهم الشعب الكردي بشكل واسع في بناء سوريا، وفي دمشق ذاتها كان الكرد يلعبون دوراً سياسياً واجتماعياً هاماً.

غير أنه مع بدء مرحلة الانقلابات ومجيء الديكتاتوريات، وتحديداً منذ الوحدة المصرية السورية أصبح الكرد يتعرضون للاضطهاد القومي بشكل واسع، وأصبح هناك تمايز قومي شديد.

وأسهم الكرد بقوة في طرد المستعمر الفرنسي، إذ من المعروف أن يوسف العظمة الكردي وزير الحربية السوري كان أول من واجه الحملة الفرنسية، وأحد القواد الثلاثة للثورة السورية الكبرى كان المجاهد إبراهيم هنانو الكردي قائد ثورة جبال الزاوية إلى جانب المجاهدين الشيخ صالح العلي وسلطان باشا الأطرش، وكان محو بشاشو الكردي أول من أطلق الرصاص على الحملة الفرنسية في حلب. وفي الجزيرة كانت هناك انتفاضة عامودا الكردية ضد الاحتلال الفرنسي، وقد اضطرت القوات الفرنسية إلى استعمال المدفعية والطيران لإخمادها، وقاد الكرد ثورة بياندور شرق مدينة القامشلي، وقتلوا قائد الحملة الفرنسية على الجزيرة الكولونيل روغان، وبشكل عام قاسى الوطنيون الكرد من الاعتقال والنفي بسبب كفاحهم للمستعمر الفرنسي، كما خاضوا كل المعارك الوطنية السورية بما في ذلك الكفاح ضد إسرائيل، ودفعوا ضريبة الدم إلى جانب بقية الوطنيين السوريين.

وتم تأسيس أول تنظيم سياسي كردي باسم الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا في 14 /6/ 1957م، واستطاع هذا الحزب في زمن قياسي أن يجمع حوله أوسع قطاعات الكرد في سوريا، وقد تعرض للملاحقة بدءاً من مرحلة الوحدة السورية المصرية.

ولأسباب موضوعية فقد انقسم هذا الحزب في 5 آب 1965م إلى حزبين يسار ويمين، ولأسباب موضوعية وذاتية أيضاً تكررت ظاهرة الانقسامات في الحركة الكردية في سوريا وتشكلت تعددية مفرطة لا تتفق مع ضرورات واحتياجات الكرد، وتوجد الآن على ساحة العمل السياسي الكردي أحزاب عديدة منها الحزب اليساري الكردي والحزب الديمقراطي التقدمي الكردي والحزب الديمقراطي الكردي (البارتي) وحزب الوحدة الديمقراطي الكردي (يكيتي).

وهذه الأحزاب الأربعة مؤتلفة في إطار يسمى التحالف الديمقراطي الكردي في سوريا، ويضم تحالف آخر هو الجبهة الديمقراطية الكردية في سوريا أحزابا أخرى هي: الحزب الديمقراطي الكردي، الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي، الحزب الوطني الديمقراطي الكردي.

وتنسق الجبهة والتحالف سياساتهما العامة، ويتخذان مواقف مشتركة من كافة القضايا الهامة سواء على الصعيد القومي الكردي أو على الصعيد الوطني السوري، وهناك قوى سياسية كردية أخرى تعمل خارج هذين الإطارين.


المشروع الوطني

تنطلق كل الأحزاب الكردية في سوريا من الأرضية السورية، وتعتبرها ساحة نضالها الرئيسية مع التنويه بأن انطلاقها من الأرضية السورية لا يعني عدم تعاطفها مع أبناء جلدتها في كردستان العراق وكردستان تركيا وكردستان إيران وبشكل عام مع الأكراد في جميع أماكن وجودهم.

"
الأحزاب الكردية في سوريا لا تستخدم تعبير كردستان سوريا، وهي تعتبر نفسها جزءا من الحركة السياسية الوطنية والتقدمية الديمقراطية

"
كما تعتبر الكرد في سوريا جزءاً من الشعب السوري، ولا تستخدم معظم الأحزاب الكردية في سوريا تعبير كردستان سوريا، بل تعتبر نفسها جزءاً من الحركة السياسية الوطنية والتقدمية والديمقراطية في
سوريا، وتحدد أسلوب عملها بالنشاط السياسي الجماهيري الديمقراطي السلمي، وبربط نضالها مع نضال كل الوطنيين والتقدميين والديمقراطيين في سوريا على اختلاف انتماءاتهم، وهي تؤكد أنها لن تنجر إلى أساليب العنف، بل إنها ترفض وتدين بشدة كل أشكال العنف، وكل أشكال الانتقام والحروب الأهلية.

وتطالب هذه الأحزاب بتأمين حقوق الكرد  القومية المتمثلة في الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية في إطار الوطن السوري، وعدم التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو الجنس أو العرق، وإلغاء تطبيق القوانين الاستثنائية ولا سيما المرسوم التشريعي رقم 193 وغيره من الإجراءات والتدابير التي تؤدي إلى عرقلة التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للشعب الكردي، إضافة إلى سلسلة من القرارات والأوامر الإدارية التي لا يمكن حصرها، كما تناضل من أجل إطلاق الحريات الديمقراطية كحرية التعبير وحرية الصحافة.

ورغم ما حدث في مارس/آذار 2004 فيما يعرف بأحداث القامشلي فإن الحركة الوطنية الكردية في سوريا لا تعتبر نفسها حركة قومية كردية فقط وإنما تطرح نفسها كحركة وطنية على مستوى سوريا وكحركة تقدمية وكحركة ديمقراطية في آن واحد، وهي تربط نضالها القومي بالنضال الوطني السوري العام، بمعنى أن همها ليس فقط هماً قومياً كردياً، وإنما هماً وطنياً سورياً أيضاً.

وهذه الحركة تعتبر أحداث القامشلي فتنة أقدمت على افتعالها جهات محدودة من السلطة حينما أوصلت الأمر إلى استعمال الرصاص الحي ضد المواطنين الكرد في ملعب كرة القدم بالمدينة، مما أدى إلى الهبة الشعبية للجماهير الكردية في كل مناطق وجودها، وقدمت تلك الجماهيرعشرات لشهداء ومئات الجرحى وحوالي 5000 معتقل استشهد بعضهم تحت التعذيب.

وينبغي القول إن كافة الأحزاب الكردية في سوريا محظورة وغير مرخصة لها لعدم وجود قانون للأحزاب في سوريا، وهي تمارس نشاطها بشكل سري غير أنه من المعروف أن أغلبية الأحزاب السورية ومن بينها الكردية أصبحت تعمل بشكل علني منذ عام 2000 ولهذا السبب قلما تخلو السجون السورية من المعتقلين السياسيين الكرد بسبب قيامهم بأنشطة سياسية مثل القيام بالاعتصامات في العاصمة دمشق أو تنظيم الاحتفالات والندوات السياسية.... إلخ.

وتبذل الحركة الوطنية الكردية جهداً كبيراً من أجل تعزيز التلاحم الوطني بين الكرد وغيرهم من أبناء الشعب السوري بمختلف انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية، ويمكن القول إنها تحقق تقدماً ملحوظاً في هذا الاتجاه، بالرغم من صعوبة إيصال خطابها السياسي وتعقد الأوضاع الداخلية، كما يمكن القول أيضاً إن مختلف مكونات الشعب السوري والقوى السياسية في سوريا قد بدأت مرحلة جديدة تتميز بالتفهم والواقعية للواقع الكردي.

والحركة الوطنية الكردية في سوريا ترى أن حل القضية الكردية في سوريا يتم في دمشق وليس في مكان آخر، وأنه مرتبط تماماً بحل المسائل الديمقراطية لباقي أبناء الشعب السوري، وتكرس هذه الرؤية في الممارسة العملية، وهكذا فأن مواقفها هذه تنعكس بشكل إيجابي على كل الوطنيين السوريين على اختلاف أطيافهم.
___________
سكرتير الحزب اليساري الكردي في سوريا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة