تحديات العلاقات العربية الأفريقية   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 19:25 (مكة المكرمة)، 16:25 (غرينتش)


*بقلم/ د. حمدي عبد الرحمن

تبدل الظروف والأوضاع سواء على مستوى "الداخل" العربي والأفريقي أو على المستوى الإقليمي وتحييد متغير الصراع العربي الإسرائيلي, أو على المستوى الدولي بانتهاء حقبة الحرب الباردة وظهور تحديات مشتركة أمام كل من العرب والأفارقة, يفرض علينا إعادة النظر في تحليل واقع القضايا الأساسية للعلاقات العربية الأفريقية في أعوام التسعينيات.

التعاون التجاري والاقتصادي
التنافس الأميركي الفرنسي
العلاقات الإسرائيلية الأفريقية
العرب ومواجهة المخطط الأميركي

التعاون التجاري والاقتصادي

تجمعت عوامل عدة أدت في مجموعها إلى ضعف التبادل التجاري والاقتصادي بين الدول العربية وأفريقيا رغم عمق العلاقات التاريخية وقدمها، فكان نصيب كافة الدول العربية من إجمالي الصادرات الأفريقية عام 1997 هو 1.18% فقط، في حين كانت الواردات الأفريقية من العالم العربي في العام نفسه 2.47% وذلك من إجمالي واردات 45 دولة أفريقية غير عربية.

ولعل السبب في ذلك يرجع إلى اعتماد معظم الدول العربية والأفريقية في اقتصادها على المواد الخام الأولية مما يضعف قدراتها التصديرية، إضافة إلى غياب محفزات التصدير والتنسيق بين الدول العربية والأفريقية على السواء.

التنافس الأميركي الأوروبي


تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى حماية خطوط التجارة البحرية والوصول إلى مناطق التعدين والمواد الخام وفتح الأسواق أمام حركة التجارة والاستثمارات الأميركية, بالإضافة إلى دعم ونشر قيم الليبرالية ولا سيما تلك الخاصة بالديمقراطية وحقوق الإنسان ولو من الناحية البلاغية

على الرغم من التغير الذي يبدو لأول وهلة في توجهات السياسة الأميركية تجاه أفريقيا منذ عام 1989 فإن الأهداف الأميركية الإستراتيجية في أفريقيا ظلت ثابتة لم تتزحزح إذ أنها تسعى إلى:

  • حماية خطوط التجارة البحرية.
  • الوصول إلى مناطق التعدين والمواد الخام.
  • فتح الأسواق أمام حركة التجارة والاستثمارات الأميركية.
  • دعم ونشر قيم الليبرالية ولا سيما تلك الخاصة بالديمقراطية وحقوق الإنسان ولو من الناحية البلاغية.(8)

ومع ذلك، فإن المتغيرات الدولية التي سارت باتجاه العولمة الأميركية أدت إلى إعادة توجيه السياسة الأميركية نحو أفريقيا عبر التركيز على دبلوماسية التجارة كأداة للاختراق بالإضافة إلى دعم قادة أفارقة جدد.

مرتكزات السياسية الأميركية تجاه أفريقيا
وقد اتضحت ملامح هذه السياسة منذ بداية عام 1998 إذ سعت إدارة كلينتون إلى تأسيس شراكة أميركية أفريقية جديدة. على أن رفع شعار اندماج أفريقيا في الاقتصاد العالمي لن يكفي وحده لإنهاء عمليات تهميش القارة الأفريقية, ولذلك فإن السياسة الأفريقية للولايات المتحدة تعتمد على المرتكزات الأساسية التالية (9):

  1. التركيز على مناطق إقليمية معينة واختيار دولة أو أكثر تمارس دور القيادة مثل جنوب أفريقيا في الجنوب ونيجيريا والسنغال في الغرب وإثيوبيا في الشرق.
  2. طرح قضايا معينة ووضعها على قائمة السياسة الأفريقية للولايات المتحدة مثل الإرهاب والتطرف وتدفق المخدرات والجريمة الدولية وحماية البيئة وحقوق المرأة الأفريقية وهلم جرا.
  3. المحافظة على الأمن والاستقرار عن طريق إنشاء قوة أفريقية لمواجهة الأزمات, وهنا يقتصر الدور الأميركي على التمويل والتدريب.
  4. العمل على محاصرة النظم غير الموالية والتي تدعم التطرف والإرهاب من وجهة النظر الأميركية مثلما هو الحال مع السودان وليبيا.
  5. تأمين وتعزيز فرص الاستثمار والتجارة في المنطقة وهو ما يؤكد عليه مبدأ التجارة بدلا من المساعدات.

ومن الملاحظ أن الولايات المتحدة قد تركت لفرنسا ولعقود طويلة إبان الحرب الباردة المجال في أفريقيا للقيام بمهمة الشرطي. وتحاول فرنسا اليوم إيجاد صيغة جديدة للشراكة مع أفريقيا لكي تخرج من الموقف المعقد الذي وصفه وزير التعاون الدولي الفرنسي شارل جوسلين بأن "فرنسا توفر معظم المساعدات وتحصل أميركا على معظم الفوائد الاقتصادية".(10)

وفي أول جولة أفريقية له عام 1996 أكد وزير الخارجية الأميركية آنذاك وارن كريستوفر بأن الحقبة التي كانت تقسم فيها أفريقيا إلى مناطق للنفوذ قد ولت وفات أوانها.(11)

توجهات السياسية الفرنسية إزاء أفريقيا


"فرنسا توفر معظم المساعدات وتحصل أميركا على معظم الفوائد الاقتصادية"

شارل جوسلين
وزير التعاون الدولي الفرنسي

"الحقبة التي كانت تقسم فيها أفريقيا إلى مناطق للنفوذ قد ولت وفات أوانها"

وارن كريستوفر وزير الخارجية الأميركية الأسبق

وأيا كان الأمر فإن السياسة الأفريقية لفرنسا شأنها شأن السياسة الأفريقية للولايات المتحدة قد شهدت تغيرات وتحولات راديكالية, وهو ما أكده الرئيس جاك شيراك يوم 27 أغسطس/آب 1997 حينما أشار إلى عزم بلاده على عدم التدخل عسكريا أو سياسيا في الدول الفرنكفونية الأربع عشرة المتعاملة بالفرنك في أفريقيا. وقد اشتمل التغير في توجهات السياسة الفرنسية تجاه أفريقيا على ما يلي:(12)

  1. تسعى فرنسا إلى توسيع دائرة علاقاتها السياسية والتجارية لتشمل باقي دول القارة، أي أن حل مساعداتها المالية لن يقتصر على مستعمراتها السابقة إنما تستهدف باقي دول القارة.
  2. تعتزم فرنسا التخلي عن دورها العسكري من منطقة الفرنك وهو ما أكدته عملية إغلاق قاعدتين عسكريتين في جمهورية أفريقيا الوسطى والتي انطلقت فرنسا عن طريقهما للتدخل في العديد من المواقف والأزمات التي شهدتها مستعمراتها السابقة كما أن حوالي 1800 جندي فرنسي تقررت عودتهم من قواعدهم الأفريقية.

ويبدو أن السياسة الفرنسية بتركيزها على المحور الأوروبي ولاسيما قضية الانضمام للاتحاد المالي والاقتصادي الأوروبي لا تغفل في الوقت نفسه مصالحها التجارية مع أفريقيا ولاسيما مع دول معينة مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا.

تنافس خفي بين فرنسا والولايات المتحدة
ويبدو أن التوجهات الجديدة لكل من الولايات المتحدة وفرنسا إزاء أفريقيا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة قد أبرزت ولو من طرف خفي تنافسا حقيقيا بين البلدين. ويمكن للمرء أن يدرك ذلك في الحرب الأهلية الرواندية حيث كانت القوات الفرنسية هي الأسبق والأكثر عددا, وهو الأمر الذي دفع بالإعلام الأميركي إلى التركيز على المشكلة وعلى الدور الفرنسي في تزويد نظام هابياريمانا السابق بالأسلحة والمعدات.(13)

كما أن الدور الأميركي في إعادة رسم خريطة التوازن الإقليمي بمنطقة البحيرات العظمى لا يتفق مع المصالح الفرنسية، ومع ذلك فإن ثمة قدرا من التعاون والتنسيق بين الأطراف الأوروبية والأميركية في مواقفها تجاه قضايا أفريقيا.

ففي أعقاب التورط الأميركي في الصومال والتورط الفرنسي في الأزمة الرواندية اقتنع الطرفان بضرورة ترك مهام حفظ السلام للأفارقة أنفسهم. وبناء على ذلك تم الاتفاق في مايو/أيار 1997 بين كل من فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة على تقديم مشروع إلى الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية بشأن تنسيق الجهود الدولية المتعلقة بحفظ السلام في أفريقيا.


الوجود الأميركي يرتبط دوما بالوجود الإسرائيلي حيث تسعى الدولة العبرية من جراء خططها المتعلقة بالبحيرات العظمى ومنابع النيل عموما إلى فتح ثغرة في خطوط الأمن القومي والمائي العربيين

أثر التنافس الفرنسي الأميركي في العلاقات العربية الأفريقية
أيا كانت الأهداف والمصالح وراء التنافس الأوروبي الأميركي في القارة الأفريقية فإنه يقف حجر عثرة أمام تطوير العلاقات العربية الأفريقية وذلك لأكثر من متغير واحد.

فأولا: تركز هذه الدول على مناطق إقليمية معينة وتدعم قادة موالين لها, فالسلوك الأنغلو أميركي يدعم الأقليات الحاكمة في كل من رواندا وبوروندي وأوغندا, والحرص على خلق مناطق نفوذ في منطقة القرن الأفريقي الكبير يعرض المصالح العربية للخطر. وينبغي أن نشير في هذا السياق إلى قضية المياه واستخدامها كورقة ضغط في مواجهة كل من مصر والسودان.(15)

وثانيا: أن الوجود الأميركي يرتبط دوما بالوجود الإسرائيلي حيث تسعى الدولة العبرية من جراء خططها المتعلقة بالبحيرات العظمى ومنابع النيل عموما إلى فتح ثغرة في خطوط الأمن القومي والمائي العربيين وكذلك جعل أبواب المنطقة مشرعة أمام المصالح الأميركية.

وثالثا: أن هذه القوة الأجنبية تثير قضايا الفرقة والنزاع بين العرب والأفارقة, ويتضح ذلك جليا في الموقف الأميركي والأوروبي من قضية الإسلام السياسي التي يتم وصفها بالإرهاب, ومن هنا كان التبرير الأميركي لقصف مصنع الشفاء للأدوية بالخرطوم بأنه عمل مشروع لمكافحة الإرهاب وعزل الدولة الراعية له. ونظرا لأن هذه الحركات الإسلامية تنتشر في العديد من الدول الأفريقية غير العربية مثل كينيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا فإن ثمة محاولات حثيثة لترويع هذه الدول من محاولات الاختراق وزعزعة أمنها من جانب بعض الحكومات والجماعات الأصولية في العالم العربي.

ولعل موقف الولايات المتحدة من الصراع الدائر في جنوب السودان والإعلان على لسان وزيرة خارجيتها آنذاك مادلين أولبريت في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 1992 بأنها تؤيد مبادرة إيغاد (IGAD) الأفريقية وليس المبادرة المصرية الليبية, لهو من قبيل بث روح الانقسام بين العرب والأفارقة.

العلاقات الإسرائيلية الأفريقية

ظل التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا إحدى القضايا الرئيسية في منظومة العلاقات العربية الأفريقية منذ الستينيات(16), إذ كانت أفريقيا التي تؤهلها مكانتها الجيروإستراتيجية فضلا عن وجود عدد كبير من الدول بها, تتطلع للحصول على مساعدات تنموية تقنية من الخارج بمثابة الخيار المناسب أمام صانع القرار الإسرائيلي.

وقد أسهمت مجموعة من المتغيرات الدولية والإقليمية في توجيه الأنظار الإسرائيلية صوب أفريقيا ومن ذلك انعقاد مؤتمر باندونغ عام 1955 بغياب إسرائيل، ثم حصول عدد كبير من الدول الأفريقية على استقلالها في الستينيات وزيادة قدرتها التصويتية في الأمم المتحدة، إضافة إلى إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963 وتمتع الدول العربية الأفريقية بعضويتها, كل ذلك أفضى إلى هجمة دبلوماسية إسرائيلية على أفريقيا حتى أنه بحلول عام 1966 كانت إسرائيل تحظى بتمثيل دبلوماسي في كافة الدول الأفريقية جنوب الصحراء باستثناء كل من الصومال وموريتانيا.(17)

ومع التغيرات التي شهدها النظام الدولي في أعوام التسعينيات وسقوط النظم الشعبوية والماركسية اللينينية والدخول في عملية التسوية السلمية في الشرق الأوسط تسارعت عودة العلاقات الإسرائيلية الأفريقية, حتى إنه في عام 1992 وحده قامت ثماني دول أفريقية بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل لتعزيز سياستها الأفريقية بدرجة تفوق طموحاتها خلال عقد الستينيات وأوائل السبعينيات, وبالفعل توجد إسرائيل اليوم في نحو 48 دولة أفريقية. فما هو التغير والاستمرار الذي حدث في قضايا هذه العلاقة؟ وما هو انعكاس ذلك على العلاقات العربية الأفريقية؟

العرب ومواجهة المخطط الإسرائيلي

تسعى إسرائيل في مرحلة ما بعد الحرب الباردة إلى تحقيق أهدافها التوسعية بحسبانها قوة إقليمية وذلك على حساب النظام الإقليمي العربي. وللوقوف في وجه هذا المخطط ينبغي على العالم العربي:

  • تأمين البحر الأحمر.
  • التركيز على دول القرن الأفريقي.
  • الاهتمام المتزايد بدول حوض النيل.

ذلك هو التحدي الأساسي الذي يواجه عملية بناء أسس جديدة للعلاقات العربية الأفريقية وهي تدخل سنوات الألفية الثالثة من الميلاد.
_______________
أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ونائب رئيس الجمعية الأفريقية للعلوم السياسية.

* مصادر المقالة

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة