تأثير المواقف الدولية على خسارة فتح   
الخميس 1427/6/10 هـ - الموافق 6/7/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:39 (مكة المكرمة)، 11:39 (غرينتش)
 
 
مما لا شك فيه أن حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) التي قادت الحركة الوطنية الفلسطينية والنضال الفلسطيني على مدى الأربعين عاماً الماضية، وسقط منها عشرات آلاف الشهداء والجرحى والأسرى، تعرضت إلى هزيمة غير مسبوقة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي عقدت في 25 يناير/كانون الثاني 2006. حركة فتح.. العمود الفقري في منظمة التحرير الفلسطينية (م. ت. ف) تعرضت للكثير من المؤامرات والأنشقاقات الداخلية وخاصة بعد حرب عام 1982 والخروج من بيروت، هذه الحركة باعتبارها الفصيل الأساسي في (م. ت. ف) وبسبب هيمنتها عليها استطاعت أن تفرض رؤيتها وإستراتيجيتها عليها وعلى مؤسساتها السياسية. وبذلك تمكنت حركة فتح باسم المنظمة من توقيع اتفاق أوسلو في 13 سبتمبر/أيلول 1993 والاتفاقيات التي تلتها مما حقق لها العودة إلى جزء من أرض الوطن فلسطين وإنشاء أول سلطة وطنية فلسطسنية في عام 1994.
 
 

"
قناعة أميركا في عهد كلينتون أن عرفات مسؤول عن فشل مفاوضات كامب ديفد بعدما قدم له إيهود باراك تنازلات أطلقت عليها أميركا (العرض السخي) 
"
يمكن القول بأن السبب الأساسي الذي أدى إلى توقيع اتفاق أوسلو هو الحصار والعزلة التي فرضت على منظمة التحرير الفلسطينية بعد حرب الخليج في عام 1991 وتجفيف مصادر الدعم المالي والسياسي للمنظمة وفصائلها وخاصة حركة فتح. قادت حركة فتح السلطة الفلسطينية منذ إنشائها وحتى إجراء الانتخابات التشريعية في يناير/كانون الثاني 2006. لقد كان ثمن توقيع اتفاق أوسلو دعم الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي لمنظمة التحرير الفلسطينية وزعيمها ياسر عرفات مادياً وسياسياً.
 
بدأ هذا الدعم المالي والسياسي الأميركي والأوروبي والدولي يتراجع بعد فشل مفاوضات كامب ديفد في يوليو/تموز 2000 وبدء الانتفاضة الفلسطينية في 29 سبتمبر/أيلول 2000. لقد كان واضحاً بأن رفض الرئيس الراحل ياسر عرفات رئيس حركة فتح ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير القبول بالتسوية التي عرضت في كامب ديفد وإصراره على الثوابت الفلسطينية فيما يتعلق بإنهاء الاحتلال للأراضي التي احتلت عام 1967 بما فيها القدس، وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين على أساس قرارات الشرعية الدولية، سبباً في تهميش وإضعاف ياسر عرفات وبالتالي حركة فتح.
 
لقد توصلت الإدارة الأميركية في عهد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون إلى أن الرئيس ياسر عرفات مسؤول عن فشل مفاوضات كامب ديفد وبأن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك قد قدم مرونة سياسية وتنازلات سياسية أطلق عليها (العرض السخي) وبأن الرئيس عرفات هو من يتحمل مسؤولية فشل المفاوضات. وتشير كثير من الدراسات التي صدرت بعد مفاوضات كامب ديفد بأن الإدارة الأميركية قد هددت الرئيس عرفات في ذلك الوقت بأن فشل المفاوضات سوف يكون له تداعيات سلبية جداً على علاقاته مع الإدارة الأميركية.
 
ومع بداية انتفاضة الأقصى في 29 سبتمبر/أيلول 2000، قدم الرئيس الفلسطينيي ياسر عرفات الدعم لها وخاضت حركة فتح الكفاح المسلح من خلال ذراعها العسكري كتائب شهداء الأقصى. مما أدى إلى حدوث تداعيات سلبية على علاقة الرئيس عرفات والسلطة الفلسطينية مع الإدارة الأميركية وبعض الدول الأوروبية وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. وقد ازدادت الأمور تعقيداً عندما أقدمت إسرائيل على احتلال الضفة الغربية في مارس/آذار 2002 ومحاصرة الرئيس الفلسطينيي ياسر عرفات وقطع العلاقات مع السلطة الفلسطينية والرئيس عرفات واعتباره غير ذي صلة (Irrelevant) وأنه لا يمكن أن يكون شريكا للسلام.
 
ومنذ ذلك الوقت قامت إسرائيل بحملة دبلوماسية مكثفة أقنعت من خلالها حليفتها الولايات المتحدة الأميركية بمقاطعة الرئيس الفلسطينيي واعتباره شخصية لا تعمل على تحقيق السلام. وفي ذلك الوقت قامت اللجنة الرباعية التي تشكلت من أميركا وروسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بصياغة خطة خارطة الطريق وكان من أهم بنودها سحب صلاحيات الرئيس عرفات من خلال استحداث منصب رئيس الوزراء وعدم التفاعل مع الرئيس المنتخب عرفات واعتباره شخصية غير مرغوب بها.
 
كل هذه التطورات السياسية أدت إلى تهميش دور عرفات السياسي وكذلك دور حركة فتح كرائدة النضال الوطني الفلسطيني ودورها المحوري في التوصل إلى تسوية سياسية مع الجانب الإسرائيلي. وبالإضافة إلى ذلك فإن اتهامات الفساد وسوء الإدارة المالية وعدم الشفافية التي وجهت إلى الرئيس عرفات والسلطة الفلسطينية أدت إلى تشويه صورة حركة فتح لدى الشعب الفلسطيني. وعلى الرغم من أن قضايا الفساد والمحسوبية والاختلاسات هي مواضيع سبق وأن تناولها وحذر منها بعض أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني والمفكرين والمثقفين والاعلاميين الفلسطينيين، إلا أن إسرائيل والإدارة الأميركية غضت الطرف عن هذه التصرفات ولم تستخدمها كأداة ضغط إلا عندما تبين بأن حركة فتح ورئيسها عرفات غير قادرين على التوصل إلى تسوية للنزاع مع إسرائيل.
 

"
الضغوط الأميركية على السلطة الفلسطينية وعمودها الأساسي حركة فتح وانسداد الأفق السياسي وفتح ملفات الفساد وسوء الإدارة المالية أدت إلى تهميش الدور النضالي لحركة فتح وتراجع شعبيتها وبالتالي خسارتها في الانتخابات وفوز حركة حماس الساحق بأغلبية مقاعد المجلس الشريعي
"
يبدو بأن الولايات المتحدة الأميركية وبعض حلفائها الأوروبيين قد توصلوا إلى نتيجة مفادها بأن حركة فتح ورئيسها عرفات تم استنفاد كل ما لديهم من تنازلات وبأن حركة فتح غير قادرة على الوصول إلى تسوية سياسية لإنهاء الصراع مع الجانب الإسرائيلي وبالتالي كان لابد من وجود بديل فلسطيني قادر على تقديم مثل هذه التنازلات. ولهذا السبب اشتدت حملة التشويه الأميركية ضد السلطة الفلسطينية ومسؤوليها المحسوبين أساساً على حركة فتح وكذلك الضغط باتجاه إجراء انتخابات جديدة في المناطق الفلسطينية من أجل تطبيق خطة خارطة الطريق.
 
ولكن يبدو بأن أميركا لم يكن لديها إستراتيجية واضحة للتعامل مع الملف الفلسطيني، فعلى الرغم من تردد الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في التدخل في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي في بداية ولايته الأولى، إلا أنه وجد نفسه مرغما على التدخل بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول وتدمير مبنى مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن والتي أدت إلى تبنى أميركا مشروع دمقرطة وإصلاح العالم العربي ومنه فلسطين. فلقد ضغطت الإدارة الأميركية على عقد الانتخابات التشريعية في موعدها مع علمها المسبق بأن نتائج الانتخابات يمكن أن تؤدي إلى خسارة حركة فتح وفوز حركة حماس، خاصة وأنه تم عقد ثلاث جولات من الانتخابات البلدية في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال العام 2005، فازت فيها حركة حماس بأغلبية المجالس البلدية والقروية ولذلك كان هناك مؤشرات جدية تؤكد إمكانية خسارة حركة فتح وفوز حركة حماس، وهذا بالتالي يقودنا إلى السؤال التالي:
  • هل عمدت الولايات المتحدة من خلال طرح قضية الفساد وسوء الإدارة المالية وعدم الشفافية لدى السلطة الفلسطينية وحركة فتح وإصرارها على عقد الانتخابات الفلسطينية في موعدها إلى خسارة فتح في الانتخابات؟
  • وإذا كان ذلك صحيحا، فلماذا رفضت أميركا نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينينة وخيار الشعب الفلسطيني الديمقراطي وفوز حركة حماس، وقامت بفرض حصار اقتصادي ومقاطعة على الحكومة الفلسطينية الجديدة؟
  • هل أرادت الولايات المتحدة أن تغرق الساحة الفلسطينية بحالة من المناكفات السياسية بين حركة فتح وحركة حماس والانشغال بالتنازع على الصلاحيات بين الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء إسماعيل هنية وبالتالي إهمال القضية الأساسية وهي الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان وبناء الجدار وتهويد القدس.

واذا كان ما سبق غير صحيح فإن هذا يثبت بأن الإدارة الأميركية ليس لديها إستراتيجية واضحة تجاه السلطة الفلسطينينة وبأن ما يقال من وجود تناقض بين الرئيس الأميركي ووزارة الخارجية الأميركية ووزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي هو صحيح وبأن هذا التناقض هو سبب الغموض وعدم الوضوح في السياسة الخارجية الأميركية تجاه المسألة الفلسطينية.

 
"
استخدام الولايات المتحدة الأميركية المتوالي لحق النقض الفيتو ضد العديد من قرارات مجلس الأمن الخاصة بفلسطين وانحيازها التام إلى إسرائيل أدى إلى غضب الناخب الفلسطيني واختياره حركة حماس التي تعتبر معادية لأميركا وإسرائيل
"
من أهم رموز السياسة الخارجية الأميركية تجاه المسألة الفلسطينية في عهد الرئيس جورج بوش الابن ودونالد رمسفلد وزير الدفاع ودوجلاس فان مساعده وبول ولفوفيتز نائبه وريتشارد بيرل رئيس مجلس سياسة الدفاع (Defense Policy Council)، والأخيران بول ولفوفيتنر وريتشارد بيرل هم من أقطاب اليهود المتعصبين لإسرائيل ولعبا دورا رئيسيا في توجيه السياسة الأميركية خصوصاً بعد تزايد أهمية وزارة الدفاع في صنع القرار الخارجي منذ أحداث  11 سبتمبر/أيلول، وتعتبر وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أقل تطرفا من الفريق السابق ولكنها ليست بالضرورة مختلفة عن توجهات فريق الرئيس بوش فيما يتعلق بالموضوع الفلسطينى. ويمثل هؤلاء تيار المحافظين الجدد بالإضافة إلى نائب الرئيس ديك تشيني الذي تجمعه علاقة وثيقة بكل من رمسفيلد وولفوفيتز.
 
إن الضغوط الأميركية على السلطة الفلسطينية وعمودها الأساسي حركة فتح وانسداد الأفق السياسي وفتح ملفات الفساد وسوء الإدارة المالية أدت إلى تهميش الدور النضالي لحركة فتح، وكذلك تراجع شعبيتها أمام الجماهير الفلسطينية مما أدى إلى خسارتها في الانتخابات وفوز حركة حماس الساحق وحصولها على 56% من مقاعد المجلس الشريعي، وحصول فتح على 34% فقط من مقاعد المجلس التشريعي في حين كانت تستحوذ على حوالي 80% من مقاعد المجلس السابق.
 
الرئيس الفلسطيني محمود عباس تم انتخابه في يناير/كانون الثاني 2005 وحصل على تفويض شعبي نسبته 65% على أساس وقف الانتفاضة والتوصل إلى تسوية مع إسرائيل. وعلى الرغم من ذلك لم تقدم إسرائيل ولا الولايات المتحدة أي دعم للرئيس عباس، بل اعتبرته إسرائيل شخصا ضعيفا وغير ذي صلة وغير قادر على التوصل إلى تسوية، وأقدمت إسرائيل على الانسحاب الأحادي الجانب من قطاع غزة بدون أي تنسيق مع السلطة الفلسطينية مما أدى إلى إضعاف الرئيس محمود عباس وتشجيع حماس على الادعاء بأن الانسحاب من غزة جاء نتيجة المقاومة والعمليات الأستشهادية.
 
سياسة إسرائيل العدوانية تجاه السلطة الفلسطينية وانسداد الأفق السياسي وعدم الدعم الأميركي للرئيس محمود عباس، أدى إلى إضعافه وبالتالي إضعاف حركة فتح وخسارتها في الانتخابات. كذلك استخدام الولايات المتحدة المتوالي لحق النقض الفيتو ضد العديد من قرارات مجلس الأمن الخاصة بالقضية الفلسطينية خلال انتفاضة الأقصى وانحيازها التام إلى إسرائيل أدى إلى غضب الجماهير الفلسطينية وبالتالي انتخابها لحركة حماس التي تعتبر معادية لأميركا وحليفتها إسرائيل.
 
يبدو بأن تقرير فريق العمل الأميركي المستقل الذي ترأسته مادلين أولبرايت وفين وبر وصدر نهاية عام 2005 كان له تأثير مباشر على السياسة الأميركية تجاه المسألة الفلسطينية. وينص التقرير على أنه لا يجب أن تعترض واشنطن على المشاركة السياسية السلمية لجماعات إسلامية كانت ترتكب أعمال عنف في الماضى، شرط أن تحل قواتها العسكرية وتبدي التزاماً مقنعاً بكل نواحي العملية الديمقراطية. ويبدو أن الولايات المتحدة قبلت بمشاركة حركة حماس في الانتخابات مع عدم التركيز على شروط اللعبة الديمقراطية أو من الممكن أن الإدارة الأميركية راهنت على أن الضغوط بعد الأنتخابات سوف تؤدي إلى تقييد الحركات الإسلامية بالشروط الأميركية.
 
لا يمكن فصل دور أميركا عن الدور الأوروبي تجاه المسألة الفلسطينية. فعلى الرغم من وجود خلافات أميركية-أوروبية تجاه المسألة الفلسطينية، إلا أنه يبدو بأن الموقف الأوروبي متساوق ومتماثل مع الموقف الأميركي وذلك لأن خطة خارطة الطريق هي خطة أميركية بالدرجة الأولى وتم تبنيها من قبل دول اللجنة الرباعية.
 
الدور الأوروبي في نهاية الأمر لا يختلف كثيراً عن الموقف الأميركي، وذلك واضح من خلال الإصرار على مقاطعة الرئيس عرفات واستحداث منصب رئيس الورزاء، وكذلك التعامل مع نتائج الانتخابات التشريعية 2006 وفق الرؤية الأميركية. وعلى الرغم من محاولات الدول الكبرى مثل روسيا والاتحاد الأوروبي والصين من لعب دور مهم وحيوي في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي الا أن ذلك كان يقابل دائما بالرفض الإسرائيلى، وبالتالي تبنت الولايات المتحدة الأميركية الموقف الإسرائيلي واستحوذت على الملف الفلسطيني الإسرائيلي بالكامل ولم تسمح للأطراف الأخرى بالتدخل.
 
الأسباب السابقة ليست بالضرورة هي التي أدت إلى خسارة حرة حركة فتح، فهناك الكثير من العوامل الداخلية الفلسطينية التى أدت إلى ذلك، ولكننا ليس بصدد الحديث عنها الأن.
 
السؤال المطروح الآن ما هي تداعيات الموقف الأميركي من مقاطعة حكومة حماس؟ والسؤال الأخر وهو الأهم، إذا افشلت حكومة حماس الحالية، من يجرؤ على تولي الحكومة الفلسطيبية القادمة بعد أن قاطعت وحاصرت الإدارة الأميركية الحكومة الحالية؟ كيف سينظر الشعب الفلسطيني والفصائل الفلسطينية إلى حركة فتح إذا ساهمت في إفشال حكومة حماس وتولت الحكومة بعد ذلك؟ هذه التساؤلات وغيرها سوف تجيب عليها الأيام القادمة.
_______________
أستاذ العلوم السياسية-جامعة الأزهر-غزة
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة