تركيا والغرب.. انفكاك أم تموضع جديد؟   
الأربعاء 1431/9/9 هـ - الموافق 18/8/2010 م (آخر تحديث) الساعة 14:32 (مكة المكرمة)، 11:32 (غرينتش)
خورشيد دلي


- التحول
- جدل التحول
- اختلاف الأولويات
- المصالح والأدوار

ثمة جدل يتعاظم في الغرب عن خيارات تركيا السياسية في عهد حزب العدالة والتنمية, بين من يرى أن تركيا بدأت تنفك بشكل هادئ وتدريجي عن المنظومة الأمنية الغربية وتتجه شرقا بحثا عن هويتها الحضارية الإسلامية، وبين من يرى أن التحول الجاري نتيجة طبيعية فرضتها الظروف والمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية, وأن المسألة لن تخرج في النهاية عن تموضع جديد وفقا لهذه الظروف والمتغيرات.

وتحت تأثير هذا الجدل اضطر الرئيس عبد الله غل مؤخرا إلى نفي الاتهامات الموجهة لبلاده بالابتعاد عن الغرب والتقرب إلى العالم الإسلامي, وأشار في مقابلة مع صحيفة "ذي تايمز" البريطانية إلى أن هذه الاتهامات غير مقبولة, معتبرا أنه من الخطأ الفادح تفسير مصالح بلاده في مناطق جغرافية أخرى على أنه قطيعة مع الغرب أو تحول عنه.

التحول
مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في عام 2002 بدأت تركيا تنتهج سياسة مغايرة لتلك التي اشتهرت بها من التبعية للغرب منذ اعترافها المبكر بإسرائيل عام 1949، ومن ثم انضمامها المبكر أيضا إلى الحلف الأطلسي عام 1952 ودخولها في علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل مقابل علاقة سلبية مع الدول العربية والإسلامية كثيرا ما اتسمت بالتوتر إلى حد الحرب ولا سيما مع سوريا والعراق على خلفية قضايا المياه والأمن والحدود.

اليوم تبدو الصورة مختلفة تماما, إذ باتت تركيا في صلب الصراع العربي الإسرائيلي, ترسل السفن إلى قطاع غزة وتطالب بكسر الحصار عنه وتستقبل قادة حماس وتصف سياسة إسرائيل بإرهاب الدولة وتطور علاقاتها مع إيران وسوريا مقابل توتر في علاقاتها مع إسرائيل.

"
في تركيا رأي عام شعبي مناهض للسياسة الأميركية والإسرائيلية وثمة تحولات اجتماعية تأخذ شكل استعادة الهوية الإسلامية بعد عقود من الإقصاء الممنهج لهذه الهوية من قبل المؤسسة العسكرية
"
وفي الداخل ثمة رأي عام شعبي مناهض للسياسة الأميركية والإسرائيلية وثمة تحولات اجتماعية تأخذ شكل استعادة الهوية الإسلامية بعد عقود من الإقصاء الممنهج لهذه الهوية من قبل المؤسسة العسكرية التي كلفت نفسها بمهمة الحفاظ على أسس الجمهورية التركية, حين عرف حزب العدالة والتنمية كيف يدير المعركة في الداخل مع القوى الكمالية (نسبة إلى مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية) التي اتخذت من شعار العلمانية أداة لمحاربة القوى السياسية المطالبة بالتغيير, وفي كل هذه التحولات برز حزب العدالة والتنمية الذي ارتبط اسمه برجب طيب أردوغان كقاسم مشترك لما جرى.

جدل التحول
في الواقع, إذا كان التحول في المشهد الداخلي التركي مفهوما في الغرب بحكم تداعيات انهيار الاتحاد السوفياتي السابق فإن ما يثير قلق هذا الغرب هو ازدياد قوة "لا" التركية وتعاظم حجم الندية في السياسة والمواقف.

فمن قول تركيا "لا" لنشر القوات الأميركية على أراضيها في إطار الحرب على العراق عام 2003 إلى قولها "لا" في مجلس الأمن لفرض عقوبات جديدة على إيران, ثمة شرخ عميق بدأ يرسم معالمه في العلاقات بين تركيا وحلفائها في الغرب.

وفي العمق فإن "لا" هذه تبرز تركيا في الغرب وكأنها كمن يقف مع إيران من منطلق أيديولوجي أو كمن يدعم خطط إيران وسياساتها, ولعل ما يشجع مثل هذا التصور هو التوتر الحاصل بين تركيا وإسرائيل بعد أن أصبحت الأولى في صلب الصراع العربي الإسرائيلي في وقت تحس فيه إسرائيل بخسارة إقليمية كبيرة.

في الجدل الجاري, ثمة رؤى مختلفة للتحول التركي وأبعاده وأهدافه على النحو التالي:

1- هناك من يرى أن تركيا تستغل هذا التحول لتعزيز موقعها في العالمين العربي والإسلامي, إذ يرى السفير مارتن إنديك مدير السياسات الخارجية في مركز بروكينغز أن تركيا تريد من سياستها الجديدة في الشرق الأوسط تعزيز نفوذها ودورها دون أن يؤثر ذلك بشكل جوهري على علاقاتها الإستراتيجية مع الغرب لأسباب كثيرة.

2- هناك من يرى أن التحول التركي يتجاوز مسألة تعزيز الدور في الجوار الجغرافي والإقليمي, وهؤلاء يرون أن التحول الجاري يأخذ شكل الانفكاك التدريجي عن الغرب والانسحاب من منظومته الأمنية والسياسية.

وفي نظرهم أن تركيا العدالة والتنمية تعمل لأن تصبح دولة مركزية قائدة في العالم الإسلامي, ومثل هذا الأمر لا يمكن أن يحدث في ظل ارتباطاتها الأطلسية, وما ذهابها إلى تطوير علاقاتها مع إيران عكس ما يريده الغرب، إلا البداية الفعلية للانفكاك عن الأخير ومنظومته الأمنية والسياسية.

3- هناك من يعتقد أن تركيا العدالة والتنمية تتصرف من منطق محض براغماتي, وهؤلاء يرون أن ما يجري لا يأخذ شكل التحول الأيديولوجي بقدر ما يأخذ شكل معالجة الخلل الحاصل في العلاقات خلال المرحلة الماضية، وتحقيق نوع من التوازن في العلاقات والمصالح بعد عقود من التبعية للغرب والتجاهل غير المبرر للدائرة الحضارية الإسلامية التي تبرز كدائرة متخمة بالمصالح والمشاريع والتطلعات الإقليمية والنفوذ والدور.

4- على المستوى الفكري, ثمة قناعة غريبة مفادها أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما توفر الغطاء الأخلاقي, سواء عن قصد أو دونه لحكومة العدالة والتنمية لجهة إعلان أجندتها الإسلامية من غير حرج، كما يقول قدري غورسيل المعلق السياسي في صحيفة "مللييت" التركية.

"
"لا" التركية ليست تعبيرا عن الانفكاك من الغرب بقدر ما هي ترجمة عملية لنظرية "صفر مشكلات" مع الجوار الجغرافي، لأن عكس ذلك هنا أي "نعم" تعني انهيار هذه النظرية
"
وأصحاب هذه القناعة يرون أن وراء هذا الغطاء أجندة كبيرة سواء في تقديم النموذج التركي المعتدل على النموذج الإيراني المتشدد على المستوى المرحلي، ومن ثم وضع تركيا في امتحان مع نفسها على المستوى الإستراتيجي من خلال دفعها إلى تقديم أجوبة عن أسئلة الدولة والنظام والهوية والأقليات والفرد.

5- رؤية البعض في الغرب (تصريحات وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس) بأن الأسلوب المتعالي للاتحاد الأوروبي مع السعي التركي إلى العضوية الأوروبية دفع بتركيا إلى البحث عن شرقيتها, وهي في بحثها هذا اكتشفت أنها دولة كبرى في دائرة حضارية تلقى القبول فيها, مما يعني إمكانية تحولها إلى دولة مركزية قادرة عبر إيجاد سوقها الشرقي أن تتطور وتطور علاقاتها مع أوروبا على قاعدة الندية، بعيدا عن تقديم التنازلات في قبرص وغيرها من الاشتراطات الأوروبية الحساسة للكرامة التركية.

اختلاف الأولويات
في تركيا تبدو الأمور مختلفة عن التقييمات السابقة, فمنظار المصالح والنظر إلى القضايا المثارة من فلسطين إلى العراق وليس انتهاء بأفغانستان، يأخذ شكل اختلاف الأولويات والمصالح, بين النظرة الأميركية التي تتطلع إلى دور تركي في إطار وظيفي يساهم في إنجاح الإستراتيجية الأميركية بخصوص هذه القضايا وبين الموقف التركي الذي ينظر إلى هذه القضايا ويتعامل معها في إطار السعي إلى تحقيق نوع من الاستقرار الإقليمي وسط التطلع إلى القيام بدور مؤثر.

أمام هذا الواقع تبدو تركيا، وتحديدا حكومة حزب العدالة والتنمية أمام امتحان كبير, فهي ترى أن "لا" التركية في لحظات محددة هي تعبير عن تعارض السياسة الأميركية مع المصالح الإستراتيجية التركية.

ففي الحالة العراقية كان هاجس تقسيم العراق وولادة دولة كردية في المنطقة هو السبب, وفي حالة إيران ثمة هواجس مماثلة فضلا عن أن تركيا ستكون من أكبر المتضررين اقتصاديا من العقوبات على إيران بعد أن تطورت العلاقات بين البلدين وعقدت سلسلة اتفاقيات ضخمة في مجالات النفط والغاز والتجارة, وهي اتفاقيات من المقرر أن ترفع حجم التبادل التجاري بينهما خلال السنوات القليلة المقبلة إلى ما يزيد عن عشرين مليار دولار سنويا.

وعليه فإن "لا" التركية هنا ليست تعبيرا عن الانفكاك من الغرب بقدر ما هي ترجمة عملية لنظرية "صفر مشكلات" مع الجوار الجغرافي، لأن عكس ذلك هنا أي "نعم" تعني انهيار هذه النظرية.

بمعنى آخر هي نسف لمقومات الدبلوماسية التركية التي حققت نجاحات ملحوظة على أكثر من مستوى وصعيد في السنوات الأخيرة.

ولعل العتب التركي هنا على الغرب وتحديدا الولايات المتحدة هو أن الأخيرة تستخف بقدرات تركيا وإنجازاتها, كما اتضح ذلك من خلال طريقة تعامل واشنطن مع اتفاق تبادل الوقود النووي مع إيران الذي تم التوصل إليه بوساطة تركية برازيلية مشتركة.

"
ثمة من يعتقد أن تركيا بدأت تنتهج سياسة مستقلة وندية للغرب، وأنها في النهاية قادرة على حل مشكلاتها بقدراتها الذاتية، وأن تطلعها إلى أن تصبح دولة مركزية مؤثرة سيزيد من قلق الغرب وبالتالي من حتمية الصدام معه
"
المصالح والأدوار

في الواقع, على الرغم من جاذبية التطلع إلى دولة مركزية قوية منبثقة من جيوسياسة تتسم بالأمجاد التاريخية في حال تركيا فإن للمتغيرات والظروف دورا مهما في تحديد السياسات والمصالح وبالتالي العلاقات الدولية.

فتركيا اليوم تعاني من مشكلات داخلية بنيوية صعبة ومعقدة, سواء تلك المتعلقة بالصراع الخفي العلني بين حزب العدالة والجيش، حيث نسمع بين فترة وأخرى أخبارا عن محاولة اغتيال أردوغان أو الكشف عن مخطط انقلاب عسكري جديد, أو مشكلات من نوع الصراع التركي الكردي الذي يشهد تصعيدا جديدا في هذه الفترة، ويكاد يتحول إلى صراع عرقي بين الأكراد والأتراك في ظل تفجر أعمال العنف بين الجانبين في العديد من المدن.

ومع أن هذه القضايا قضايا تركية داخلية بامتياز فإنه من الواضح أنها ليست بعيدة عن مسار العلاقات مع الخارج, ولا سيما فيما يتعلق بالقضية الكردية, حيث المخاوف التركية تظل دفينة من ولادة دولة كردية في المنطقة تخيم بظلالها على الدولة التركية.

وفي سبيل ذلك تتطلع تركيا إلى دعم أميركي قوي لمنع قيام مثل هذه الدولة والقضاء على معاقل حزب العمال الكردستاني في شمال العراق, وفي السياسة كما نعرف لا شيء بالمجان.

ومن هذه النقطة بالذات برزت نظرية (قنديل مقابل قندهار) بمعنى أن تساعد أميركا تركيا على تصفية معاقل حزب العمال وقادته الذين يتخذون من جبال قنديل قاعدة لهم، مقابل مشاركة تركيا العسكرية في عملية نوعية ضد معاقل طالبان في قندهار الأفغانية.

دون شك، ما سبق يشكل مثالا على إمكانية تبادل الأدوار في بناء المصالح المشتركة والحفاظ على علاقة جيدة على الرغم من اختلاف الأولويات, وإلا كيف يمكن فهم الدعم الأميركي اللامحدود لأكراد العراق مقابل تصنفيها للأحزاب الكردية في تركيا في خانة الإرهاب على الرغم من أن مطالب أكراد تركيا أقل بكثير من مطالب أكراد العراق، وعددهم يزيد عليهم بالضعف.

في الواقع, بغض النظر عن دور تبادل الأدوار والمصالح في الحفاظ على علاقة جيدة بين الدول فإن ثمة من يعتقد أن تركيا بدأت تنتهج سياسة مستقلة وندية للغرب، تعبيرا عن مصالحها وأنها في النهاية قادرة على حل مشكلاتها التركية بقدراتها الذاتية، وأن تطلعها لدولة مركزية مؤثرة كما يسعى قادة العدالة والتنمية سيزيد من قلق الغرب وبالتالي من حتمية الصدام معه.

وهذا هو ما يبقي السؤال مفتوحا، هل التوجه الشرقي لتركيا يعني بالضرورة الابتعاد والانفكاك عن الغرب، أم إيجاد تموضع جديد لهذه العلاقة؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة