المواجهة الأميركية مع إيران واحتمالات الحرب   
الخميس 1428/9/30 هـ - الموافق 11/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:22 (مكة المكرمة)، 13:22 (غرينتش)


نجيب الغضبان

عوامل دافعة باتجاه الحسم العسكري
عوامل معيقة للخيار العسكري
الدبلوماسية والعقوبات
فرص الحرب والسلام

يقود التصعيد الأميركي المتزايد تجاه طهران إلى التساؤل عن حتمية الحرب وآثارها على المنطقة بأكملها. وعلى الرغم من صعوبة الجزم باحتمالات قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، فإن من الواضح أن هناك مجموعة عوامل تدفع باتجاه احتمالات الحسم العسكري، بينما تبقى نافذة التوصل إلى تفاهم حول المسألة النووية الإيرانية مفتوحة.

غير أن الآثار المحتملة لأي حرب بين الطرفين قد تدفع بالبلدين -وبمساعدة أطراف دولية أخرى- إلى الإبقاء على الوضع الراهن في المستقبل المنظور.

عوامل دافعة باتجاه الحسم العسكري
ولعل أفضل طريقة لاستقراء احتمالات قيام واشنطن بعمل عسكري ضد إيران تتمثل في البحث في العوامل الدافعة والمعيقة لهذا الخيار.

والعوامل الدافعة باتجاه الحسم العسكري تتلخص فيما يلي:

أولاً تصميم الإدارة الأميركية الحالية على منع طهران من تطوير أسلحة نووية بكافة الوسائل بما في ذلك اللجوء إلى الضربة العسكرية في آخر المطاف.

وهذا التصميم لدى إدارة الرئيس بوش يحظى بتأييد واسع داخل الكونغرس بشقيه الديمقراطي والجمهوري. وليس سراً أنه قد تم تكليف البنتاغون بإعداد خطط كاملة لذلك، ويتم تعديل هذه الخطط وتطويرها بشكل دوري.

هذا الاقتناع الأميركي ترسخ مع امتداد إيران الإقليمي من العراق إلى المتوسط، مروراً بطموحاتها في ممارسة دور مهيمن في منطقة الخليج العربي.

"
من بين العوامل الدافعة باتجاه الحسم العسكري تصميم الإدارة الأميركية الحالية على منع طهران من تطوير أسلحة نووية بكافة الوسائل بما في ذلك اللجوء إلى الضربة العسكرية في آخر المطاف
"
التخوف الأميركي الذي تشاطره بعض دول الجوار يعتبر أن إيران النووية ستكون أكثر "عدوانية"، مما يعني أنها ستشكل تهديداً مباشراً للمصالح الحيوية للولايات المتحدة في المنطقة، وهذا ما لن تسمح به واشنطن حتى ولو اضطرت لاستخدام القوة العسكرية.

العامل الثاني الذي يقوي هذا التوجه يتمثل في صعود التيار المتشدد داخل النظام الإيراني. ومع أن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ليس بالضرورة هو الشخص القوي داخل هذا التيار، فإن تصريحاته وأحاديثه المستفزة عن إزالة إسرائيل وإنكاره للمحرقة (الهولوكوست) يساعدان في إعطاء التبرير الأخلاقي لكثير من الدول الغربية التي ما زالت تشعر بعقدة الذنب تجاه الإبادة الجماعية التي تعرض لها اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية.

ويرتبط بهذا الأمر الدور الإسرائيلي والأوروبي المتفق مع واشنطن على ضرورة حرمان إيران المحكومة من قبل النظام الحالي من امتلاك القنبلة النووية.

ودوافع إسرائيل في حرمان أي من جيرانها من امتلاك السلاح النووي نابع من حرصها على احتكار هذا السلاح، وبالتالي الإبقاء على تفوقها الإستراتيجي على كل أعدائها مجتمعين، وهو ما يفسر جهودها الحثيثة لحرمان هذه الدول من السير في هذا السبيل.

هذه الإستراتيجية ليست موجهة ضد إيران وحسب، بل كانت واضحة في الدور الإسرائيلي في تدمير المفاعل النووي العراقي عام 1981، ثم دورها الفاعل في التأكد من نزع العراق لأسلحته بعد حرب عام 1991، وأخيراً مساهمتها في تحريض الولايات المتحدة على احتلال العراق عام 2003.

الاتحاد الأوروبي -ورغم رفضه مطاوعة واشنطن بفرض عقوبات اقتصادية على إيران في التسعينيات وانتهاجه سياسة "الحوار النقدي" مع طهران آنذاك- يتشدد في موضوع انتشار الأسلحة النووية لاقتناعه بخطورة الانتشار في مناطق النزاعات كالشرق الأوسط.

وقد يتساءل بعض الناس عن صمت دول الاتحاد الأوروبي تجاه البرنامج النووي الإسرائيلي، بل مساعدة بعض هذه الدول في بناء المفاعل الإسرائيلي، وجواب هذه الدول أن هذا الموقف كان في الماضي أما الآن فإن دول الاتحاد الأوروبي تدعم كافة الجهود الدولية في الحد من التسلح النووي.

عوامل معيقة للخيار العسكري
أما العوامل المعيقة للخيار العسكري في المواجهة بين البلدين، فتتمثل أولا في عواقب المواجهة المسلحة بين الطرفين. الجانب الأول من هذه المعادلة يكمن في حجم الدمار والفتك الإنساني والاقتصادي لمثل هذا العمل على إيران، خاصة في ضوء بعض التقارير التي تتحدث عن احتمال استخدام أسلحة نووية تكتيكية للتأكد من تدمير المنشآت النووية الإيرانية.

وما تسرب عن الخطط الأميركية العسكرية يشير إلى استهداف شامل لكافة المنشآت الإستراتيجية الإيرانية. ولو نظرنا إلى تجربة استهداف الولايات المتحدة الجوي والصاروخي للعراق في حربيها، فإن مثل هذا الخيار سيعني أيضاً محاولة تدمير إمكانيات إيران في الرد بما في ذلك مراكز القيادة والتحكم والبنى التحتية العسكرية، الأمر الذي قد يتطور إلى حملة عسكرية طويلة يصعب التنبؤ بمدى فعاليتها في تحقيق أهدافها المرجوة.

"
عواقب المواجهة المسلحة بين كل من أميركا وإيران قد تعوق الخيار العسكري, فالجانب الأول من هذه المعادلة يكمن في حجم الدمار والفتك الإنساني والاقتصادي لمثل هذا العمل على إيران, والوجه الثاني يتمثل في رد الفعل الإيراني المحتمل
"
الوجه الثاني من المعادلة يتمثل في رد الفعل الإيراني المحتمل. فالمخططون الأميركيون يعلمون علم اليقين قدرة إيران على الرد على أي عمل عسكري ضدها بدءاً من استهداف القوات الأميركية في العراق من قبل إيران وحلفائها، إلى احتمالات الرد الانتقامي الإيراني ضد أصدقاء واشنطن في المنطقة سواء في منطقة الخليج أو في إسرائيل من قبل حزب الله، ناهيك عن احتمالات هجمات إرهابية تستهدف الولايات المتحدة في العالم.

ومما يعقد الأمور بالنسبة للولايات المتحدة الصعوبات الهائلة التي تواجهها قواتها في العراق، وتراجع التأييد الداخلي للحرب من قبل الكونغرس والرأي العام في الولايات المتحدة نفسها.

العامل الثاني المعرقل لخيار الحرب هو معارضة دولتين داخل مجلس الأمن (روسيا والصين) لحل عسكري للمسألة النووية الإيرانية، خاصة في ضوء المصالح الاقتصادية لهاتين الدولتين مع إيران.

يضاف إلى ذلك انعدام الأساس الأخلاقي لمنع إيران من امتلاك برنامج نووي، بينما يُسمح لدول في المنطقة مثل إسرائيل بامتلاك هذه القدرات.

وتتعاطف دول منها بعض الدول العربية، مع حق إيران في امتلاك سلاح نووي، خاصة أن دولة مثل إسرائيل تملك أكثر من 200 قنبلة نووية، في الوقت نفسه الذي ترفض فيه الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية الأخرى ممارسة أي ضغوط على إسرائيل لوضع برنامجها تحت مراقبة وكالة الطاقة الذرية، أو حتى مناقشة الترسانة الإسرائيلية ضمن طروحات جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية.

العامل الثالث الذي يعمل ضد الخيار العسكري يتمثل في التشكيك في مصداقية الولايات المتحدة عندما تتحدث عن النوايا الإيرانية، سواء عندما يتعلق الأمر بالتقارير التي تتحدث عن مدى اقتراب طهران من تطوير قدرات عسكرية، أو من ناحية الخطر الذي يمكن أن تشكله إيران النووية على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

المشككون في مصداقية الولايات المتحدة يستندون إلى أمرين: الأول هو تجربة إدارة الرئيس بوش الماثلة أمام العيون مع العراق، حين استخدمت هذه الإدارة حجة استمرار نظام صدام حسين في تطوير أسلحة دمار شامل –أسلحة كيماوية وبيولوجية تحديداً- كأحد مبررات غزو العراق، ثم تبين بالدليل القاطع ألا أساس لهذا المبرر.

الثاني هو التقليل من الخطر الذي يمكن أن تشكله إيران في حال امتلاكها للسلاح النووي.

ويشير بعض الخبراء الإستراتيجيين إلى تجربة تعايش الغرب مع الاتحاد السوفياتي والصين الشيوعية، وكيف أن امتلاك هاتين الدولتين قوة نووية في أوج الحرب الباردة كان عاملاً مساعداً لتحقيق "توازن الرعب"، الأمر الذي ساهم في التخفيف من حدة التوتر الدولي، ورسخ حس المسؤولية الدولية لهاتين "العدوتين" في حفظ السلام والاستقرار الدولي.

ولعل بعض الأصوات بدأت تطرح هذا الاحتمال، على ضوء تكلفة الخيار العسكري، ومنها ما قاله قائد القوات المركزية السابق الجنرال جون أبي زيد من أن الولايات المتحدة قادرة على التعايش مع إيران النووية واحتوائها وذلك بإيجاد نظام ردع إقليمي ودولي مناسب.

الدبلوماسية والعقوبات
"
المتابعون للمسألة الإيرانية مقتنعون بأن توسيع دائرة العقوبات يُمكن أن يضر بإيران ويساهم في إبطاء البرنامج النووي الإيراني، لكنه لن يكون كافيا للتخلي عنه
"
تفاعل العوامل المشجعة والمعيقة لاحتمالات الخيار العسكري الأميركي لمنع إيران من متابعة برنامجها النووي يفسر التردد والتحول بين التصعيد والتهدئة في تصريحات المسؤولين الأميركيين والغربيين المعارضين للبرنامج النووي الإيراني.

الإدارة الأميركية ارتأت العمل عبر وكالة الطاقة الذرية لمتابعة الجانب الفني والتقني للبرنامج الإيراني ومعرفة درجة تطوره، بينما ارتأت العمل عبر مجلس الأمن لزيادة وتيرة الضغط على إيران، مستندة بشكل أساسي على حلفائها الغربيين خاصة فرنسا/ساركوزي، وألمانيا التي دخلت في النقاش حول المسألة النووية.

واستطاعت الولايات المتحدة حتى الآن استصدار القرار 1747 الذي يعطي الدول الأعضاء الحق في اتخاذ خطوات تصاعدية إذا استمرت إيران في رفضها التعاون مع وكالة الطاقة، كما أنه يفسح المجال لمزيد من العقوبات الدولية الجماعية.

التطورات الأخيرة في هذا الشأن تشير إلى رغبة واشنطن في فرض المزيد من العقوبات، مستفيدة من حماس حلفائها الغربيين لهذا الخيار. الخبراء المتابعون للمسألة الإيرانية مقتنعون بأن توسيع دائرة العقوبات يُمكن أن يضر بإيران ويساهم في إبطاء البرنامج النووي الإيراني، لكنه لن يكون كافيا للتخلي عنه.

اللقاءات التي جرت على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تمخضت عن اتفاق بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن (الدول الخمس الدائمة العضوية) إضافة إلى ألمانيا على تأجيل فرض المزيد من العقوبات على إيران بانتظار صدور تقريرين أحدهما من مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي عن حالة البرنامج النووي من الناحية الفنية، وثانيهما تقرير سياسي من خافيير سولونا الذي يتولى التفاوض نيابة عن الاتحاد الأوروبي مع علي لاريجاني.

ومن الواضح هنا تأثير كل من روسيا والصين في تأجيل العقوبات حتى نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام الحالي، وذلك لإعطاء إيران فرصة لوقف تخصيب اليورانيوم كما طُلب منها من قبل مجلس الأمن.

وهذا يعني استبعاد تصور عمل عسكري أميركي قبل نهاية العام، خاصة إذا ما استأنفت طهران تعاونها مع وكالة الطاقة الذرية، وبالتالي سحب مبررات الضربة العسكرية من واشنطن.

فرص الحرب والسلام
وهكذا يبدو أن فرصة إيجاد حل سلمي للمسألة النووية الإيرانية قائمة، لكن أخطر ما يهدد فرص الحل السلمي قد يكون في احتمالات الخطأ في الحسابات والتقدير من قبل الطرفين.

الخطأ المحتمل من الجانب الأميركي قد يأتي من اقتناع القادة العسكريين خاصة قادة سلاح الجو بقدرتهم على تدمير القدرات العسكرية الإيرانية تدميراً كاملاً، ومن اقتناع القادة السياسيين بأن مثل هذا العمل هو الحل الوحيد للتعامل مع إيران "المارقة التي تعتبر مصدر الشر في المنطقة بأكملها"، ناهيك عن الجنوح باتجاه تصديق أن يقود مثل هذا العمل إلى النجاح في إسقاط نظام الملالي وإقامة نظام موال لواشنطن.

الخطأ في التقديرات من الجانب المقابل يكمن في أن يعتقد المسؤولون الإيرانيون أن أميركا قد هزمت في العراق، وأنها لا تملك الإرادة ولا القدرة على شن حرب إضافية.

"
الدول العربية لا تحسد على موقفها، خاصة أنها عاجزة عن أن تكون طرفاً فاعلاً في المعادلة الإقليمية، ليس لأنها فاقدة للقدرات الضرورية، بل بسبب انقسامها وافتقارها إلى الإرادة السياسية القادرة على بلورة مشروع ثالث بين المشروعين الأميركي والإيراني
"
لا شك في أن الولايات المتحدة لم تحقق أهدافها في العراق، لكن من الخطأ الذي يتردد في المنطقة الاعتقاد بأنها قد هُزمت تماماً، وأنها ستنسحب ذليلة مدحورة من العراق.

هناك مؤشرات كثيرة على انسحاب جزئي للقوات الأميركية من العراق، لكنها لن تنسحب منه أو من المنطقة في المدى المنظور، وذلك لكون المنطقة أحد أهم مصادر الطاقة في العالم.

لقد خاضت الولايات المتحدة عدة حروب للحفاظ على مصالحها في المنطقة، ولن تتردد في خوض حرب أخرى –في نهاية المطاف- لحفظ مصالحها ومصالح حلفائها بالمنطقة.

مخاطر الخطأ في الحسابات والتقدير تتزايد مع استمرار الطرفين في استعراض العضلات من خلال المناورات العسكرية والتحضير لمواجهة قد يزداد اقتناع الطرفين بأنها قادمة لا محالة.

في هذه الأجواء المشحونة يتنازع المنطقة مشروعان: المشروع الأميركي والمشروع الإيراني. وينقسم العرب بين هذين المشروعين، مع اقتراب أكبر لأغلبية الدول العربية من المشروع الأميركي، لا حبًّا فيه بل كرهًا للمشروع الإيراني.

فلئن فشلت الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها في العراق، فقد نجحت إيران في الاستفادة من أخطاء أميركا واستطاعت تثبيت نفوذها عبر حلفائها الشيعة في الحكومة العراقية وخارجها، كما استطاعت ربط النظام السوري بإستراتيجيتها، وتقوية حزب الله في لبنان ليكون أداتها في التخريب لأي دور إسرائيلي محتمل في العدوان عليها.

الدول العربية –باستثناء سوريا- متوجسة من التوسع الإيراني، لكنها ترهب من احتمالات حرب طاحنة بين المشروعين، قد تتوسع فتصل إليها.

الدول العربية لا تُحسد على موقفها هذا، خاصة أنها عاجزة عن أن تكون طرفا فاعلا في المعادلة الإقليمية، ليس لأنها فاقدة للقدرات الضرورية، بل بسبب انقسامها وافتقارها إلى الإرادة السياسية القادرة على بلورة مشروع ثالث، يعمل على منع حرب جديدة في المنطقة، ويكون قادرا على لجم التوسع الإيراني، ويسعى إلى إيجاد شرق أوسط خال من الأسلحة النووية باعتبار ذلك أحد متطلبات السلام العادل والشامل الذي تتغنى به هذه الدول.
ـــــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة