الحرب في باكستان.. استمرار قواعد اللعبة القديمة   
الخميس 1430/6/17 هـ - الموافق 11/6/2009 م (آخر تحديث) الساعة 17:16 (مكة المكرمة)، 14:16 (غرينتش)

محمد فايز فرحات


فشل إستراتيجية المهادنة
توافق مصالح الجيش وزرداري
السيطرة على الأرض دون القضاء على طالبان

في الوقت الذي دعت فيه السيدة بينظير بوتو -قبل اغتيالها- إلى تبني سياسة في مواجهة التنظيمات الدينية المتشددة في باكستان، وحملت هذه التنظيمات مسؤولية المشكلات الراهنة للدولة الباكستانية -وذلك في إشارة إلى عزمها اتخاذ سياسات أكثر وضوحا وصرامة ضد هذه التنظيمات في حالة توليها الحكومة الباكستانية- وفي وقت كان يتم فيه الإعداد لصفقة تقاسم السلطة بينها وبين الرئيس السابق برويز مشرف -بل إنها حملت نظام مشرف ذاته مسؤولية توسع هذه التنظيمات وتغلغلها داخل المجتمع وأجهزة الدولة الباكستانية- وهي توجهات كانت تتسق وطبيعة حزب الشعب الباكستاني ذي التوجهات العلمانية.

 في ظل تلك الظروف فوجئ المجتمعان الباكستاني والدولي بتوقيع الحكومة المحلية في إقليم الحدود الشمالية الغربية وحركة تنفيذ الشريعة المحمدية –القريبة من حركة طالبان- اتفاقا عرف باتفاق "وادي سوات" ثم إقرار الرئيس آصف زرداري -زوج الراحلة بوتو ورئيس حزب الشعب ذاته- للاتفاق في 14 أبريل/نيسان 2009 بعد موافقة الجمعية الوطنية الباكستانية على مشروع الاتفاق.

وقد بدا الاتفاق وكأنه تعبير عن تحول في موقف حزب الشعب من التنظيمات الدينية، من ناحية، وكتعبير عن ضعف النظام الباكستاني واتجاهه إلى المهادنة مع حركة طالبان من ناحية أخرى، خاصة في ضوء قدرة الحركة على تنفيذ سلسلة من العمليات ضد الجيش الباكستاني، واعتبار ذلك مقدمة لتفكك الدولة الباكستانية و"طلبنتها".

غير أنه سرعان ما انهار الاتفاق، ليبدأ فصل جديد من المواجهة العسكرية بين الجيش والحركة بعد أقل من أسبوعين من إقرار الاتفاق، الأمر الذي أثار الكثير من التساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء توقيع الاتفاق ثم انهياره، وما إن كان مسار هذا الاتفاق، ثم مسار العمليات العسكرية، يعكسان تحولا إستراتيجيا في توجهات الدولة الباكستانية إزاء طالبان.

فشل إستراتيجية المهادنة
شكل اتفاق وادي سوات محاولة من جانب نظام زرداري لاختبار سياسة المهادنة والحوار مع الجناح المعتدل داخل حركة طالبان باكستان، في محاولة –ربما- لتطبيق الإستراتيجية الأميركية الجديدة في أفغانستان والتي تقوم -بالإضافة إلى عناصر أخرى- على التمييز بين جناح معتدل وآخر متشدد داخل طالبان أفغانستان، في محاولة لاحتواء الجناح المعتدل، وعزله عن الجناح المتشدد داخل الحركة وعن تنظيم القاعدة. إلا أن هذه المراهنة سرعان ما ثبت خطؤها، من ناحية، وعدم قابليتها للتطبيق من ناحية أخرى.

فعلى عكس الموقف الأميركي من طالبان أفغانستان لم تقبل الولايات المتحدة بتطبيق فكرة التمييز بين جناح معتدل وآخر متشدد في حالة طالبان باكستان، وهو ما تأكد مع توالي الانتقادات الأميركية الشديدة والصريحة لاتفاق وادي سوات، كان أبرزها تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، التي أعلنت فيها أن الاتفاق يشكل تهديدا للدولة الباكستانية وللمجتمع الباكستاني، والتي انطوت على دعوة مباشرة للمجتمع الباكستاني برفض هذا الاتفاق والوقوف ضده.

وهكذا، فقد عكس الموقف الأميركي من الاتفاق رفض الإدارة الأميركية الجديدة مد فكرة التمييز بين جناح معتدل وآخر متشدد –والتي هي بصدد تطبيقها على الحالة الأفغانية- إلى الحالة الباكستانية، استنادا إلى الاختلافات الجوهرية بين الحالتين، وهي اختلافات لم تدركها القيادة الباكستانية.

"
انطوى اتفاق سوات على العديد من الإشكاليات التي كان من الطبيعي أن تقود إلى انهياره، أول تلك الإشكاليات يتعلق بالنطاق الجغرافي للاتفاق، حيث اقتصر على إقليم سوات فقط، وهو ما يعني استمرار حالة الحرب, والثاني يتعلق بتفسير الاتفاق، فقد نشأ خلاف عميق فيما يتعلق باستحقاقات الجانبين
"
ومن ناحية أخرى، وفيما يتعلق بمضمون الاتفاق ذاته، يلاحظ أنه قد انطوى على العديد من الإشكاليات التي كان من الطبيعي أن تقود إلى انهياره. أول تلك الإشكاليات يتعلق بالنطاق الجغرافي للاتفاق، حيث اقتصر على إقليم سوات فقط، الأمر الذي كان يعني من الناحية العملية استمرار حالة "الحرب" والمواجهة بين الحركة والنظام الباكستاني خارج هذا الإقليم، كما هي، وهو وضع لا يمكن الحديث معه عن اتفاق هدنة أو حوار حقيقي بين النظام والحركة.

ثاني تلك الإشكاليات يتعلق بتفسير الاتفاق، فقد نشأ خلاف عميق بين الجانبين فيما يتعلق باستحقاقات الجانبين بموجب الاتفاق، وذلك فيما يتعلق بمسألتين أساسيتين. الأولى هي المعنى المقصود بتطبيق الشريعة الإسلامية، والثانية هي ما إن كان توقيع الاتفاق يعني تخلي طالبان عن سلاحها أم مجرد وقف العنف ووقف إطلاق النار، ففي الوقت الذي رأت فيه الحركة أن الاتفاق لا يعني سوى وقف إطلاق النار ووقف العنف المتبادل دون التخلي عن السلاح، رأت الحكومة الباكستانية خاصة وزارة الداخلية أن الاتفاق يفرض على الحركة التخلي عن السلاح.

والأهم من ذلك، أن السياق الذي وُقع فيه الاتفاق كان من الممكن أن يمثل مجرد مقدمة لاتفاقات مماثلة تغطي أقاليم أخرى خارج سوات. وبمعنى آخر، فإن الطريقة التي تم من خلالها إنتاج هذا الاتفاق -حيث جاء نتيجة لسلسلة من العمليات المسلحة التي قامت بها طالبان باكستان ضد الجيش ومؤسسات الدولة الباكستانية- كانت ستعني من وجهة طالبان قابلية النظام الباكستاني للابتزاز وتقديم المزيد من التنازلات للحركة خاصة في ضوء التوازنات السياسية الدقيقة على المستوى الداخلي، وتعرض النظام للضغوط الخارجية على المستويين الإقليمي والدولي، الأمر الذي أوجد قناعة لدى طالبان بإمكانية تكرار السيناريو نفسه خارج إقليم سوات.

وقد بدأت بالفعل مؤشرات هذا التوجه من جانب الحركة عقب توقيع اتفاق سوات، حيث بدأ قادة الحركة في التسلل إلى منطقة بونير استعدادا لمحاولة تكرار السيناريو ذاته، وذلك استنادا إلى أن وقف إطلاق النار مع النظام يقتصر على وادي سوات دون غيره من الأقاليم الباكستانية، وهو ما أضفى مصداقية على الكثير من التحليلات التي ذهبت إلى أن اتفاق سوات لا يشكل سوى مقدمة لمزيد من "طلبنة" باكستان.

وأخيرا، يمكن الإشارة إلى أن الاتفاق قد تضمن العديد من التنازلات التي كان يصعب قبولها من جانب الجيش لفترة طويلة، والتي كانت تمثل في التحليل الأخير انتقاصا كبيرا من هيبته، على الأقل على المستوى الرمزي.

كان أبرز تلك التنازلات ما تضمنه الاتفاق من رفع كل نقاط التفتيش التابعة للجيش وللأجهزة الأمنية من الإقليم، وعدم القيام بأي عمليات عسكرية أو مداهمات أمنية داخل الإقليم إلا بعد "التشاور" مع الحركة، وهي بلا شك تنازلات لا تتناسب وطبيعة الدور التاريخي للجيش والأجهزة الأمنية في الحياة السياسية في باكستان.

توافق مصالح الجيش وزرداري
رغم أن العمليات العسكرية الأخيرة للجيش الباكستاني ضد طالبان باكستان -التي بدأت في 26 أبريل/نيسان 2009- لم تكن الأولى من نوعها، إذ قام الجيش بالعديد من العمليات السابقة ضد الحركة في عهد الرئيس السابق برويز مشرف، إلا أن العمليات الأخيرة تميزت بالعديد من الخصوصيات والعناصر الإيجابية التي ميزتها عن سابقتها، على نحو زاد من سقف النتائج المتوقعة من تلك العمليات.

يأتي في مقدمة هذه العناصر اتساع درجة التوافق الداخلي حولها، فعلى الرغم من الخلاف المتوقع بين الجناحين العسكري والمدني، فقد جرت العمليات في ظل توافق واضح بين الجيش ومؤسسة الرئاسة والحكومة الباكستانية.

بل لم يقتصر هذا التوافق على الجيش والسلطة المدنية، ولكنه امتد ليشمل معظم القوى السياسية الأخرى، خاصة المدنية، وعلى رأسها حزب المعارضة الرئيسي ممثلا في الرابطة الإسلامية-جناح نواز شريف، كل مدفوع بحساباته الخاصة في تلك العمليات.

الخصوصية الثانية هي الاستخدام المكثف للقوة، فهذه هي المرة الأولى التي يقدم فيها الجيش الباكستاني على الاستخدام الواسع والمنظم للقوة العسكرية داخل أحد الأقاليم الباكستانية. أضف إلى ذلك التوافقات الإقليمية والدولية التي تحققت حول تلك العمليات، عبر عنها بوضوح دعم الرئيس الأفغاني، والدعم الهندي الذي عبر التزام الهند بتهدئة الجبهة الهندية الباكستانية، فضلا عن الدعم الأميركي.

إلا أنه رغم هذه الخصوصيات والعناصر الإيجابية، لا يمكن القول بأن هذه العمليات لم تشكل تحولا إستراتيجيا في موقف الحكومة الباكستانية من طالبان. وبمعنى أدق فإن العمليات العسكرية لم تأت نتيجة رؤية إستراتيجية مخططة للتعامل مع الحركة، بقدر ما جاءت نتيجة تفاعل عدد من العوامل، والحسابات الخاصة بكل من الجيش والسلطة المدنية، عجلت بقرار المواجهة العسكرية، خاصة في ضوء ضعف اتفاق سوات والإشكاليات المهمة التي انطوى عليها.

يتعلق العامل الأول بالحسابات الخاصة للجناح المدني في السلطة، وتحديدا الرئيس آصف زرداري. ففي إطار المراجعات الشاملة التي بدأتها إدارة أوباما للسياسة الأميركية في منطقة جنوبي آسيا، كان من المنطقي أن تعيد تلك الإدارة حساباتها وتقييمها للقيادتين السياسيتين الرئيسيتين في المنطقة، آصف زرداري وحامد كرزاي، استنادا إلى الانتقادات الشديدة الموجهة للاثنين، خاصة فيما يتعلق بقدرتهما على مواجهة التحديات الداخلية والإمساك بالتوازنات الداخلية.

"
العمليات العسكرية في سوات لم تأت نتيجة رؤية إستراتيجية مخططة للتعامل مع الحركة، بقدر ما جاءت نتيجة تفاعل عدد من العوامل، والحسابات الخاصة بكل من الجيش والسلطة المدنية، عجلت بقرار المواجهة العسكرية
"
فقد تزامن مع وصول إدارة أوباما تصاعد الحديث عن تخلي الولايات المتحدة عن كرزاي في الانتخابات الرئاسية القادمة المقررة في أغسطس/آب 2009، كما تصاعد الحديث في مرحلة تالية عن فتح الولايات المتحدة قناة اتصال مباشر مع زعيم المعارضة الباكستانية نواز شريف.

وكان لتلك الإشارات تأثيرها المهم على الرئيس زرداري، فهو أكثر من يعلم –في ضوء تجربة نظام برويز مشرف التي انتهت بصعود زرداري إلى السلطة- مخاطر البراغماتية الأميركية بالنسبة لمستقبله السياسي، ومدى استعداد الولايات المتحدة لتحريك خيوط اللعبة السياسية من جديد لإنتاج قيادة سياسية جديدة.

وفي ضوء هذه المعطيات، كان من الطبيعي أن يتراجع زرداري عن اتفاق وادي سوات، بعدما كشفت الإدارة الأميركية عن موقفها من ذلك الاتفاق، وأن يتحول إلى الاستخدام المكثف للقوة العسكرية ضد طالبان.

وقد كان من شأن الاعتماد المكثف على الجيش الباكستاني أن يحقق مكسبا مزدوجا لزرداري، الأول أن الاعتماد على الجيش بهذا الشكل المكثف كان معناه رسالة قوية للإدارة الأميركية الجديدة ليس فقط بالتراجع "الكامل" و"الواضح" و"النهائي" عن أي سياسة مهادنة مع طالبان، ولكن أيضا رسالة قوية بأهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه الجناح المدني في السلطة، وتحديدا مؤسسة الرئاسة ممثلة في الرئيس زرداري. وبمعنى أكثر وضوحا، استمرار جدارة القيادة السياسية الباكستانية في إطار الحرب على الإرهاب.

أما المكسب الثاني فيتعلق بتوريط الجيش الباكستاني في هذه المواجهة، فرغم أن تلك المواجهة قد تمثل جزءا من وظيفة الجيش في الدفاع عن الدولة الباكستانية، إلا أن توريط الجيش في تلك المواجهة كان من شأنه أن يحقق بدوره مكسبين فرعيين لزرداري، فمن ناحية لا شك أن توريط الجيش في هذه المواجهة المفتوحة، يعني في التحليل الأخير إبعاد الجيش نسبيا عن الحياة السياسية، وتحييده، ولو مؤقتا، في اللعبة السياسية الراهنة في باكستان.

وربما يكون من المقبول في هذا السياق فهم التصريحات وردود الفعل الأميركية التي صدرت عقب توقيع اتفاق وادي سوات، خاصة تلك التي تحدثت عن أن الاتفاق يشكل تهديدا للدولة الباكستانية وللمجتمع الباكستاني، وتلك التي ربطت بين الاتفاق واحتمال وقوع الترسانة النووية تحت سيطرة عناصر إسلامية متشددة، باعتبارها كانت نوع من تهيئة الرأي العام الباكستاني لوقوع انقلاب عسكري جديد، بل وربما دعوة أميركية غير مباشرة للجيش للعودة مرة أخرى للسيطرة على السلطة، ولو مؤقتا، لحين بناء معادلة سياسية جديدة أو إنتاج نخبة مدنية بديلة لنخبة زرداري وحزب الشعب. ومن ناحية أخرى، مثلت تلك المواجهة مناسبة مهمة للتأكيد على خضوع المؤسسة العسكرية للقرار السياسي للجناح المدني في السلطة.

أضف إلى كل ذلك، أن رفض زرداري التراجع عن اتفاق وادي سوات والقيام بهذه العمليات كان من شأنه التأثير سلبا على خطة المساعدات الاقتصادية الأميركية التي أعلنت عنها إدارة أوباما كجزء من الإستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه أفغانستان وباكستان.

ويتعلق العامل الثاني بالحسابات الخاصة بالجيش، فرغم أن العمليات العسكرية قد أظهرت -على الأقل من الناحية الشكلية- أن القرار السياسي ما زال في يد الجناح المدني، إلا أنه لم يكن من المتصور قبول الجيش بالدخول في تلك المواجهة الصعبة وغير المضمونة مع طالبان بدون وجود مصلحة محددة له، فالجيش لديه هو الآخر مصالحه وحساباته الخاصة كمؤسسة، يأتي على رأسها الحفاظ على علاقة جيدة مع الولايات المتحدة الأميركية كشرط رئيسي لضمان تدفق المساعدات العسكرية، واستمرار أنشطة التدريب، وكشرط أيضا للحفاظ على التوازن الإستراتيجي في شبه القارة الهندية.

أضف إلى ذلك أن قيام الجيش بتلك العمليات كان من شأنه التأكيد للولايات المتحدة على أن الجيش -وليس القوى المدنية أو الشرطة وأجهزتها الأمنية- هو الطرف الأقوى داخل باكستان الذي يمكن للولايات المتحدة الاعتماد عليه في مواجهة طالبان وغيرها من القوى الدينية المتشددة، وبمعنى آخر أن الجيش لا زال هو الشريك الحقيقي للولايات المتحدة وليس القوى المدنية.

السيطرة على الأرض دون القضاء على طالبان
استنادا إلى الحسابات السابقة للجيش وللحكومة الباكستانية، فإن التساؤل حول ما إن كانت العمليات العسكرية قد نجحت في القضاء على طالبان باكستان، يصبح تساؤلا مبالغا فيه.

بل يمكن التشكيك فيما إن كان الجيش أو الحكومة الباكستانية قد هدف بالفعل من وراء هذه العمليات إلى القضاء "الكامل" و"النهائي" على الحركة، ليس فقط إدراكا منهما لصعوبة تحقيق هذا الهدف من الناحية العملية، ولكن أيضا لحساباتهما الخاصة، الأمر الذي يعني اكتفائهما بتحقيق أهداف أكثر تواضعا، حدها الأدنى الاكتفاء بتوصيل الرسائل المطلوبة للشركاء الداخليين والخارجيين، وحدها الأقصى إعادة سيطرة الجيش على الأراضي التي كانت خاضعة لسيطرة طالبان.

وتتأكد صحة هذا الافتراض في ضوء عدد من المؤشرات، أولها سرعة الإعلان عن قرب انتهاء العمليات العسكرية، فرغم أنه كان من المفترض -في حالة تبني هدف القضاء على الحركة- انتقال العمليات العسكرية من نمط العمليات القائمة على استخدام القوة العسكرية (النظامية) واسعة النطاق، إلى نمط العمليات القائمة على تمشيط الأرض، إلا أن ذلك لن يحدث على ما يبدو في ضوء الإعلان عن قرب انتهاء العمليات العسكرية وقطع الطريق على المرحلة الثانية، وهو ما مهد له إعلان وزير الدفاع في 31 مايو/أيار أثناء مشاركته في مؤتمر حول الأمن الإقليمي في سنغافورة حين قال "إن العمليات العسكرية في سوات وبونير والمناطق المجاورة تكاد تنتهي تماما" وإنه "لم يبق سوى 5% إلى 10% من العمل الواجب إتمامه".

"
تكشف تجربتا اتفاق سوات، ثم العمليات العسكرية الأخيرة عن استمرار قواعد اللعبة القديمة كما هي تقريبا، وربما تخرج طالبان باكستان أقوى مما كانت عليه، خاصة إذا أدركت أن هناك سقفا لما يمكن أن يقوم به الجيش والقوى المدنية العلمانية ضدها
"
ثانيها، أن هذه العمليات –رغم كثافتها- لم تعلن عن مقتل أو اعتقال أي من قيادات الحركة، بل إنه وفقا للبيانات الصادرة عن الجيش نفسه، فإن العمليات العسكرية قد أسفرت عن مقتل نحو 1100 عنصر من الحركة (حتى آخر مايو/أيار 2009) وهو عدد لا يتناسب مع الحجم المعلن لمقاتلي الحركة (خمسة آلاف مقاتل).

هناك العديد من التفسيرات التي قد تشرح قبول الجيش بهذا السقف المتواضع من الأهداف، من قبيل إدراكه بأن أية حرب عصابات حقيقية على الأرض مع طالبان لن تكون في صالحه، وذلك في ضوء ضعف خبرته في هذا النمط من الحروب، بالمقارنة بتركيزه في العقود السابقة على نمط الحروب النظامية، وافتقاده المعلومات الكافية حول طالبان، خاصة افتقاده لرؤية واضحة حول هيكلها التنظيمي والصف الثاني والثالث من كوادر الحركة، ونجاح الحركة في بناء علاقات تعاون مع التنظيمات الدينية في إقليم البنجاب واختراق الحركة للإقليم، الأمر الذي يشير إلى قدرتها على فتح جبهات جديدة للمواجهة خارج إقليم الحدود الشمالية الغربية، الذي يقع داخله وادي سوات، خاصة بعد توعد بيت الله محسود زيادة العمليات العسكرية في كل من لاهور وإسلام آباد وراولبندي وملتان، فضلا عن ارتفاع حجم النازحين المدنيين، والذي وصل إلى الحد الحرج الذي قد يحول الحرب من مجرد عمليات عسكرية ضد طالبان إلى حرب ضد الشعب الباكستاني ذاته.

وهو ما كان من شأنه ليس فقط التأثير على صورة الجيش داخل المجتمع الباكستاني، وتحديدا ضد أقلية البشتون المتمركزة في إقليم الحدود الشمالية الغربية والتي تشكل القاعدة العرقية والاجتماعية لطالبان ولكن أيضا -وذلك هو الأخطر- توسيع نطاق المواجهات العرقية، والتي بدأت بوادرها بالفعل في إقليم البنجاب بين البشتون والبنجابيين.

غير أنه مع أهمية هذه التفسيرات، يظل هناك تفسير مهم لا يمكن إغفاله وهو أن طالبان لا زالت تمثل إحدى الأوراق المهمة التي يمكن توظيفها من قبل الجيش والحكومة الباكستانية، سواء لإدارة بعض ملفات السياسة الخارجية على الساحتين الأفغانية أو الهندية، أو كفزاعة لإدارة حالة من التوتر الإيجابي مع الولايات المتحدة للحصول على المزيد من المساعدات.

وهكذا، تكشف تجربتا اتفاق سوات، ثم العمليات العسكرية الأخيرة عن استمرار قواعد اللعبة القديمة كما هي تقريبا، وربما تخرج طالبان باكستان أقوى مما كانت عليه، خاصة إذا أدركت أن هناك سقفا لما يمكن أن يقوم به الجيش والقوى المدنية العلمانية ضدها.
ــــــــــــــــــ
باحث متخصص في الشؤون الآسيوية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة