سبل استثمار السند الشعبي لغزة   
الخميس 1430/2/10 هـ - الموافق 5/2/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:08 (مكة المكرمة)، 13:08 (غرينتش)


عادل لطيفي

- صمت القصور وغضب الشارع
- من أجل مجموعة ضغط شعبي عالمية

ما عسى أن تقول الكتابة في وجه فظاعة آلة الموت الإسرائيلية في غزة؟ إنها ليست فقط آلة للموت، بل هي شبه مختبر للإبداع في القتل لأن مجرد قتل الفلسطيني أصبح مسألة بديهية والرهان الإسرائيلي الأميركي اليوم يدور حول كيفية القتل. أيقتلونهم فرادى أم جماعات؟ بالصواريخ أم بقنابل الفوسفور؟ بالاغتيال أم بالحصار والموت جوعا؟ على هذه الأسئلة يتوقف الاستثمار السياسي الإسرائيلي.

فلا أهمية لفعل القتل أو لعدد القتلى. بصيص أمل وحيد لاح في ظل قتامة الوضع وفي ظل الاستسلام المهين لرموز نظام عربي مفلس. إنها هبة روح المواطنة التي تحركت في كل أنحاء العالم لمساندة حق الحياة في غزة.

صمت القصور وغضب الشارع
لقد فوجئ أصحاب القرار في العالم بحجم التحرك الشعبي المساند لغزة والمندد بشناعة السلوك الإجرامي الإسرائيلي. كما فوجئ المراقبون بالفضاء الجغرافي الذي انتشر فيه هذا السند الشعبي والذي مس رقاعا من الأرض لم يكن من المؤكد أنها على اطلاع على فصول المأساة الفلسطينية أو تعلم بوجودها أصلا.

في المقابل فوجئ كل ذي همة وكل من آمن بأدنى حقوق الإنسان -أي حق الحياة في مستواها البيولوجي الأدنى- بمواقف رسمية عربية ودولية مساندة للمجزرة بطريقة أو بأخرى.

لقد أفرزت الحرب على غزة مواجهة بين صمت القصور العربية الناعمة وبين صراخ شارع أدماه مسار الإهانات المتواترة منذ أن انطلت عليه كذبة الاستقلال وتأسيس الوطن في الخمسينيات من القرن الماضي. فعلى المستوى العربي، تميز التفاعل الرسمي كما نعلم باختلافه من قصر إلى آخر.

"
أفرزت الحرب على غزة مواجهة بين صمت القصور العربية الناعمة وبين صراخ شارع أدماه مسار الإهانات المتواترة منذ أن انطلت عليه كذبة الاستقلال وتأسيس الوطن في الخمسينيات من القرن الماضي
"
لقد برز موقف القصور المصرية والسعودية والمباني التابعة لها في المقاطعة برام الله، بتفهمه للتحرك الإجرامي الإسرائيلي عبر تحميل مسؤولية ما يجري لحماس.

وقد انعكس هذا الموقف الرسمي على الشارع بتضييق المجال على كل تحرك للقوى الحية في المجتمع للتعبير عن عمق شعورها بالإهانة التي لحقتها جراء صمت مسؤوليها. بالإضافة إلى تكميم الأفواه عمدت هاتان الدولتان العربيتان إلى تجنيد المؤسسة الدينية الرسمية لتجريم حماس والمساندين لها.

أما في رام الله فقد تم كذلك التضييق على تحركات المساندة وخاصة منع أي التحام مع جيش العدو. وهو التحام كان بإمكانه تخفيف الضغط على غزة وتحذير محمود عباس ومن يقف وراءه بعدم ضمان عواقب استمرار المجزرة.

في المقابل تسجل نقطة إيجابية واحدة لهذا الثالوث، وهي شجاعته في الإفصاح عن موقفه المتخاذل بدعوى روح المسؤولية والمحافظة على أرواح الفلسطينيين.

إنها شجاعة في قاموسهم الذي أرسى معالمه أنور السادات. بمقتضاه أصبحت المساومة والمتاجرة بالحقوق شجاعة ورشدا والدفاع عنها ضربا من ضروب الطيش السياسي. لكن ما ذا ربح أصحاب هذا التوجه من دورهم في التجربة الدموية في غزة؟

لا يشك أحد في أن أول من تلقى الصفعة السياسية هم الساسة المصريون الذين أدارت لهم تل أبيب بظهرها بعد أن وقعت اتفاقا مع واشنطن دون استشارة القاهرة وبعد أن أعلنت وقف إطلاق النار دون أي اعتبار لما يسمى بالمبادرة المصرية.

غير أن تحركات الشارع أدت إلى بعض التغيير ليس في عمق الموقف السياسي بل بالتعبير الدبلوماسي عنه. فبعد اتضاح معالم المجزرة وبداية الضغط الشعبي العربي والعالمي، بدأ هذا الثالوث ينتقد باحتشام ممارسات آلة الحرب الإسرائيلية ويحاول التغطية بإرسال المساعدات أو التظاهر بتحريك الجهود الدبلوماسية التي بيّن التاريخ أن إسرائيل لا تعيرها أي اهتمام كما لا تعير الساهرين عليها أي احترام. وما زيارة تسيبي لفني للقاهرة قبل 24 ساعة على العدوان الإجرامي إلا دليل على ذلك.

وباستثناء بعض العواصم العربية التي عرفت بمواقفها المساندة للمطالب المشروعة -ولو أن هذه المساندة تتم عادة على حساب الحريات الداخلية- فإن أغلب القصور العربية الأخرى فضلت النأي بنفسها عن كل اهتمام علني قد يصب على ساكنيها جام غضب الحليف الأميركي.

أما من يدعي بأنه "العالم الحر" فقد اكتفى بالتعبير عن القلق مما يحدث والمطالبة بوقف إطلاق النار. إنها طريقة أخرى لإضفاء شرعية على الإجرام الإسرائيلي طالما أن الضحية هو ذلك الآخر الفلسطيني.

بصيص الأمل جاء عبر هبة الشارع في كل أنحاء العالم لينبه كل سياسي غافل بأن روح المواطنة والإحساس بمأساة الإنسان قد اكتسحت فضاءات جغرافية وثقافية متباعدة.

فمن أفريقيا إلى آسيا وأوروبا وأميركا الجنوبية والشمالية وأستراليا، خرجت جماهير متباينة العدد والتصميم لتعبر كلها عن عدم تقبل الضمير الإنساني لويلات دمار الحرب وجرائم آلة الموت الصهيوني المنفلتة من كل عقاب. وبالرغم من أن الثقل الأساسي لهذه التحركات الشعبية بقي رمزيا ولم يرق إلى موقع التأثير السياسي الفعلي إلا أن ذلك لم يمنع تسجيل بعض النقاط التي ستكون لها بالتأكيد تأثيراتها على الأمد القريب.

من بين هذه النقاط إخراج المأساة الفلسطينية في غزة من صبغتها الإسلامية كما أرادت إسرائيل والغرب والسلطة الفلسطينية وحصرها فيها عبر تحميل المسؤولية لحركة حماس ولخيارها الجهادي.

"
المد الشعبي أكد مكانة القضية الفلسطينية في الضمير الإنساني العالمي وربما حوّلها إلى رمز من رموز مأساته وساهمت المسيرات الشعبية في إعادة الاعتبار لدور المواطن العادي والتي طالما احتكرها السياسيون
"
لقد كذّب هذا الالتفاف الشعبي العالمي أن تكون الحرب على غزة حربا على خيار إسلامي سياسي أو ضد إمارة إسلامية. ذلك أن أغلب الذين تحركوا في العواصم العالمية هم من التيارات اليسارية والمدافعة عن حقوق الإنسان.

ومن شأن مثل هذا الإطار أن يعطي متنفسا للمقاومة في غزة ويعطيها بعدا شعبيا عالميا. يتأكد هذا لو قارنا أهمية السند الشعبي لغزة ولحماس مع الفتور الشعبي الذي صاحب الحرب على حركة طالبان الإسلامية في أفغانستان.

في هذا السياق يمكننا أن نتحدث عن نوع من عالمية الشعور بمأساة الحرب المفروضة من طرف أصحاب القرار السياسي. وهو وعي عام كان قد بدأ  أثناء الحرب على فيتنام وتنامى مع الحرب على العراق وساهم السخط على الإجرام الإسرائيلي في إثرائه. لقد أكد هذا المد الشعبي مكانة القضية الفلسطينية في الضمير الإنساني العالمي وربما حوّلها إلى رمز من رموز مأساته.

من جانب آخر ساهمت المسيرات الشعبية المساندة للقضية الفلسطينية في إعادة الاعتبار لدور المواطن العادي كمعطى من معطيات السياسة الخارجية التي طالما احتكرها السياسيون.

وبدا هذا واضحا في بعض البلدان الغربية مثل إسبانيا وحتى في البلدان العربية. ذلك أن قمة الدوحة استندت على حجم السند الشعبي العربي بالإضافة إلى جدية بعض المواقف الرسمية التي كانت وراء هذه القمة.

من أجل مجموعة ضغط شعبي عالمية
بطبيعة الحال علينا أن لا ننساق وراء القراءة العاطفية المستعجلة لهذه التحركات الشعبية مما يؤدي إلى تضخيمها على حساب فعلها الملموس. ذلك أن أصحاب القرار السياسي سواء في العالم العربي أو في الغرب من المتواطئين مع ما يجري يراهنون عادة على عامل الوقت بانتظار فتور الرغبة الشعبية الجامحة في المساندة.

وقد لاحظنا ذلك في حالة المغرب الأقصى، حيث ساهمت المسيرات المليونية في دفع الحكومة المغربية إلى المشاركة في قمة الدوحة لكن دون أن تصل إلى مستوى اتخاذ إجراءات عملية من طرف النظام المغربي.

كيف يمكن استثمار مظاهر السند الشعبي العالمي اليوم وقد بدأت إسرائيل في التراجع عن هجمتها الإجرامية؟

لا بد أولا من محاربة عامل الوقت. فإعلان إسرائيل وقف إطلاق النار من جانب واحد سيؤدي حتما إلى فتور السند الشعبي وإلى التفات النخب والأحزاب والجمعيات إلى همومها الداخلية. يتأكد هذا بسبب ظرف الأزمة الاقتصادية الحالي وأهمية الملفات الاجتماعية المطروحة.

لذا، لا بد من تكوين مجموعة للضغط الشعبي من أجل منع الإجرام الحربي الإسرائيلي مستقبلا. وعلى الجمعيات العربية وقوى المجتمع المدني العربي أن توجد أطرا للتنسيق الدائم مع مثيلاتها في باقي أنحاء العالم من أجل هدف مرحلي على الأقل يتمثل في عدم غلق ملف الحرب على غزة طالما لم يتم تحقيق دولي ملزم ولم تتم متابعة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة.

"
لا بد من تكوين مجموعة للضغط الشعبي من أجل منع الإجرام الحربي الإسرائيلي مستقبلا, وعلى الجمعيات العربية وقوى المجتمع المدني العربي أن توجد أطرا للتنسيق الدائم مع مثيلاتها في العالم من أجل هدف مرحلي هو متابعة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة
"
لا بد على الأطر التي نجحت في تحريك السند الشعبي أن تحافظ على نفس هذا الزخم عن طريق تبني مطلبي التحقيق الدولي ومتابعة مقترفي جرائم الحرب. يتم ذلك بالطبع عن طريق التحرك القانوني المشترك من خلال لجنة شعبية دولية من المتخصصين مستفيدة من تغطية إعلامية عبر الإعلام الحر مثل الإنترنت.

المستوى الثاني لعمل هذا "اللوبي الشعبي الدولي" يتعلق بضمان إعادة إعمار شعبي لقطاع غزة لعدم ترك فضاء المبادرة للأنظمة الرسمية التي تحاول عبر ما يسمى بإعادة الإعمار طي صفحة جرائم الحرب التي اقترفت وتلميع صورتها كصديقة للفلسطينيين.

لست أدري إن كان بإمكان سكان غزة والمقاومة في هذا السياق تنظيم مقاطعة رمزية للمساعدات القادمة من الحكومات التي تورطت بمواقفها المعلنة في الحرب على غزة مع قبول مساعدات المجتمع المدني لهذه الدول. لأن من شأن هذا الرفض الرمزي أن يزيد في إضعاف مصداقية الجهات الرسمية المتواطئة أمام رأيها العام.

في هذا السياق الإنساني كذلك يجب أن تركز هذه الجبهة الشعبية العالمية على مسألة فك الحصار وفتح المعابر في إطار سيادة فلسطينية تامة وبالتحديد على المنفذ البحري. مثل هذا التركيز على مسألة الحصار والمعابر يهدف إلى تطويق ذريعة خنادق تهريب الأسلحة التي ابتدعتها إسرائيل للالتفاف على مشكلة الحصار غير الإنساني.

بإمكان هذا الإطار الشعبي العالمي أن يحدد كذلك بعض المطالب العسكرية الخاصة بحماية الشعب الفلسطيني. ويتم ذلك مثلا عن طريق التأكيد على ضرورة حماية الشعب الفلسطيني بالمطالبة بمنع تحليق الطائرات العسكرية الإسرائيلية فوق الأراضي الفلسطينية واستخدام الأسلحة الثقيلة فيها وكذلك بمنع الاغتيالات. بالتأكيد لا مجال اليوم لتحقيق هذه المطالب، لكن المغزى الأساسي يبقى رمزيا وذلك بتذكير العالم بأن المشكلة في عمقها هي مشكلة احتلال.

في نفس الوقت الذي تتشكل فيه هذه القوى الشعبية الدولية، على الساحة الشعبية الفلسطينية أن تتحرك من أجل الضغط على السلطة الفلسطينية القائمة لتتحمل مسؤولياتها في هذا الاتجاه. والمقصود هنا التصديق على مواثيق المحكمة الجنائية الدولية وأن تتقدم بشكوى ضد الأعمال الإجرامية الإسرائيلية.

للمقاومة المسلحة الفلسطينية مسؤولياتها أيضا، إذ لا بد من أن تترك الوقت للمجتمع الفلسطيني لإعادة بناء ذاته بعد الجرائم الإسرائيلية المتواترة وبعد خيبة الأمل في مسار التسوية الذي دشن منذ عقد ونيف. يصاحب هذا الإجراء تصعيد للنضال الشعبي العفوي مع ضرورة المحافظة على القدرة العسكرية للرد على الاعتداءات الإسرائيلية.

قد تبدو هذه المطالب حالمة في ظل انفراد سلطة أوسلو بالقرار الفلسطيني، لهذا السبب لا بد من إعادة الاعتبار إلى إطار منظمة التحرير الفلسطينية ورموزها الذين غيبوا منذ فترة حكم ياسر عرفات. أي أن الشرط النهائي لكل ذلك هو تمثيل فلسطيني على أساس المشروع الوطني لا على أساس رضا دول الجوار ونفاق المجتمع الدولي.
ـــــــــــ
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة