إعمار أفغانستان.. تنفيذ بطيء لوعود متواضعة   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

*بقلم/ مطيع الله تائب

وعود متواضعة لربع قرن من دمار
الأمن والإعمار في سباق مع الزمن
أبعاد إقليمية وسياسية لعملية إعادة الإعمار

وأخيرا.. واشنطن تتحرك

الحديث عن إعادة إعمار أفغانستان في الحقيقة حديث عن إعادة صياغة منطقة جنوب ووسط آسيا سياسيا واقتصاديا وأمنيا، وتناول الموضوع من هذه الزاوية يمكننا من فهم مستقبل أفغانستان الذي بات اليوم رهينا بالمصالح الدولية والإقليمية ومدى دعم هذه القوى لإنجاح النموذج الأفغاني في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول. لكن الرؤية من قريب لهذه الصورة الشاملة توضح حجم التحدي الكبير الذي يجابهه التحالف الدولي الذي أسقط نظام طالبان وجاء بحكومة الرئيس كرزاي وسط وعود كبيرة بعودة الأمن والاستقرار والرفاهية إلى أفغانستان.

وعود متواضعة لربع قرن من دمار

الإهمال الأميركي واضح في مشروع إعمار أفغانستان من أول يوم إذ إن الجهد الأميركي منصب على الحرب على الإرهاب، وكانت المساهمة الأميركية في مؤتمر طوكيو بسيطة جدا بحجة أن واشنطن تتحمل أعباء الحرب أساسا وعلى بقية العالم أن تتكفل أعباء الإعمار
لقد أصبح الحديث عن إعادة إعمار أفغانستان حديث الساعة في جميع المجالس الدولية في مرحلة ما بعد سقوط حكومة طالبان ومجيء حكومة كرزاي خاصة بعد اجتماع طوكيو في ديسمبر/ كانون الأول 2002 حيث وعدت الدول المانحة بتوفير 5.2 مليارات دولار لإعادة إعمار أفغانستان خلال الفترة 2002-2006.

لكن هذا الرقم كان وما زال متواضعا إذا قيس بمستوى الدمار الرهيب الذي شهدته أفغانستان خلال ربع قرن من حروب تحررية وأخرى داخلية وأخرى بالوكالة، وشمل الخراب والدمار كل مجالات الحياة بداية من عقلية المواطن الأفغاني ونفسيته مرورا بتركيبة أفغانستان العرقية والاجتماعية إلى الخراب المادي والمعنوي لمؤسسات الدولة والبنية التحتية للاقتصاد ثم إلى المكانة الإقليمية والدولية لأفغانستان.

وإذا قيست هذه الوعود بحالات مشابهة تبدو أكثر تواضعا حيث كان نصيب الفرد في المساعدات الدولية لرواندا (1994) 193 دولارا وفي البوسنا (1996-1999) 326 دولارا وفي كوسوفا (1999-2001) 288 دولارا وفي تيمور الشرقية (1999-2001) 195 دولارا، أما أفغانستان فكان نصيب الفرد من هذه المساعدات (2002-2006) 42 دولارا فقط.

التوقعات الأفغانية كانت كبيرة جدا في مؤتمر بون يوم 2 ديسمبر/ كانون الأول 2002 لمناقشة أوضاع أفغانستان حيث قدرت تكاليف إعادة إعمار أفغانستان بنحو 23 مليار دولار لخمس سنوات قادمة، غير أن الرقم استقر مؤخرا عند 15 مليار دولار. أما مصادر البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي والأمم المتحدة تقدر الرقم المطلوب حوالي 10.2 مليارات دولار لخمس سنوات قادمة.

وحسب تقارير مكتب تنسيق المساعدات الدولية لأفغانستان التابع للحكومة الأفغانية تم تسليم 2.6 مليار دولار من مجموع 5.2 مليارات دولار من الأموال التي تعهدت بها الدول المانحة في طوكيو وذلك حتى منتصف مارس/ آذار 2003، وقد تم صرف 1.8 مليار دولار من هذه الأموال على مشاريع إعمارية وأخرى مساعدات إنسانية عاجلة فيما تم تسليم 16% فقط من هذه المساعدات إلى خزينة الحكومة الأفغانية.

وتشير الأرقام إلى أن نصيب المشاريع الإعمارية هو 29% فقط من مجموع ما تم صرفه منذ يناير/ كانون الثاني 2002 حتى مارس/ آذار 2003، في حين كان نصيب المساعدات الإنسانية 45% ومصاريف إدارية 6% و3% للمهاجرين خارج أفغانستان.

ويشكل هذا الأمر قلقا واسعا لحكومة كرزاي التي تطالب بصرف المساعدات عبر قنوات حكومية، في حين يصر البنك الدولي الذي يشرف على صندوق الدعم الأفغاني على تنفيذ البرامج الإعمارية والتنموية عبر مؤسسات الأمم المتحدة وبقية المؤسسات الإغاثية الدولية والمحلية، نظرا لعدم وجود الشفافية والرقابة الكاملة في المؤسسات الحكومية التي ما زالت تعاني من آثار الحروب وتفتقد المهنية المطلوبة في تنفيذ المشاريع.

والقلق الحكومي لا يقتصر على كون هذه الأموال يتم صرفها عبر قنوات متعددة بل على أوجه الصرف، خصوصا في ظل وجود أكثر من ألفي موظف أجنبي يتقاضون رواتب عالية ويتمتعون بمستوى معيشي عال على حساب هذه الأموال المخصصة لإعادة إعمار أفغانستان.

وظهر القلق من بطء وصول المساعدات في تصريحات المسؤولين الأفغان أكثر من مرة خصوصا مع بدء الاهتمام العالمي بالعراق والتحرك الإعلامي الأميركي للتمهيد لغزو هذا البلد، وحذر الرئيس كرزاي المجتمع الدولي خصوصا أميركا من مغبة إهمال أفغانستان.

لقد كان الإهمال الأميركي واضحا في مشروع إعمار أفغانستان من أول يوم، إذ بقي الجهد الأميركي منصبا على الحرب على الإرهاب وكانت المساهمة الأميركية في مؤتمر طوكيو بسيطة جدا بحجة أن واشنطن تتحمل أعباء الحرب أساسا وعلى بقية العالم أن تتكفل أعباء الإعمار.

الأمن والإعمار في سباق مع الزمن

من الصعب أن ننتظر تحسنا في أداء الحكومة أو الجهود الدولية في أخذ خطوات عملية تجعل المواطن الأفغاني العادي يشعر بأن عملية إعادة الإعمار بدأت تؤتي ثمارها، وأن الوعود الدولية ليست سوى دعاوى فقط
على صعيد الواقع هناك علاقة اطرادية بين الأمن وإعادة الإعمار في أفغانستان، فكلما بسط الأمن وجدت مشاريع إعادة الإعمار فرصة للتنفيذ والعكس صحيح كذلك. وهذا ما يدعو إلى الإسراع في ضرورة التركيز على تقوية المؤسسة العسكرية والأمنية وإصلاحها بحيث تكون أداة لبسط الأمن في الأقاليم الأفغانية التي تعاني من سيطرة لوردات الحرب المتعددة.

لقد تصدرت قضية الأمن قائمة الأولويات في جدول أعمال الحكومة، وعلى المستوى الشعبي تشير نتائج استبيان ميداني قام به مركز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية السويسري إلى أهمية قضية الأمن، إذ حدد 57% من سكان المدن وهم يشكلون 22% من مجموع السكان الأمن كأولوية قصوى، في حين جاء الأمن ثانيا (29%) بعد الطعام (42%) لدى سكان القرى الذين يشكلون 78% من مجموع السكان.

وتعتبر قضية جمع 600 ألف قطعة سلاح منتشرة في جميع أنحاء أفغانستان من المهام الصعبة لتوفير الأمن، ولا شك أن مشروع جمع الأسلحة وتشكيل الجيش الوطني وإعادة تأهيل المقاتلين للحياة المدنية وتوفير مصدر رزق كريم لهم، يدخل ضمن خطوات ضمان أمن واستقرار مستمر للبلد.

ومن هذا المنطلق يأتي التركيز على بناء جيش وطني أفغاني موحد من 80 ألف شخص يضع حدا للجيوش الخاصة للوردات الحرب، مع تدريب 70 ألفا من الشرطة الأفغانية.

وعمليا تم تخريج وتدريب 2000 من عناصر الجيش و1000 من أفراد الشرطة تحت إشراف أميركي وفرنسي وألماني خلال سنة ونصف سنة، غير أن العملية برمتها تعتبر بطيئة ومن السابق لأوانه تقييم نجاحها، إذ لم تبدأ هذه النواة الاختبار الحقيقي في بسط السلطة المركزية في مناطق نفوذ لوردات الحرب خارج العاصمة كابل إلا في حالات محدودة واستعراضية.

وإذا وضعنا البطء المشهود في الإصلاحات التي تشهدها وزارتا الدفاع والداخلية التي يسيطر عليها الطاجيك بشكل كبير وكذلك استمرار توتر الأوضاع الأمنية في جنوبي وشرقي البلاد حيث يقطن البشتون الذين شكلوا فيما قبل القاعدة الأساسية لطالبان، وكذلك استمرار الخلافات الدموية بين قادة أحزاب وتيارات سياسية في الشمال خصوصا مزار شريف، وتوسيع نطاق عمليات ضد الحكومة والقوات الأجنبية وتوجيه الضربات نحو العمل الإغاثي والعمراني.

إذا وضعنا هذه المعطيات أمامنا فيبدو من الصعب أن ننتظر تحسنا في أداء الحكومة أو الجهود الدولية في أخذ خطوات عملية تجعل المواطن الأفغاني العادي يشعر بأن عملية إعادة الإعمار بدأت تؤتي ثمارها، وأن الوعود الدولية ليست سوى دعاوى فقط.

أبعاد إقليمية وسياسية لعملية إعادة الإعمار

الدعم الذي تتلقاه الحكومة لتنفيذ برامجها لا يكاد يساوي شيئا وينحصر في الدعم المباشر لميزانية الحكومة ومشاريع أخرى محدودة
تشكل المصالح الإقليمية والدولية للدول المانحة أهم أبعاد مشروع إعادة الإعمار حيث تسعى هذه الجهات لصرف التمويل باتجاه خدمة مصالحها وأهدافها ورؤاها، وبناء على هذه الحقيقة فعملية إعادة الإعمار هي مجال جديد من تصفية الحسابات لهذه الجهات على المعترك الأفغاني.

وتبدو الاهتمامات الإقليمية واضحة في عملية إعادة الإعمار، إذ تبدو طهران التي تساهم بـ560 مليون دولار في مشروع إعادة الإعمار مندفعة لتوجيه مشاريعها في غربي البلاد حيث حدودها، وكذلك المناطق الوسطى حيث الأقلية الشيعية الهزارا.

فالأجندة الإيرانية تخدم مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية والمذهبية، كالعمل على ترميم طريق هرات- إسلام قلعة، وإيجاد جسر على نهر هلمند وفتح ميناء جديد بالتعاون مع الهند لنقل البضائع للأسواق الأفغانية من ميناء بندر عباس الإيراني بدلا عن ميناء كراتشي الباكستاني.

وكذلك العمل على بناء طريق يربط إيران بأوزبكستان وطاجكستان عبر الشمال الأفغاني، إضافة إلى مشاريع أخرى تعليمية وتدريبية لآلاف المهاجرين الأفغان المقيمين في إيران خصوصا الشيعة منهم وإعادة تأهيلهم للعودة لأفغانستان.

أما الجهود الأميركية فتبدو مقتصرة على الجنوب حيث المناطق البشتونية المتوترة حاليا، وربما ترى واشنطن أن تركيز الإعمار في هذه المناطق يدفع السكان للثقة بالحكومة وتربط مصالحهم بها، وبالتالي تخف حدة المعارضة ويكون بسط السيطرة على هذه المناطق وضمان أمنها هو مفتاح البدء في المشاريع الضخمة مثل نقل الغاز والنفط من تركمانستان للأسواق العالمية عبر غربي وجنوبي أفغانستان.

كما أن المناطق الجنوبية والشرقية يكثر فيها زرع الخشخاش الذي أنتج منه 3400 طن من الأفيون عام 2002، وهو ما يشكل ربع الإنتاج العالمي، فكلما زادت العملية العمرانية والتنموية في هذه المناطق كلما خفت الحاجة إلى زرع الخشخاش.

وعلى مستوى أقل نجد المؤسسات الدولية والإقليمية توجه مشاريعها لخدمة أهداف معينة، فمثلا تنشط المؤسسات التابعة لفرقة الإسماعيلية الآغاخانية في المناطق الإسماعيلية بوسط وشمالي شرقي أفغانستان. كما أن المؤسسات الغربية تدعم المشاريع التي تتوافق مع معاييرها، خصوصا تلك المتعلقة بالمرأة وحقوق الإنسان.

ومن جهتها أعلنت الحكومة الأفغانية عن برنامج شامل لإعادة إعمار البلد على ستة محاور أساسية هي التعليم والصحة والمواصلات والري والتنمية الريفية وبناء المؤسسات الحكومية وأخيرا التضامن القومي.

غير أن الدعم الذي تتلقاه الحكومة لتنفيذ برامجها لا يكاد يساوي شيئا وينحصر في الدعم المباشر للميزانية الحكومية ومشاريع أخرى محدودة.

وأخيرا.. واشنطن تتحرك

في حال نجاح المجموعات العسكرية التي تتسلح بأسلحة خفيفة وتتلقى دعما جويا من القوات الأميركية، سيتم توسيع انتشارها عند الضرورة لتغطي معظم مناطق أفغانستان
ويبدو أن واشنطن انتبهت مؤخرا لأهمية المساهمة الفاعلة في إعادة إعمار أفغانستان كأساس لنجاح الحكومة التي جاءت بها في أعقاب سقوط طالبان، فأعلنت عن تخصيص 3.2 مليارات دولار لأفغانستان خلال الأربع سنوات الأخيرة منها مليار دولار قبل نهاية العام الجاري.

هذا التحرك الأخير يمكن فهمه في ضوء الانتخابات الرئاسية الأميركية التي تقرع طبولها الآن، ولا شك أن إدارة بوش لا تبدو مستعدة لمواجهة حقيقة فشلها في إيجاد حكومة مستقرة وإعادة إعمار أفغانستان بعد نجاحها العسكري على طالبان والقاعدة.

كما أن التحرك الأميركي الأخير تصاحبه خطة جديدة على الصعيد الميداني تجمع بين عملية إعادة الإعمار وبين فرض الأمن والاستقرار، حيث بات الأمن هو الهاجس الأكبر للحكومة والمجتمع العالمي في ضوء تصاعد العمليات العسكرية الموجهة لقوات التحالف الدولي وقوات حفظ السلام والقوات الحكومية خصوصا في الجنوب والشرق.

وبناء على هذه الخطة الجديدة التي ظهرت تفاصيلها مع تولي حلف الناتو قيادة قوات حفظ السلام في أفغانستان، يتم تشكيل مجموعات عسكرية تساعد على تنفيذ المشاريع الإعمارية على مستوى الأقاليم والولايات وتعرف باسم Provincial Reconstruction Teams أو مجموعات إعادة إعمار الإقليمية وحاليا تمتلك القوات الأميركية أكثر من مجموعة كما أن كلا من بريطانيا ونيوزيلندا تملكان مجموعة واحدة وترسل ألمانيا مجموعة إلى إقليم قندوز في الشمال قريبا.

وفي حال نجاح هذه المجموعات العسكرية التي تتسلح بأسلحة خفيفة وتتلقى دعما جويا من القوات الأميركية، سيتم توسيع انتشارها عند الضرورة ليغطي معظم مناطق أفغانستان.

والتحرك الأميركي الأخير لا يتوقف عند هذا الحد بل يتعداه إلى تعيين مستشارين أميركيين لكل وزارة قد يصل عددهم أكثر من 250 مستشارا بينهم أفغان يحملون الجنسية الأميركية حسب تصريحات ويليام تايلور الذي تم تعينه يوم 10 يوليو/ تموز الماضي منسقا للشؤون الأفغانية بوزارة الخارجية الأميركية.

وفيما تشهد كابل صراعا سياسيا على بسط النفوذ بين تيار علماني يدعمه الغرب وتيارات أخرى من بقايا الأحزاب الجهادية، وتسعى إدارة بوش للحفاظ على مكاسبها العسكرية في أفغانستان والعراق لخوض معركتها السياسية في الانتخابات الرئاسية المقبلة، يقف المواطن الأفغاني مذهولا من حجم الخراب الذي لحق ببلده وسط غبار السيارات الفخمة التابعة للمؤسسات الدولية التي تجوب أفغانستان على حساب الأموال المخصصة لإعادة إعمار ما دمرته الحروب التي لم تنته بعد.
ــــــــــــــــــ
* كاتب أفغاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة