نقل السيادة للعراقيين بين الحقيقة والمجاز   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ محمد بن المختار الشنقيطي

- خرق للدستور العراقي المؤقت
- لا سيادة.. ولو بالتوسع المجازي
- ملامح عراق ما بعد بريمر

- المقاومة وانهيار عقيدة بوش

فوجئ العالم يوم الاثنين 28 يونيو/حزيران 2004 برحيل الحاكم الأميركي للعراق بول بريمر بعد اجتماع رمزي دام خمس دقائق وحضره ستة أشخاص، سلم فيه بريمر ملفا أزرق اللون يتضمن "سيادة العراق" إلى من عينهم من العراقيين خلفا له.

ولم يسلم بريمر الملف الأزرق إلا بعد أن حزم أمتعته فيما يبدو، ثم رحل فورا من بغداد على متن طائرة عسكرية إلى مكان مجهول، وهو ما يدل على أن الرجل قد استنزف طاقته في خدمة مشروع لم يعد يؤمن به، فرحل على عجل، راضيا من الغنيمة بالإياب، وتاركا وراءه شعبا أبيًّا عصيًّا على الاحتلال، لم يستقبله محررا كما تمنى، ولا ودعه محررا كما أراد.

وكان الناس يتوقعون تسليما وتسلما يتم الترويج لهما والتسويق لهما كثيرا، ويحاول الأميركيون من خلالهما أن يقنعوا العالم بأنهم نقلوا العراق بالفعل من حالة احتلال إلى حالة استقلال.

لكن ذلك الظن خاب بعد أن تكشف أن الأمر تم بعيدا عن الأضواء، والقناصة الأميركيون مرابطون على أسطح البنايات المجاورة، والمروحيات الأميركية تحلق فوق الرؤوس، وهو ما يعني –ضمن ما يعنيه– عجز 130 ألف جندي أميركي عن تأمين حفل "نقل السيادة". وفي ذلك ما فيه من دلالة على عجز القوة عن فرض إرادتها على إرادة شعب أبيٍّ يريد الحرية ويستعد لدفع ثمنها.

خرق للدستور العراقي المؤقت

الطريف أن ما حدث من "تسليم السيادة" يوم 28/6/2004 هو عمل غير دستوري بمقتضى نص الدستور العراقي المؤقت الذي صاغه بريمر وجعله "القانون الأعلى" للبلاد
والطريف أن ما حدث من "تسليم السيادة" يوم 28 يونيو/حزيران عمل غير دستوري بمقتضى نص الدستور العراقي المؤقت الذي صاغه بريمر، وجعله "القانون الأعلى للبلاد"، كما جعله "ملزماً في أنحاء العراق كافة, وبدون استثناء".

لقد نص ذلك الدستور المعروف باسم "قانون إدارة الدولة العراقية" في المادة الثانية منه الفقرة (ب) على "تشكيل حكومة عراقية مؤقتة ذات سيادة كاملة تتولى السلطة في 30 حزيران"!! وها هو الاحتلال يخرق نص الدستور الذي اختطه بيده، ويسلم "السيادة" في تاريخ غير التاريخ المنصوص عليه في مادته الثانية. وتلك بادرة لا تبشر بخير، خصوصا فيما يتعلق "بدولة سيادة القانون" التي بشر بها الرئيس بوش العراقيين.

فما الذي جعل الإدارة الأميركية تتعجل هذا التعجل وتبادر بإجراءات "نقل السيادة" فجأة، حتى ولو باختراق دستور الاحتلال؟! هنالك عدة أسباب داخلية وخارجية، منها:

  1. تحاشي أي إحراج أمني في يوم "تسليم السيادة"، فقد فضل الأميركيون في النهاية احتفالا رمزيا في الظلام على احتفال علني يصحبه دوي انفجارات وقذائف المقاومة. لكن مقتل ثلاثة من المارينز وتصفية أسير أميركي في اليوم التالي لعملية التسليم والتسلم شوش على هذا الأمر.
  2. الحفاظ على ماء الوجه لقادة حلف شمال الأطلسي المجتمعين في إسطنبول، ممن أقنعتهم واشنطن بدعم مشروع الاحتلال طوعا وكرها. ولذا لم يكن مفاجأة أن يأتي خبر "نقل السيادة" أثناء الجلسة الافتتاحية لقمة الحلف.
  3. التغطية على خبر في غاية الأهمية والإحراج لجورج بوش ورهطه، وهو قرار المحكمة العليا الأميركية يوم 28 يونيو/حزيران القاضي بأن من حق كل من تعتقلهم أميركا -في غوانتانامو وغيرها- رفع دعوى ضد إدارة بوش أمام المحاكم الأميركية.

وما كان الرئيس بوش ورهطه ليتركوا هذا الخبر يتصدر نشرات الأخبار في ذلك اليوم نظرا لما يتضمنه من طعن في سلوكهم السياسي والقانوني. فكان إطلاق بالون إخباري بالتوازي معه ضروريا للتخفيف من وطأته.

وربما كان هذا الدافع الأخير أقوى الثلاثة، رغم أن الإعلام لم يمنحه ما يستحق من الاهتمام. فقرار المحكمة العليا الأميركية ينسف الأساس القانوني الذي اعتمد عليه جورج بوش في حربه على الإرهاب، ويكشف أمام الرأي الأميركي أن الرئيس -وهو الحامي المفترض للدستور– لم يحترم الدستور طيلة ثلاثة أعوام من أعوام حكمه الأربعة.

كما يفتح القرار الباب على مصراعيه أمام معتقلي غوانتانامو وغيرهم لتحدي الحكومة الأميركية أمام محاكمها، بما يعنيه ذلك من إحراج سياسي، حينما يتكشف أن أكثرهم اعتقلوا بظلم، كما تعتقد منظمات حقوق الإنسان.

لا سيادة.. ولو بالتوسع المجازي
ورغم وصف الرئيس العراقي المؤقت ليوم تسليم الملف الأزرق بأنه "يومٌ تسلمنا فيها بلدنا"، ووصف رئيس الوزراء المؤقت له بأنه "يوم تاريخي سعيد"، فإن الأمر لا يعدو دفعة نفسية للسلطة العراقية الجديدة التي عينها بريمر، ومحاولة لإسباغ شيء من المصداقية عليها، في وقت يتحدث فيه الإعلام الأميركي جهارا نهارا عن "صلات" قادة العراق الجدد بالسي آي أي، وعمل العديد منهم لخدمتها عقودا من الزمن، وعلى رأس هؤلاء رئيس الوزراء إياد علاوي الذي وصفته صحيفة نيويورك تايمز (29/6/2004) بأنه "آخر رجل يتم حذف اسمه من لائحة العراقيين الذين كانوا يتسلمون رواتب من السي آي آي".

من الواضح أن عدد الأميركيين في العراق نقص يوم الاثنين 28 يونيو/حزيران بفرد واحد هو بول بريمر، وربما ببضعة أفراد إذا كان بريمر اصطحب معه أسرته إلى العراق. لكن من الواضح أيضا أن تسمية ذلك "نقل سيادة" ولو بالتوسع المجازي فيه الكثير من الاستهزاء بعقول الشعب العراقي وشعوب العالم.

فبينما كان بريمر يعلن نهاية الاحتلال في بغداد، كانت كوندوليزا رايس تقدم قصاصة ورق إلى الرئيس بوش –وهو في الجلسة الافتتاحية لقمة الناتو– كتبت فيها "لقد أصبح العراق بلدا كامل السيادة سيدي الرئيس.."!! وكأن سيادة العراق مجرد ملاحظة تكتب على قصاصة ورق، ويستلمها قائد بلد آخر، وهو مشغول بهموم أخرى كثيرة.


من المفارقات أن يأتي إعلان نقل السيادة في وقت يحتدم فيه النقاش بين قادة الحرب والسياسة في واشنطن حول إرسال 50 ألف جندي إضافي إلى العراق لتوطيد الاحتلال
وكان من المفارقات أن يأتي إعلان "نقل السيادة إلى العراقيين" في وقت يحتدم فيه النقاش بين قادة الحرب والسياسة في واشنطن حول الحاجة لإرسال 50 ألف جندي إضافي إلى العراق، لتوطيد الاحتلال وترسيخ قدمه. لكن هذه ليست أولى مفارقات السياسة الأميركية في عهد الرئيس بوش، فهي سياسة تعلن الحرب باسم السلم، وتمارس الاحتلال باسم التحرير، وتنتهك حقوق الإنسان باسم صيانتها.

ثم كان من المضحكات أن يقدم بريمر لعلاوي رسالة من الرئيس بوش يطلب فيها "إقامة علاقات دبلوماسية رسمية بين البلدين"، رغم أن السفير الأميركي في العراق –أو الحاكم الجديد على الأصح– تم تعيينه من طرف بوش وإقراره من طرف الكونغرس منذ مدة طويلة. أما السفيرة العراقية في واشنطن، فقد تكفل بريمر بتعيينها منذ سنة خلت، وهي عراقية تحمل الجنسية الأميركية، ومتزوجة من رجل يهودي أميركي.

ملامح عراق ما بعد بريمر
إن مفهوم "السيادة" –كما يستخلص من واقعة يوم التسليم الماضي– ليس أكثر من تسليم ملف أزرق من يد أميركية إلى أخرى عراقية. فقد اتخذ الأميركيون كل الاحتياطات القانونية والعسكرية والسياسية التي تحول دون السيادة، وتضمن إبقاء العراق محتلا إلى أجل غير مسمى:

  • ففي المجال العسكري نصت المادة (59) من الدستور العراقي المؤقت، الفقرة (ب) على ما يلي "ستكون القوات المسلحة العراقية مشاركا رئيسيا في القوة المتعددة الجنسيات العاملة في العراق تحت قيادة موحدة". وليس خفيا أن تلك "القيادة الموحدة" هي الجنرال الأميركي الذي يقود قوات الاحتلال. فالجيش العراقي –حتى بعد ما يدعى نقل السيادة– سيظل جزءا من القوات الأميركية، يخضع لقيادتها وتوجيهها، ويتولى عنها جزءا من أعباء الاحتلال ونيران المقاومة.
  • وفي المجال القانوني نصت الفقرة (ج) من نفس المادة على أنه "ستكون للحكومة العراقية الانتقالية المنتخبة صلاحية عقد الاتفاقيات الدولية الملزمة بخصوص نشاطات القوة المتعددة الجنسيات العاملة في العراق تحت قيادة موحدة". وهو ما يعني صراحة أن الحكومة المؤقتة –المعينة من طرف الأميركيين- سيكون من أهم مهماتها أن تعقد اتفاقيات عسكرية مع الأميركيين تضمن بقاءهم في العراق، وهي اتفاقيات ملزمة لأي حكومة عراقية بعد ذلك، حتى لو كانت حكومة شرعية انتخبها شعب العراق.
  • وفي المجال السياسي عين الأميركيون حاكما أميركيا جديدا للعراق قبل رحيل بريمر بشهور، وهو سفيرهم السابق لدى الأمم المتحدة جون نيغروبونتي. وكل ما جد من أمر هو أن من كان يدعى "حاكما مدنيا للعراق" بطريقة فجة غبية، أصبح يدعى "سفيرا لدى العراق" بطريقة دبلوماسية مهذبة. لكن السفير نيغروبونتي سيكون "سفيرا فوق العادة" حقيقة لا مجازا، إذ ستضم سفارته ثلاثة آلاف موظف هم جميع من كانوا يعملون في سلطة بريمر، وسيكون مسؤولا عن 130 ألف جندي أميركي في العراق، وعن الآلاف من مشاريع "الإعمار".

    والأكثر دلالة من ذلك أن "السفير" نيغروبونتي سيقيم في القصور الرئاسية العراقية التي كان يقيم فيها بريمر، وليس في مقر سفارة أميركية، فلا يوجد مقر سفارة يتسع لحكومة مثل حكومة نيغروبونتي. وقد يتكرم نيغروبونتي بتخصيص مكتب في أحد تلك القصور لرئيس الوزراء العراقي في إطار "العلاقات الدبلوماسية بين البلدين" التي طالب الرئيس بوش بإقامتها!! فهل عرف العالم سفيرا مثل هذا قط؟!

وبإجراءات تضمن ترسيخ الاحتلال -في وقت يتم فيه إعلان انتهائه رسميا– لا يبقى لرحيل بريمر قيمة، ولا لنقل السيادة معنى. وقد صدق أحد مراسلي قناة "سي إن إن" حينما وصف نقل السيادة إلى العراقيين بأنه "ظاهرة لفظية".

والذي يتجاوز المظاهر إلى عمق الظواهر يدرك أن علاوي وصحبه لن يكونوا أكثر من موظفين لدى نيغروبونتي، بعدما كانوا موظفين لدى بريمر، ومن قبله لدى جورج تينيت (مدير السي آي أي).

المقاومة وانهيار عقيدة بوش
وتبقى المقاومة هي الورقة الوحيدة في يد العراقيين، للحصول على سيادة حقيقية لا مجازية. وهي ورقة قوية برهنت حتى الآن على فاعليتها وأثرها، وبدأت تؤثر تأثيرا عميقا على رؤية الرأي العام الأميركي لغزو العراق.

وليس من المبالغة القول إن المقاومة العراقية هي التي تتحكم في المصير السياسي للرئيس بوش، وأنها إذا استمرت وتصاعدت –كما يتوقع أغلب المحللين الأميركيين– ستكون هزيمة شخصية وسياسية لجورج بوش، والأهم من ذلك أنها ستكون هزيمة لعقيدة بوش الإستراتيجية التي تنتهج منهج الحرب الاستباقية.

فلن تحرر المقاومة العراقية الوطن العراقي فقط، ولكنها ستحرر العالم كله من هذه العقيدة الدموية التي توشك أن تشعله إشعالا, والتي يدفع الشعب الأميركي والشعوب المسلمة ثمنها فادحا من الدماء والأموال، وسوء الفهم والتحيز والتعصب. ويدفع العالم كله ثمنها استهزاء بالقانون الدولي، واحتقارا للأمم المتحدة، وآحادية في الطرح والقرار، واستقطابا وتمزيقا للانسجام الإنساني.


لن يؤدي المأزق العراقي إلى خسارة الأميركيين للعراق فقط، وإنما إلى خسارة الأميركيين للسعودية وبعض دول الجوار الأخرى, وهو ما بدأ يتحدث عنه أكثر الأميركيين فهما وواقعية
إن انهيار عقيدة بوش قد بدت بشائره، لأنها عقيدة انبنت على التدليس والتلبيس، فليس لديها من صلابة الحق ما يؤهلها للبقاء:

  • فبينما كان هدف غزو العراق هو "حماية العالم من خطر قاتم محدق" كما قال بوش في إعلان حربه، فإن الأميركيين اليوم يتمنون أن تتم حماية أميركا من نتائج قرار الغزو الجائر، ولا يرجون أكثر من خروج أبنائهم من العراق بخسارة معقولة.
  • وبينما أثنى بوش على قواته المسلحة ليلة بداية الحرب قائلا "سيشاهد الناس الذين ستحررونهم روح الشرف والطيبة التي تتسم بها القوات المسلحة الأميركية"، شاهد العراقيون مقتل آلاف الأبرياء، وتعذيب آلاف السجناء.
  • وبينما أكد بوش في نفس الخطاب أنه "في هذا النزاع تواجه أميركا عدوا لا يحترم أعراف الحرب أو القواعد الأخلاقية".. شهد العالم كله على أن الجيش المحتل هو الذي لم يحترم أعراف الحرب ولا القواعد الأخلاقية.

لكن الفشل الأميركي الذي بدت بوادره، سيجعل من احتلال العراق بداية انهيار عقيدة إستراتيجية بكاملها، وأكبر مأزق للولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

لن يؤدي المأزق العراقي إلى خسارة الأميركيين للعراق فقط –بعدما اعتبروه غنيمة سائغة ورهانا سهلا- بل سيؤدي إلى خسارة الأميركيين للسعودية، وبعض دول الجوار الأخرى، وهو ما بدأ يتحدث عنه أكثر الأميركيين فهما وواقعية.

وبحسب تعبير صحيفة واشنطن بوست فإن احتلال العراق وما أعقبه من مقاومة شرسة، نقلت الثقل داخل البيت الأبيض من يد "المحافظين الجدد" ذوي النزعة التوسعية والعقيدة الدموية، إلى يد "الواقعيين الجدد" الذين يدركون حدود ما تستطيعه أميركا وما لا تستطيعه.

ولعل التاريخ سيعترف يوما لمقاومي الفلوجة والرمادي وغيرهما من مدن العراق، أنهم دفعوا النخبة السياسية الأميركية إلى الواقعية السياسية بدل المطامح الإمبراطورية، والسلم بدل الحرب.. فجلبوا خيرا كثيرا لبلدهم ولأميركا وللعالم.

لقد قال الرئيس بوش في خطابه بمناسبة "نقل السيادة" للعراقيين "إن الحرية تستحق القتال من أجلها". وإذا كانت الحرية –بمعنى الاحتلال– تستحق ذلك، فليس من ريب أن الحرية –بمعنى الاستقلال– تستحق أكثر.
ــــــــــ
كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة