جدوى الإصلاح السلمي في ظل الجمود السياسي   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

* بقلم/ خالص جلبي

عندما تقدم الجنود لإلقاء القبض على المسيح استل الحواري بطرس سيفه للدفاع عنه، فخاطبه المسيح "أغمد سيفك لأنه مكتوب من أخذ السيف بالسيف يهلك". وبقيت المسيحية تغالب روما حتى انتصرت دون سيف. وعندما قدم رهط من الأنصار على الرسول صلى الله عليه وسلم فبايعوه قالوا له "مرنا فلنمل على أهل منى بأسيافنا. قال: لم نؤمر بقتال بعد". ونزل قوله تعالى "ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة".


أسلوب المقاومة المدنية لا يؤمن به الناس عندنا، ومن يتحدث به يشبه من يتكلم باللغة الصينية، فهم يرونه مخالفاً لروح الجهاد ومثاليا غير عملي وبطيء التحقق

واستطاع الزعيم الهندي المهاتما غاندي أن يخرج الإنجليز من الهند ويصل إلى الاستقلال بدون طلقة واحدة، في الوقت الذي تحرر فيه الفيتناميون بخمسة ملايين قتيل. فكل له طريقته في التحرر، وهناك من الجراحين من يقضي على مريضه بفرط النزف من حيث يريد إنقاذه، وكل المذابح التي حصلت في الهند بعد الاستقلال كانت من أجل خرافة الدولة. بقدر دموية الثورة الشيوعية والفرنسية فإن الثورة الإيرانية نجحت بأسلوب اللاعنف قبل أن تتورط في الحرب مع العراق.

وكان المتظاهرون يضعون الورود في فوهات البنادق ويقولون أيها الجندي لا تقتل أخاك. وفي 8 أغسطس/آب 1978 واجهت طائرات الشاه العمودية مظاهرة مليونية في طهران، فحصدت أرواح 4500 إنسان منهم 600 امرأة، فلم تتراجع الثورة وخسف بعرش الطاووس وغلب الدم السيف. وبقدر ما ارتعب الغرب من ثورة الفقراء وهي تقاوم الشاه بسواعد عارية بقدر ارتخائهم عندما دخل آية الله الخميني الحرب فأصبح في نطاق سيطرتهم، وكان بإمكانه أن ينهي حكم الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين في العراق كما أنهى حكم الشاه من قبل في إيران، وكان الشاه أشد بأسا.

وهذا الأسلوب، أي المقاومة المدنية، لا يؤمن به الناس عندنا، ومن يتحدث به يشبه من يتكلم باللغة الصينية، فهم يرونه مخالفاً لروح الجهاد ومثاليا غير عملي وبطيء التحقق، ثم كيف نقاوم الاحتلال الإسرائيلي؟ وهل نريد مقاومة الأنظمة العربية مثل تحدي الخاروف لذئب في مبارزة؟

وفي يوم هاجمني رجل في منتدى فكري فقال عني "إن نبيه غاندي وليس عنده من دليل سوى آية من القرآن"، في الوقت الذي أصبح فيه هذا الاتجاه من المقاومة المدنية في كل العالم بمؤسسات راسخة وأساليب مختبرة وتدريبات تمارسها تنظيمات شتى، ولكننا خارج إحداثيات التاريخ والجغرافيا.

ومثلنا مثل من يريد تدريس رياضيات التفاضل والتكامل لطفل لم يدخل الحضانة بعد. وتقاوم امرأة بورمية نظام العسكر فيحارون في كيفية الرد على امرأة ضعيفة نحيلة اعتمدت الكلمة والصيام. ويتعجب الناس عندنا فيقولون كيف يمكن ممارسة إصلاح سلمي في وجه أنظمة تغولت تكتم الأنفاس وتجهض أي تنظيم قبل أن يولد وتراقب كل شيء ولو كان دبيب نملة وطنين نحلة؟

وهناك من يرى أن أسلوب المقاومة المدنية التي استعملها غاندي ضد بريطانيا تصلح لبريطانيا ولكنها لا تصلح للعالم العربي، هل يمكن استخدام مثل هذا الأسلوب في وجه طاغية من نوعية صدام؟

والمشكلة تنشأ في الإطار النظري، ومهما حاولنا التدليل على صحة أسلوب فإنه لا يصل إلى مرحلة الإقناع والتبني والتطوير ما لم يتشكل ميدانياً. وغاندي لم يكن فيلسوفا يمارس التنظير بل قائدا جماهيرياً يمشي أمام الناس إلى البحر فيعلن العصيان المدني ويباشر باستخراج الملح ليسقط القانون البريطاني باحتكار الملح.

ومن دخل الإسلام من الأعراب لم يتلق الكثير من الأفكار بقدر الدخول في دين الله أفواجا والسير خلف قيادة مبدعة ناجحة تفكر لهم أكثر مما يفكرون لأنفسهم. وفي صلح الحديبية كان الكل ضد قرار الصلح، واتخذ النبي صلى الله عليه وسلم القرار منفردا لأن الصلح خير والصلح سيد الأحكام، ودخل في الإسلام بعده أضعاف من دخل قبله بسبب احتكاك الناس وفتح باب الحوار.

والصعوبة كما نرى أنه ما لم يتشكل تيار يقفز إلى واجهة الأحداث ويقود مظاهرة سلمية في عاصمة عربية ولا يرد ولو أطلق عليه النار فسوف يدور النقاش حول جدوى هذا الأسلوب إلى أجل غير مسمى. ومنها هذه المقالة التي نكتبها فقد تنبه بعض العقول ولكن لا قيمة لها ما لم يتشكل تيار ميداني يمارس هذا اللون من المقاومة.

وتيار العنف لا يسمي أصحابه أنفسهم عنيفون إرهابيون متطرفون بل مجاهدون في سبيل الله كما كان الخوارج قديما يسمون أنفسهم. وفك هذا الالتباس أمر حيوي.
ومن يقرأ تاريخ المسيح عليه السلام يرى أنه كان سلامياً يقول لا تقاوموا الشر، في الوقت الذي يقرأ عن 27 غزوة في الإسلام و83 سرية، فيختلط عليه الأمر ويظن أن دعوة المسيح كانت سلامية والإسلام حربية، وهو خلط بين الأمرين ودمج مرحلتين. ومن يتأمل بعض فقرات الإنجيل يفاجئ بتقرير غير سلامي "ما جئت لأصنع سلاما بل لألقي سيفاً فأقيم الكنة ضد حماتها والولد ضد أبيه"، في الوقت الذي يقرأ في القرآن "ادخلوا في السلم كافة". والأمر ليس هذا ولا ذاك ما لم تفهم الصورة مكتملة ضمن بانوراما.

والفرق بين الإسلام والمسيحية أن الأول اكتمل والثاني لم يختم أعماله ففي القرآن "اليوم أكملت لكم دينكم"، وفي الإنجيل "من سيأتي بعدي لست أهلاً أن أغسل قدمه". وهو السبب أن المسيح بقي على دعوته في حين تجاوز الرسول صلى الله عليه وسلم مرحلة الدعوة إلى الدولة.

والدولة مؤسسة اخترعها الجنس البشري قبل تسعة آلاف سنة وأهم وظيفة لها "احتكار العنف" من يد الأفراد مقابل "توفير الأمن" لهم كي يدخلوا مرحلة الحضارة.


التغيير الاجتماعي الداخلي يجب أن يتم دون استخدام القوة فالإطاحة بالقوة بنفس أسلوبها يغير شكلها لكنه يحافظ على حقيقتها، وإزالة القوة بالقوة يبدل الوضع إلى الوقوع في قبضة
قوة جديدة

والجهاد بمعنى القتال المسلح يجب أن يفهم مع ولادة الدولة والنظام السياسي. والإسلام في مرحلة الدعوة كان يربي أتباعه على عدم الدفاع عن أنفسهم في وجه الدولة لإدراكه أن تغيير النفوس هو أساس تغيير الدولة. وكما يقول الكاتب الفرنسي جان جاك روسو "إن قانون الدولة يكتب في القلوب أولاً". وفي هذا الإطار يجب فهم عمل الصحابة والحواريين وهم يتحملون العذاب بفارق أن فترة "الحضانة Incubation" بين "الفكرة" و"الدولة"، كما يسميها المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي، بين الإسلام ودعوة المسيح احتاجت في الأولى 13 سنة بينما احتاجت في روما إلى ثلاثة قرون بسبب جيوبوليتيكي، وهو أن الإسلام خرج في وسط قبلي لا يخضع لدولة مركزية فبنى منهم الدولة المركزية، في حين خرجت المسيحية ضمن نطاق الإمبراطورية الرومانية في دولة منظمة مركزها روما عاصمة العالم القديم فاحتاجت قرونا ثلاثة حتى أتت أكلها، وانتقلت من مرحلة "الدعوة" إلى "الدولة"، والله أعلم حيث يجعل رسالته.

والمشكلة هي ليست الوصول إلى الدولة بل طبيعة الدولة التي سوف تولد. وفي خطاب موسى عليه السلام لقومه توضيح لهذه الفكرة حين تلمظوا للقوة والدولة فأجابهم "عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون". والفلسطينيون اليوم يتلمظون لإقامة دولة قد تخرج في النهاية بكارثة عليهم، فلن تزيد عن دولة عربية قمعية مثل دول الجوار، لو كانوا يفقهون.

وفي حوار بين كردي وتركي كان الكردي يزعق "لا مانع عندي من مخابرات كردية تجلدني على دولة تركية تحترمني، أريد دولة كردية على أية صورة"!!

وفي ضوء هذا المفهوم يجب قراءة قصة صراع ولدي آدم في القرآن الذي رفض فيه هابيل استخدام القوة المسلحة حتى لو أشهرها أخوه في وجهه وآثر الموت دون أن يدافع عن نفسه "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني، ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين".

والتفريق بين هاتين المرحلتين في غاية الأهمية، واستخدام القوة المسلحة منوط بيد الدولة. والجهاد ليس وظيفة فرد أو مجموعة أو تنظيم أو حزب وطائفة، بل هو وظيفة دولة راشدية وصلت إلى الحكم برضى الناس لرفع الظلم عن البشر أينما كانوا، وعبر التحالف مع أي قوة أخرى عادلة، ولو كانت كافرة، لاستخدامها ضد الظالمين ولو كانوا حكاما مسلمين. وهذا يعطي للجهاد بعدا إنسانيا عقلانيا يمكن فهمه، فصدام هرب وقد فتح المصحف على سورة الحجر، والمستشار الألماني غيرهارد شرودر لم يفتح القرآن قط، ولكن الأول ظالم والثاني عادل.

ومفهوم من هذا النوع يمكن التكلم به من فوق أي منبر عالمي، واليوم يتحدث رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بلغة إنجليزية بهذه المفاهيم في تبرير الحرب على العراق، وتخليص العراقيين من الطاغوت صدام الذي حول البلد إلى سجن ومقبرة. وإذا كان البعث الرديف يستخرج عظام المقابر الجماعية فيطحنها رمادا تذروه الرياح ليخفي الجريمة فإن حجة بلير أن بوده أن يخلص الأرض من كل الطواغيت إلا أنه لا يستطيع، لكن إنقاص واحد من هذه الفئات المجرمة مكسب إنساني. وكلامه يمثل نصف الحقيقة، فهم هدموا عرش طاغية دجلة ولكن عروشا أخرى يحافظون عليها ويسكتون عنها ويدعمونها بالخفاء.

ومنه نفهم أن التغيير الاجتماعي الداخلي يجب أن يتم دون استخدام القوة المسلحة لشعور الأنبياء أن هذا الطريق هو طريق التغيير الفعلي الذي يصحح نفسه بنفسه، في حين أن الإطاحة بالقوة المسلحة بنفس أسلوبها يغير الشكل ويحافظ على حقيقة القوة والاستبداد، وإزالة القوة بالقوة يبدل الوضع إلى الوقوع في قبضة قوة جديدة. وتبقى الأمور دون تغيير فعلي، وهو ما فعله الرفاق الثوريون في بعض مناطق العالم العربي فلم تزدد الأمور إلا بؤسا.

وتاريخنا بعد مصادرة الحياة الراشدية على يد الانقلابيين الأمويين لا يزيد عن مسلسل دموي محموم من قنص السلطة ثم التصديق عليها بتوقيع شلة من الفقهاء المرتزقة. وبعد الحياة الراشدية انقسم المجتمع الإسلامي إلى ثلاث فرق يضمهم مذهب واحد هو الإيمان بالغدر والقتل وتغيير الأوضاع بالقوة المسلحة. هكذا قام الخوارج بالتمرد المسلح، وهكذا خطف الأمويون تفاحة السلطة وحكموا بالسيف، وهكذا قام الشيعة بانقلابات مسلحة وبناء دول شيعية تحكم بالسيف، ولكن الخلافة الراشدة لم تعد قط.

ولو أمكن للخلافة الراشدة أن تؤسس على الطريقة الأميركية فيحكم الرئيس أربع سنوات ثم أربع ثم يمشي إلى بيته لنضجت الحياة الإسلامية على نحو أفضل، ولكن يبدو أن الوضع الإنساني لم يكن ناضجاً لمثل هذا التحول النوعي.


الجهاد وظيفة دولة راشدية وصلت إلى الحكم برضى الناس لرفع الظلم عن البشر أينما كانوا وعبر التحالف مع أي قوة أخرى عادلة ولو كانت كافرة لاستخدامها ضد الظالمين ولو كانوا حكاما مسلمين
وإذا فهمنا أن التغيير الداخلي يجب أن يتم سلميا فإننا سوف نواجه باستعصاء في فهم علاقات الدول. فقد روى لنا التاريخ أن الإنسان بقي لفترة تزيد عن ثلاثة ملايين سنة شيئاً غير مذكور، ودشنت الثورة الزراعية قبل عشرة آلاف سنة، وبزغت 32 حضارة من رحم ما يزيد عن 600 مجتمع بدائي مرت على الأرض. ومع بزوغ الحضارة الإنسانية قبل 6000 سنة بدأت معها وعلى نفس الوتيرة دورات الحرب المريعة وكانت كل جولة أشد هولاً في إيقاعها من التي قبلها وأعظم تدميراً وإراقة للدماء. وبين عام 1496 قبل الميلاد وعام 1861 بعد الميلاد أي خلال 3357 عاماً كان هناك 227 عاماً انتشر فيها السلام و3230 عاماً وقعت فيها الحروب، وهذا يعني أنه كان هناك عام واحد للسلام مقابل 13 عاماً للحرب. وبين عامي 1740 و1974م حصل في العالم 366 نزاعاً مسلحاً أودى بحياة ما يزيد على 85 مليون إنسان. فهل هذا قدر لا يرد أم ثقافة مصنوعة؟ وما هي فلسفة البؤس هذه؟ وهل هناك أمل في هذه الأوساط المشبعة بالإحباط الغارقة في المعاناة والدم؟

ولفهم هذه الإشكالية نقول إن الدولة سيطرت على الأفراد داخلها ولكن لم يوجد ما يسيطر على الدول كما سيطرت الدولة على الأفراد كما يقول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "موسوعة العراق الحديث"، وهو السر في نشوب الحروب في التاريخ. فالحرب كانت نزاعات بين الدول أو عند تفكك الدول كما رأينا في يوغسلافيا.

وهذا الاستعصاء بدوره في طريقه إلى الحل، فقد مضت رحلة القوة إلى الشوط الأخير. ومع استخدام السلاح النووي وتطوير الصواريخ وصل البشر إلى نهاية رحلة القوة فسقط الصنم، وهي حقيقة يعرفها الغرب ولم يتفطن لها العالم الإسلامي، ومازال يشتري سلاحاً ميتاً لا يضر ولا ينفع، ورأينا ذلك في كارثة العراق. والعالم الغربي ما زال يمارس السحر فيلقي بالعصا والحبال ويظن المسلمون أنها حية تسعى "فلما رآها جان ولى مدبرا ولم يعقب". والمسلمون اليوم يعبدون القوة فهم لها خاضعون، ولذا يمسك رقابهم الجبارون وهم يصلون الليل والنهار بدون أن تنهيهم عن الفحشاء والمنكر.

وهذا يوصلنا إلى خلاصة هامة وهي أن العنف بين الدول في طريقه إلى الإلغاء كما تمكنت الدولة قبل 9000 سنة أن تفعل هذا للأفراد. واليوم توقفت الحرب في الشمال بعد أن جرب القوم كل أنواع الحروب الدينية والقومية والعالمية والسلاح النووي. وانتهوا إلى قناعة لا تتزعزع أن طريق القوة مختوم مسدود، وأن الحل الإنساني هو بالتخلص من القوة وأن الحوار هو الذي يحل المشاكل.


أهمية التغيير السلمي تنبع من فهم نفسية الإنسان، فأسوأ ما في الإنسان يحصل بالقوة والإكراه وأعظم ما فيه يستخرج بالإيمان والقناعة فيقدم نفسه وماله في سبيل الله وبذلك فالعنف يهيئ لعنف أكبر

وأهمية التغيير السلمي تنبع من فهم نفسية الإنسان فالعنف قد يقهره ولكن لا يأخذ قناعته، وأسوأ ما في الإنسان يحصل بالقوة والإكراه وأعظم ما فيه يستخرج بالإيمان والقناعة فيقدم نفسه وماله في سبيل الله. وبذلك فالعنف يهيئ لعنف أكبر، حتى يدرك الطرفان في النهاية أنه ليس الحل. ويطول هذا الأمر بقدر غفلة الشعوب، وقدح زناد الوعي يتم بتعليم الناس وتدريبهم على هذا الأسلوب الحي.

لقد انتبه رائد النهضة العربية عبد الرحمن الكواكبي لهذا قبل قرن فكتب في (طبائع الاستبداد) أن التخلص من الدكتاتورية يحتاج إلى ثلاث: إحساس عارم بالحاجة للحرية، وأن يتم هذا سلميا وبالتدريج، وأخيرا تهيئة ما يستبدل الاستبداد به.

مما تقدم نخلص إلى أن العنف لا يحل مشكلة بل يخلق مشاكل وهو فاسد من خمس زوايا:

  1. فهو من الناحية "البيولوجية" نكس إلى الحيوانية باستخدام العضلات والعظام والتخلي عن أهم جهاز في الإنسان وهو الدماغ.
  2. وهو من الناحية "الأخلاقية" ارتداد عن الإنسانية إلى الغابة باستخدام الهراوة والصاروخ النووي لإنزال أكبر أذى من الإنسان بأخيه الإنسان.
  3. وهو من الناحية "النفسية" يهيئ لدورة عنف جديدة، فالعنف يغذي نفسه بنفسه، والحقد يولد الحقد، والدم يورث الثأر، والإذلال يورث العدوانية والتربص للانتقام.
  4. وهو فاشل من الناحية "الاجتماعية" فلا ديمقراطية مع العنف إلا إذا أردنا أن يتحد الماء بالنار.
  5. وفي النهاية فقد جاء الإثبات من التطور العلمي فقاد العلم إلى السلم وولد السلام العالمي من أتون الخوف من الحرب النووية فكانت قنبلة هيروشيما وناغازاكي التي تمر ذكراها الـ 58 هذه الأيام سببا في السلام العالمي، كما كانت النار على إبراهيم بردا وسلاما. وقادت التكنولوجيا من خلال السلاح النووي إلى "نسخ" عهد القوة العتيق وتصديق دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام أن لا يضحى بالإنسان على أي صورة. ولكن المسلمين يحتفلون بالعيد فيضحون بالإنسان بدل الحيوان ويسمونه جهادا ويحافظون على الطقوس مثل كل الوثنيين في العالم. حينما تفقد الشريعة روحها يسيطر على تفسير النصوص الكتبة والفريسيون الذين يعشرون الشبث والنعناع ويبتلعون الجمل وينسون أهم ما في الشريعة الرحمة. وكل ما نرى من مظاهر الحرب في كوسوفو والعراق وأفغانستان وليبيريا هي الاختلاجات الأخيرة لموت مؤسسة الحرب.

في بلد ثوري عربي جمعوا الأمهات للضحك عليهن بمناسبة ما يسمى عيد الشهداء، وتسابق الخطباء لبيان مقام الشهيد حتى جاء الدور على رجل فقال لهن: أيتها الأمهات لا يغرنكن هذا الكلام، وإن أولادكن قدمهم أولاء قرابين على مذابح الأصنام، فأحدق القوم به ونجا من المجلس قبل أن تتناوله الأيدي بالضرب على الوجوه والأدبار.
__________________
* كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة