جدل السياسي والاقتصادي في العلاقات المغاربية   
الأحد 1426/2/9 هـ - الموافق 20/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:59 (مكة المكرمة)، 11:59 (غرينتش)


عبد السلام رزاق

 

- مكر السياسة

- غباء التاريخ

- الواقعية الاقتصادية

 

تفاعلت معظم وسائل الإعلام المغاربية والعربية بصورة إيجابية مع  خبر اللقاء المرتقب للقادة المغاربيين على هامش القمة العربية المزمع انعقادها في العاصمة الجزائرية خلال يومي 22 و 23 مارس/آذار الجاري.

 

وإذا كانت التصريحات القادمة من الرباط والجزائر العاصمة تؤكد خبر اللقاء بين العاهل المغربي محمد السادس والرئيس عبد العزيز بوتفليقة, ووزراء خارجية الدول المغاربية قبل ذلك أكدوا أن القمة المغاربية أمر قائم لا محالة، فإن هذه المعطيات وحدها كافية لكي

تجعل من قمة الجزائر حسب ما ذهبت إليه الصحافة الجزائرية قمة انطلاقة المصالحة العربية ولم الشمل المغاربي الذي عرف قطيعة شبه كاملة امتدت لما يزيد عن إحدى عشرة سنة.

 

"
واقع التسويات في العالم يقود إلى الإقرار بأنه حينما تغلق الأبواب أمام أطراف النزاع في منطقة ما من العالم, فإن التدخل الأجنبي والأميركي تحديدا قد يكون هو الخيار المتوقع لتسوية الملف المعلق
"
لكن هذه المؤشرات الإيجابية لا ينبغي أن تحجب عنا وجود معوقات موضوعية على المسارين معا. فإذا  كانت القمة العربية تواجه صعوبات استثنائية وخاصة، وتحتاج إلى جرعات إضافية من المرونة الدبلوماسية والشجاعة السياسية في التعاطي مع ملفات إصلاح الجامعة العربية, والبت في النقاط الخلافية المتعلقة بالاحتلال الأميركي للعراق ومستقبل سوريا في السياسة الدولية عقب خروج قواتها من لبنان إلى جانب العلاقات العربية الإسرائيلية في مرحلة ما بعد بناء الدولة الفلسطينية، فإن رهان التطبيع المغاربي سيبقى أمرا دونه الكثير من المعوقات الذاتية والموضوعية التي تجد تجلياتها على أكثر من محور.

 

دون الارتكان الدائم إلى المحور المغربي الجزائري قد يصاب الراصد للعلاقات المغاربية في تشعباتها الكثيرة بالحيرة لكون العمق الإستراتيجي لهذه العلاقة المتوترة ما تزال تحكمه الكثير من النوازع الذاتية المرتبطة بماضي هذه البلدان, والتي أضحت متجاوزة في السياق الدولي الجديد.

 

إن الإشكالية المرتبطة بملف الصحراء الغربية التي يبدو أنها تشكل عصب الزاوية في رص علاقات بديلة في المنطقة قائمة على أساس من التعامل المستند إلى خيارات إستراتيجية بديلة أمر غير متحقق في الوقت الراهن, طالما أن كل طرف يتمسك بموقفه.

 

فبالرغم من التصريحات الرسمية من قبل  المسؤولين المغاربة والجزائريين الرامية إلى عزل ملف التسوية السياسية لملف الصحراء عن المسار ألمغاربي, فإن هذا المنحى الدبلوماسي لا يعدو أن يكون هروبا إلى الأمام سواء من قبل المغرب أو الجزائر، في حين أن التسوية السياسية لملف الصحراء انتقلت الآن من أيدي أطراف النزاع إلى المنظومة الدولية، ولم يبق إلا تنفيذ مخطط المبعوث الأممي السابق جيمس بيكر مع جزئيات تستجيب لها أطراف النزاع  بما يخول لها الحفاظ على ماء الوجه.

 

ورغم أن هذا الاختيار هو المطروح الآن على جدول التنفيذ في كواليس الأمم المتحدة, فإن النوازع الذاتية المعلن عنها غالبا ما تحول دون تسوية هذا الملف في أقرب الآجال، ويبدو أن الآثار الإنسانية لوضع اللاحرب واللاسلم أضحت تثير العديد من المنظمات الدولية.

 

إن الجوانب الخفية والمسكوت عنها في ملف الصحراء تقوم على أن الجزائر تعتبر المغرب قوة محتلة والرباط تتهم الجزائر بأن لها أطماعا ترابية في المنطقة, في حين أن الطرف المعني بالنزاع أي الصحراويين لا يتم الإتيان على ذكرهم وكأنهم غير معنيين بالقضية، في حين أن منطق الأمور يقتضي الاستماع إلى موقفهم في أي تسوية متوقعة في المنطقة لأنهم بقوة الواقع طرف معني, وإلا فإنه لا اتحاد مغاربيا بدون تسوية ملف الصحراء ولا تسوية لملف الصحراء بدون التفاوض المباشر مع جبهة البوليساريو.

 

ومهما يكن من أمر فإن واقع التسويات في العالم يقود إلى الإقرار بأنه حينما تغلق الأبواب أمام أطراف النزاع في منطقة ما من العالم, فإن التدخل الأجنبي والأميركي تحديدا قد يكون هو الخيار المتوقع لتسوية الملف المعلق.

 

وهذا التوجه يجد تفسيره في تأكيدات الخارجية الأميركية التي أكدت بأنه بعد تسوية ملفات الشرق الأوسط, فإن الصحراء ستكون هي محور التحرك الدبلوماسي المقبل لطي هذا الملف.

 

وحينما يفرض حل ما فإنه سينفذ, وحينها لن يبقى للمغاربيين من صيغة سوى التعامل المندمج وفق إملاءات خارجية قادمة من دول الاتحاد الأوروبي وربما الولايات المتحدة الأميركية.

 

"
أم المفارقات في السياسة المغاربية تتحدد في كون الفعل السياسي المغاربي في شتى تمظهراته يشتغل وفق قاعدة قارة تقوم على غلبة النوايا الأيديولوجية على المصالح الاقتصادية
"
مكر السياسة

إن المتتبع للمشهد السياسي المغاربي لابد أن يلحظ وبسهولة كون أغلب مواقف الدول الخمس الأعضاء تتحرك وفق منطق نمطي جامد، تتحكم فيه إلى حد بعيد ثقافة ردود الفعل, والاحتكام الدائم إلى المرجعية السياسية في دلالتها الماضية التي تقوم على الانتصار المطلق للنوازع الفردية أو الجماعية مع استحضار دائم للجار على أنه خصم وعدو.

 

بل إن أم المفارقات الكبرى في السياسة المغاربية تتحدد في كون الفعل السياسي المغاربي في شتى تمظهراته يشتغل وفق قاعدة قارة تقوم على غلبة النوايا الأيديولوجية على المصالح الاقتصادية, حتى وإن كان الكل يقر ويعي عدم نجاعة هذا المنحى على المستوى الخطابي في حين أن فعل الممارسة يؤسس موقفا مناقضا لمحمول الخطاب.

 

ولعل هذا المنطق المتجاوز هو ما يفسر حالة الركود الاقتصادي والجفاء السياسي الذي تشهده المنطقة بالرغم من توفر محددات التآلف السياسي والاندماج الاقتصادي.

 

إن الحالة المستخلصة من الواقع المغاربي في صورته الحالية يفيد بأننا أمام محاور خلافية متداخلة.

 

ففي الوقت الذي تعرف فيه العلاقات المغربية الجزائرية حالة من العداء المعلن بالرغم من الاحتفالية البرتوكولية التي تطبع هذه العلاقة بين الفينة والأخرى، فإن المحور الموريتاني الليبي ما فتئ  يكشف هو الآخر عن فجوة سياسية يصعب تجاوزها، إذ إن الجماهيرية الليبية وتحت ثقل منظورها القومي للسياسة العربية لم تستوعب بعد حالة التطبيع المعلنة من قبل الجمهورية الإسلامية الموريتانية مع إسرائيل، وتعتبر هذا الفعل تنصلا من عروبة وإسلامية موريتانيا، مع العلم طبعا بأن هناك دولا عربية عديدة دخلت على الخط وطبعت علاقاتها مع إسرائيل إما في السر أو في العلن، بالرغم من حالة شبه الإجماع العربي المعلن بخصوص عدم التطبيع مع إسرائيل إلى حين التسوية النهائية والشاملة مع الشعب الفلسطيني.

 

وبالمقابل فإن اتهام نواكشوط لليبيا بالضلوع في الانقلابين اللذين عرفتهما موريتانيا في العام الماضي زاد من حدة الخلافات بالرغم من تأكيد ليبيا أن لا يد لها في العمليتين معا.

 

ومن جهة أخرى فإن الخلافات الحدودية بين تونس وليبيا هي الأخرى تطفو على السطح بين الفينة والأخرى.

 

ومهما يكن, فإن السياسة المغاربية في تنوعاتها الخلافية تكشف عن حقيقة ساطعة هي أن هذه الخلافات تمثل نموذجا صارخا للمنظور الكلاسيكي للنزاعات الثنائية في السياسة الدولية, وبالتالي فإن الحلول الممكنة لهذه المنازعات موجودة ولكن تنفيذها قد يحتاج إلى بعض الوقت, ربما لأن الدول المغاربية لم تستطع بعد استيعاب وربما لا تريد أن تستوعب أن منطق العصر يقوم على أن توفير الرفاه الاقتصادي للشعوب مطلب ذو أولوية حاسمة، وهو شرط الديمقراطية. في حين أن المواقف السياسية هي معطيات متغيرة ولا يمكنها أن تستمر على ذات النمط إلى ما لا نهاية.

 

غباء التاريخ

من المفارقات المثيرة في المغرب العربي أن عناصر الاشتراك والتشابه تطال كل مكونات الوجود الإنساني باستثناء السياسة، فعناصر الاشتراك الحضاري من وحدة الدين واللغة والعادات والتقاليد, هي ذاتها في كافة البلدان لكن نقطة الخلاف المركزية تكمن في تباين الخيارات السياسية.

 

ورغم التبريرات المقدمة من هذا البلد أو ذاك فإن التاريخ المغاربي الرسمي أبى إلا أن تبقى الشعوب المغاربية تحت إمرة تاريخ لا يزال في حاجة إلى كتابة جديدة محفوظة ومنقحة من الانتصار للمرجعيات السياسية الضيقة والاستجابة لمطالب الشعوب في علاقتها بالديمقراطية.

 

إن التبريرات التي كان يقدمها الزعماء المغاربيون عن بعضهم البعض هي أن النظام الملكي في المغرب نظام رجعي عبودي وقروسطوي، وأن الجزائري نظام شيوعي ومتسلط, وأن النظام الليبي نظام قومجي مستهتر، والنظام التونسي بوليسي استبدادي, والنظام الموريتاني عسكري متخلف، إلى غير ذلك من التصنيفات الجاهزة التي كان كل زعيم مغاربي ينعت بها الآخر.

 

ولكن  بعد كل هذا العناء أليس من حق المواطن المغاربي اليوم أن يمنح حقه في الكلام وتقويم ما مضى من أخطاء وزلات؟

 

"
هناك خطاب واضح وصريح في كواليس المؤتمرات واللقاءات المغاربية مضمونه أن لا اتحاد مغاربيا بدون حسم الصراع الإستراتيجي بين المغرب والجزائر
"
إذا حدث ووقع ما يجب أن يكون فإن الإجابة ستكون واحدة، وهي أن المنطق السياسي المعمول به الآن منطق متجاوز لا مكان له في المرحلة الحالية التي تتحرك وفق نواميس مغايرة تؤمن بأسبقية المصلحة الاقتصادية على الخلافات الأيديولوجية البالية.

 

ولأن التاريخ المغاربي تاريخ غبي صاغته ذاكرة تعاني التكلس المعرفي وضيق الرؤى السياسية, فإن الاتحاد الأوروبي منذ بدايته عقب الحرب الكونية الثانية ما فتئ يقدم الدروس والعبر للدول المغاربية دون جدوى.


ولربما كانت الذهنية العربية في أصولها الحضارية الأولى معادية لروح المبادرة وتنتظر دوما ردة الفعل، ولعمري إن هذا لهو المنطلق الأول الذي يمنع أي طرف من أن يبادر بالتنازل الجزئي أو الظرفي من أجل إحقاق المصلحة المشتركة.

 

صحيح أيضا أن هناك خطابا واضحا وصريحا في كواليس المؤتمرات واللقاءات المغاربية مضمونه أن لا اتحاد مغاربيا بدون حسم الصراع الإستراتيجي بين المغرب والجزائر, والأمر فيه الكثير من المعقولية.

 

وهذا المعطى يمثل إحدى أهم تركات التاريخ المغاربي الرسمي في مرحلة ما بعد الاستقلال في نهاية الخمسينات وبداية الستينات, ومسألة تجاوزه قد تكون سهلة إذا ما أمعن الطرفان أو الأطراف في عملية استيعاب التاريخ الأوروبي الجديد، وتحديدا الصراع الفرنسي الألماني في مرحلة ما بعد الحرب الكونية الثانية.

 

لقد كان الخلاف بين البلدين محتدما إلى أبعد الحدود, وبينهما علاقات ثأرية ناجمة عن احتلال ألمانيا لباريس، لكن يبدو أن باريس وبون اقتنعتا بضرورة تأجيل الخلافات السياسية بين البلدين التي تعود لفترة هتلر، لأنه تبين للطرفين فيما بعد أن المصالح الاقتصادية والتجارية أبقى وأهم من أفكار وزعامات قد لا تجدي، وهو ما تحقق بالفعل حيث تم تناسي المشاكل السياسية إلى أن وجدت حلولا من تلقاء نفسها دونما حاجة إلى مفاوضات أو نزاعات ثنائية.

 

الواقعية الاقتصادية

لقد أيقن القادة المغاربيون الخمسة وهم يمدون في عمر مقاطعتهم الاقتصادية أنهم يفوتون فرصا اقتصادية ثمينة في عالم مطبوع على التكتلات الإقليمية والمنافسة الشرسة، فإذا كان الاندماج الاقتصادي الأوروبي قد تحقق وما يزال يتقدم بالرغم من عدم وجود المكونات الأساسية للتكامل الاقتصادي, فإن الدول المغاربية الخمس إن هي اندمجت وفق منظور متكامل قد لا تحتاج للخارج إلا في بعض المنتجات الخاصة والخاصة جدا.

 

فالحمضيات المغربية والسمك الموريتاني والنفط الجزائري والليبي والسياحة التونسية كلها مؤشرات متوفرة لتحقيق شراكة إقليمية وفرص تجارية لتبادل المنافع والخدمات.

 

وقد تكون هذه البداية أرضية لدخول دول أخرى إلى الاتحاد ربما تكون مصر أولاها. ولعل المستفيد الأكبر من الوضع الحالي هو السوق الأوروبية، إذ المبادلات التجارية للدول الخمس الأعضاء تشير إلى أن 78% من صادرات تونس توجه إلى الاتحاد الأوروبي الذي يزودها بنحو 72% من وارداتها.

 

أما المغرب فتستحوذ أوروبا على 60% من مبادلاته التجارية, وتذهب 62% من صادرات الجزائر إلى دول الاتحاد مقابل 58% من وارداتها, أما موريتانيا فيغطي الاتحاد الأوروبي أكثر من نصف وارداتها.

 

"
الواقع الاقتصادي المغاربي المختل يفوت برأي الكثير من الخبراء على الدول العديد من الفرص الإنمائية, وتهدر سنويا بموجبه ما قيمته 2% من الناتج القومي المحلي
"
إن هذا الواقع الاقتصادي المغاربي المختل, يفوت برأي الكثير من الخبراء على الدول العديد من الفرص الإنمائية, حيث تفيد بعض الدراسات بأن الدول الخمس الأعضاء بعد 17 سنة من توقيع الاتحاد المغاربي وتجميد هياكله, تهدر سنويا ما قيمته 2% من الناتج القومي المحلي جراء تعطل مسيرة الاتحاد، في حين أن ضعف التجارة البينية بين الدول الأعضاء التي لا تتجاوز 5% من مجموع المبادلات الخارجية لكل بلد من البلدان الخمس، يجعل من المنطقة سوقا واعدة بقدرة استهلاكية تقدر بنحو 100 مليون نسمة لكنها مع ذلك تبقى  قابلة للاختراق. وما التنافس الأوروبي الأميركي في حوض المتوسط إلا صورة مصغرة لهذا الوضع.

 

إن الواقع الاقتصادي في وضعه الراهن يلزم الدول المغاربية الخمس اعتماد الواقعية الاقتصادية من حيث هي أداة لتفعيل شرط النمو الاقتصادي وفق معدلات جديدة للتنمية وفق قاعدة الانتقال من الدفاع عن المصالح القطرية إلى المصالح الإقليمية.

 

وقد لا تعوزنا الأمثلة في هذا الباب فمجموعة دول أسيا "الآسيان" وأميركيا الشمالية "النافتا" ما فتئت تشكل للدول المغاربية يوميا شكلا من أشكال التحدي الاقتصادي والسياسي.

_______________

كاتب مغربي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة