بوش وكيري.. تطابق في الأهداف وتباين في الأسلوب   
الأربعاء 1425/11/4 هـ - الموافق 15/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 10:11 (مكة المكرمة)، 7:11 (غرينتش)
 

- سياسة أحادية أم متعددة الأطراف؟
- حربا العراق وأفغانستان
- محور الصراع العربي الإسرائيلي
- قضايا ساخنة مع محور الشر ودول أخرى
- محكمة الجرائم الدولية في لاهاي

اقتحمت السياسة الخارجية ساحة التنافس في انتخابات الرئاسة الأميركية وسيطرت الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على العراق على الساحة للمرة الأولى منذ حرب فيتنام التي انتهت بانسحاب القوات الأميركية منتصف السبعينات من القرن الماضي.
 
ورغم ظهور بعض أوجه الاختلاف بين المرشحين الجمهوري جورج بوش والديمقراطي جون كيري فيما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية، فإن المناظرتين بينهما التي جرت يومي 30/9 و1/10 أظهرتهما وكأنهما وجهان لعملة واحدة في غياب اختلاف جوهري بين طروحاتهما، فهما متفقان في العمق وإن كانا مختلفين في الأسلوب.
 
ورغم ما يقال عن اللون الباهت الذي يميز مواقف كيري في السياسة الخارجية، فإنه اندفع في أجواء المزايدة القومية التي أججها الجمهوريون والمحافظون الجدد بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، حيث عمد كيري إلى صياغة خطاب حول الأمن القومي (الدفاع والسياسة الخارجية) يتبين أنه أكثر هجومية حتى وإن بدا متميزا عن خطاب الجمهوريين.

سياسة أحادية أم متعددة الأطراف؟
فبوش يعطي الأولوية لاستخدام القوة الأميركية من جانب واحد في إطار الهجوم الاستباقي، دونما اللجوء إلى الدبلوماسية وأساليب الإقناع التقليدية، وسواء أكان حلفاء واشنطن يشاطرونه الرأي أم لا للعمل المسلح ضد أي ممن يسميهم "الدول المارقة" أو حجم الخطر الذي تشكله.
 
ويؤكد كيري أن سياسته الخارجية ستكون متعددة الأطراف بدلا من سياسة بوش أحادية الجانب. وقال كيري في خطاب له أمام مجلس العلاقات الخارجية يوم 3 ديسمبر/ كانون الأول 2003 "إذا انتخبت فسأستعيض عن نزعة بوش الانعزالية بعصر جديد من التحالفات. بالطبع إن الحرب الباردة قد انتهت إلا أن أخطارا جديدة تحيق بنا مما يجعل وجود الحلفاء إلى جانبنا ضروريا أكثر من أي وقت مضى".

وأبرز المجالات التي تظهر فيها نقاط الاتفاق والاختلاف في السياسة الخارجية لكل من بوش وكيري، يمكن أن نجملها على النحو التالي:

حرب العراق وأفغانستان
"
لا يحدد بوش موعدا لسحب القوات الأميركية من العراق ولا يمانع من إرسال المزيد, لكن كيري يرى زيادة عدد القوات الأجنبية وقوات الأمن العراقي ويشدد على انضواء القوات الأميركية تحت الأمم المتحدة
"
لقد أمر بوش بغزو العراق بقوات قوامها 138 ألف جندي انضم إليها نحو 30 دولة معظمها هامشية -في تحالف سمي "تحالف الراغبين"- لم تقدم أكثر من 15 ألف جندي بينهم 8 آلاف قدمتهم بريطانيا.
 
ويدعو بوش إلى إجراء انتخابات وطنية في العراق في موعد أقصاه يناير/ كانون الثاني 2005، في حين سيقوم ضباط أميركيون ومن حلف الناتو بتدريب 260 ألف جندي ورجل شرطة عراقي، وستواصل الولايات المتحدة توسيع اقتصاد السوق الحر في العراق والخصخصة.
 
وتعهد بوش بتقديم 18.4 مليار دولار لإعادة إعمار العراق، وحث صندوق النقد والبنك الدوليين و37 بلدا على التعهد بتقديم 13.5 مليارا للغرض نفسه.
 
ولا يحدد بوش موعدا لسحب القوات الأميركية نهائيا من العراق، بل إنه قال إن مستوى القوات الأميركية هناك يعتمد على ما يقرره القادة العسكريون الميدانيون، وإنه سيرسل إذا ما طلبوا مزيدا من الجنود.

كيري من جانبه صوّت تأييدا للغزو ويقول إنه كان سيصوت لصالح مشروع القرار حتى لو عرف أن العراق لا يملك أسلحة دمار شامل، وهو يقترح تعيين مفوض سام دولي للعمل مع السلطات العراقية بشأن المرحلة الانتقالية السياسية.
 
ويوضح كيري في كل خطاباته أنه يسعى إلى تدويل مسألة العراق بشكل خاص، في حين يصر بوش على أن ما تفعله حكومته في العراق هو الشيء الصحيح مشددا على أنها ستنجح في نهاية الأمر.
 
كما يوضح أيضا أنه قد يستطيع تخفيض عدد قوات الاحتلال الأميركي في العراق بصورة جوهرية خلال الأشهر الستة الأولى من حكومته على طريق إنهاء مهمة القوات الأميركية هناك بنجاح وإعادتها إلى الولايات المتحدة بأسرع وقت ممكن، محددا أربع سنوات لاستكمال الانسحاب من العراق.

ويعتقد كيري أن خطته "يمكن أن تنجز بزيادة عدد القوات الأجنبية وزيادة حجم قوات الأمن العراقية"، مشددا على ضرورة انضواء القوات الأميركية تحت راية الأمم المتحدة وتكليف قوات الناتو مهمة عمليات حفظ السلام.
 
ويعتقد أن اشتراك الناتو سيفتح الباب لتدخل دولي أكبر من دول خارج الناتو لمشاركة الولايات المتحدة في العبء. كما سيعمل كيري على "تدويل جهود الإعمار في العراق لإنهاء المفهوم المستمر عن الاحتلال الأميركي والمساعدة في تنسيق إعادة البناء". 
 
وتشمل خطة كيري أيضا "وضع خطة لمستقبل العراق بالعمل مع حلفائنا بالسماح للديون العراقية التي تقدر بعدة مليارات، وإشراك حلفائنا في تطوير دستور عراقي جديد والترتيبات السياسية التي يحتاج إليها لحماية حقوق الأقليات. وفي الوقت نفسه فإن علينا أن ندعو إلى مؤتمر إقليمي مع جيران العراق لتأمين تعهد باحترام حدود العراق وعدم التدخل في شؤونه الداخلية".
 
أما أفغانستان الوجه الآخر لهذه الحرب فقد أمر بوش بشن حملة من القصف الجوي لأفغانستان في أكتوبر/ تشرين الأول 2001 واستمرت لعام 2002، بهدف الإطاحة بحكومة طالبان وتصفية تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن، وطلب من الكونغرس الموافقة على رصد 25 مليار دولار للعام المالي 2005 لعمليات عسكرية في أفغانستان والعراق ودعم حكومة حامد كرزاي في كابل وتوفير الحماية لها. وليس هناك ما يشير إلى أن بوش يعتزم سحب القوات الأميركية من أفغانستان قريبا.

أما كيري فقد صوت لصالح مشروع قرار يسمح بحملة القصف على أفغانستان، وهو ينتقد الآن سوء معالجة بوش وإهماله لها ويدعو إلى إرسال مزيد من قوات الناتو وتوسيع وجود الحلف إلى أبعد من كابل، وهو يعتقد أن قوات الناتو يجب أن تحقق تعهدها بتوفير الأمن ويجب على الولايات المتحدة أن توسع برنامجها لنزع سلاح جنرالات الحرب وتقديم تعهدات بمضاعفة المساعدة في مكافحة المخدرات إلى حكومة كرزاي من المستويات الحالية.
 
محور الصراع العربي الإسرائيلي
"
لا يمانع كل من بوش وكيري من مواصلة الاستيطان الإسرائيلي وعدم التعامل مع عرفات والاحتفاظ بالتفوق النوعي لإسرائيل على الدول العربية وزيادة المساعدات الخارجية لها ودعمها في الأمم المتحدة
"
يتبنى بوش زيادة المساعدات العسكرية لإسرائيل التي رفعها إلى 2.16 مليار دولار عام 2004. ويؤيد بقوة خطة شارون للانسحاب من غزة، ويؤيد جدار الفصل الذي تبنيه سلطات الاحتلال الإسرائيلي على الضفة الغربية، كما يتبنى التسمية الإسرائيلية له بالقول إنه "جدار أمني وليس حاجزا سياسيا"، ويعتبره ضرورة أمنية إسرائيلية في مواجهة خطر المقاومة الفلسطينية.
 
لكنه في الوقت نفسه يدعو إلى تعديل مسار الجدار بما يأخذ في الاعتبار تأثيره على الفلسطينيين الذين هم غير منهمكين في أعمال المقاومة. ويواصل تأييده لحل الدولتين ولكنه يدعو الفلسطينيين إلى وجوب وقف كافة أشكال المقاومة أو الحث عليها وإلا فإن خارطة الطريق ستفشل.
 
وهو لا يمانع من مواصلة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية بدعوى النمو الطبيعي. كما تعهد بالحفاظ على التفوق النوعي لإسرائيل على الدول العربية، وعدم التعامل مع رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات.

أما كيري فيعتقد "بالاحتفاظ بعلاقة خاصة" بين إسرائيل والولايات المتحدة بما في ذلك مستويات مرتفعة من المساعدة الخارجية، كما يعتقد بأنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تدعم إسرائيل داخل الأمم المتحدة ويؤيد بناء إسرائيل لجدار الفصل ولخطة شارون بالانسحاب من غزة.
 
ويؤيد في الوقت نفسه دولة فلسطينية، لكنه لا يؤيد حق عودة مفتوحة للاجئين الفلسطينيين. ويقترح الاستثمار في فلسطين وتشجيع أوروبا على القيام بنفس الشيء وإيجاد نوع من جهود التنمية الاقتصادية والتي يمكن أن تظهر شيئا ما للفلسطينيين لإيجاد كيان تستطيع إسرائيل في النهاية أن تتفاوض معه.
 
ويدعو كيري إلى انخراط مباشر للولايات المتحدة في تسوية الصراع العربي الإسرائيلي، وهو يتفق مع بوش في ضرورة إرجاء بحث قضايا الوضع النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى مفاوضات سلام برعاية اللجنة الرباعية.
 
ويتفق أيضا مع بوش في "عدم وجود شريك فلسطيني" لمفاوضات التسوية مع إسرائيل، وضرورة مواصلة فرض العزلة على عرفات. كما يتفق المرشحان في الحفاظ على التفوق النوعي لإسرائيل في المنطقة، ويعترفان بأنه لا يوجد خلاف في مواقفها.

قضايا ساخنة مع محور الشر ودول أخرى
تواجه أميركا مجموعة من القضايا الساخنة والعالقة مع مجموعة من الدول بعضها يندرج تحت قائمة دول محور الشر وأخرى ليست كذلك لكنها تحت الضغط الأميركي، وهذه الدول هي سوريا وإيران والسودان والصين وكوريا الشمالية وكوبا.

ففيما يتعلق بسوريا فإن بوش وقع قانون محاسبتها يوم 12 ديسمبر/ كانون الأول 2003 الذي يحظر من بين بنوده تزويد سوريا بأسلحة أو مواد ذات استخدام مزدوج، ويتبنى سياسة ضغط عليها لفك ارتباطها بمنظمات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وضبط الحدود السورية العراقية لمنع وصول المتطوعين العرب إلى جانب المقاومة العراقية. كما يمارس ضغوطا على سوريا بواسطة مجلس الأمن الذي تمثل بقرار 1559.

وقد شارك كيري في تبني مشروع قانون محاسبة سوريا، وهو يعتقد أن على الولايات المتحدة أن تضمن بأن لا تمتلك سوريا مزيدا من الأسلحة مما يفاقم التوترات في المنطقة ويثير تهديدات محتملة لإسرائيل ويقوض ضبط الأسلحة في المنطقة.

أما إيران فقد وصفها بوش بأنها جزء من "محور الشر" في خطابه حول حالة الاتحاد في يناير/ كانون الثاني 2002. والآن يدعو إلى وجوب أن تتخلى إيران عن "طموحاتها النووية" ولكنه يعترف بأنه ليس لديه سوى القليل من عناصر الضغط لإجبارها على التخلي عن برامجها النووية لأنه ليس للولايات المتحدة علاقات دبلوماسية مع إيران، وقد فرضت بالفعل عقوبات عليها. ويسود اعتقاد بأن بوش قد يصعد ضغوطه بما فيها عمليات سرية ضد إيران لزعزعة استقرار نظامها في حال إعادة انتخابه.

ويؤكد كيري الحاجة إلى أن تتخلى إيران عن برامجها النووية، ولكنه سيسمح لها بأن تحتفظ بمصانع نووية لتوليد الطاقة وتزويدها بوقود يقدم دوليا من النوع الذي لا يمكن استخدامه في الأسلحة النووية. ويؤيد جهود الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مراقبة كامل برنامج إيران النووي. وهو قد أعلن أنه يوافق على تزويد إيران بالوقود لمصانعها النووية لإنتاج الطاقة للأغراض السلمية إذا تخلت طهران عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم.
 
وفي الشأن السوداني يدين بوش ما يجري في دارفور الذي يحمل الحكومة السودانية مسؤوليته ولكنه لم يصف الوضع بأنه إبادة جماعية واضحة، وهو يؤيد نشر قوات من الاتحاد الأفريقي في المنطقة، ويدعو إلى مواصلة فرض الأمم المتحدة العقوبات على السودان.
ويؤيد كيري أيضا فرض عقوبات على السودان ويدعو إلى تدخل إنساني في دارفور بموجب ميثاق الأمم المتحدة.
 
"
ينتقد كيري افتقار بوش الانتباه إلى الوضع وتركيزه على العراق بينما الخطر النووي من كوريا الشمالية قد تضاعف، ويؤيد استمرار المحادثات السداسية والثنائية مع بيونغ يانغ
"
أما الصين فقد أعرب بوش عن تأييده القوي لتايوان وزودها بكميات كبيرة من المساعدة العسكرية، في الوقت الذي يحتفظ فيه بعلاقات مع الصين ويؤيد دخولها إلى منظمة التجارة العالمية.

وقد صوت كيري عام 2000 لمنح الصين وضعا دائما لعلاقات تجارية طبيعية. وفي العام نفسه أيضا صوت على إسقاط تعديل يتطلب فرض عقوبات تجارية ضد الصين إذا وجدت أنها تبيع أسلحة دمار شامل.

وفيما يتعلق بكوريا الشمالية تخلى بوش عام 2001 عن التفاوض معها بشأن برنامجها التسليحي النووي، ووصف تلك البلاد بأنها جزء من "محور الشر". وبعد نحو عامين أعرب عن اعتقاده باستبعاد اللجوء إلى القوة العسكرية، واللجوء إلى الحل الدبلوماسي بالعمل مع الصين وروسيا وكوريا الجنوبية واليابان لإقناع بيونغ يانغ بالتخلي عن برنامجها، ويقول إن المفاوضات الثنائية مع كوريا الشمالية ستقوض عمل المجموعة السداسية وتخرج الصين من العملية.

وينتقد كيري افتقار بوش إلى الانتباه إلى الوضع وتركيزه "على العراق بينما الخطر النووي من كوريا الشمالية قد تضاعف". ويؤيد استمرار محادثات المجموعة السداسية مع كوريا الشمالية إلى جانب المحادثات الثنائية المباشرة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية حول كافة القضايا.
 
محكمة الجرائم الدولية في لاهاي
سيحاول بوش إيجاد حل لحالة الجمود، لكنه لن يوقع على معاهدة محكمة الجرائم الدولية التي وقعها الرئيس السابق بيل كلينتون دون أن يقدمها إلى مجلس الشيوخ للمصادقة عليها، وقد ألغى بوش توقيع سلفه عليها. ويبرر بوش معارضته التوقيع بأنه لا يريد أن يواجه الجنود الأميركيون محاكمات يجريها قضاة أجانب لتنفيذهم أوامر من قائدهم الأعلى.

ويؤيد كيري اشتراك الولايات المتحدة في محكمة جرائم الحرب الدولية، لكنه يعتقد أيضا أن المسؤولين الأميركيين بمن فيهم الجنود يجب أن يزودوا ببعض الحماية من المحاكمات ذات الدوافع السياسية.

__________________
كاتب وصحفي مقيم بواشنطن
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة