تقرير الأمم المتحدة ومستقبل الدولار الأميركي   
الخميس 1431/7/27 هـ - الموافق 8/7/2010 م (آخر تحديث) الساعة 20:35 (مكة المكرمة)، 17:35 (غرينتش)
جواد العناني


صدر تقريران عن الأمم المتحدة يطالبان بتخلي الدولار عن وظيفتيه الأساسيتين في الاقتصاد الدولي، وهما وحدة حساب لقياس قيم السلع والخدمات المتبادلة في السوق الدولية، وعن وظيفته كعملة احتياط وتداول رئيسية في التعاملات الدولية.

وقد أثار هذان التقريران حفيظة بعض المسؤولين الأميركيين، وبخاصة المحافظين منهم, ففي ردة فعل أولية تلخص ردة الفعل الأميركية، صرح "نايل جاردينر" من "مؤسسة هيرتيج" بأن تقرير الأمم المتحدة "هو بمثابة ضربة صاعقة للقوة الإستراتيجية الأميركية". وسوف يتناول هذا المقال تحليلا لما تضمنه التقريران، والفروقات التي بينهما، والمبررات التي اعتمدها التقريران للخروج بهذا الاستنتاج الهام.

"
احتل الدولار مكانته العالمية في أعقاب الحرب العالمية الثانية حين برزت الولايات المتحدة كأكبر قوة اقتصادية عالمية دائنة لمعظم دول العالم الصناعي، والمنقذ الأكبر عبر خطة وزير خارجيتها جورج مارشال آنذاك
لقد احتل الدولار مكانته العالمية في أعقاب الحرب العالمية الثانية حين برزت الولايات المتحدة كأكبر قوة اقتصادية عالمية دائنة لمعظم دول العالم الصناعي، والمنقذ الأكبر عبر خطة وزير خارجيتها جورج مارشال آنذاك لاقتصاديات الدول التي دمرتها الحرب في أوروبا وشرق آسيا.

وتمكن المفاوض الأميركي آنذاك "لاري وايت" من أن يفرض الدولار كعملة احتياط دولية وكمقياس لأسعار صرف العملات كلها بجانب الذهب، وبدلاً عن الجنيه الإسترليني. وقد سعى آنذاك الاقتصادي البريطاني المخضرم "لورد جون كينز" إلى إيجاد عملة دولية جديدة اقترح أن يكون اسمها "بانكور" . ولكن موقفه التفاوضي الضعيف لم يمكنه من تحقيق غايته، ووقعت اتفاقية "بريتون وودز" بولاية "نيوهامبشاير" مدشنة عهد الدولار كسيد العملات الدولية.

واكتشفت الولايات المتحدة أن طباعة النقود توفر لها دخلاً كبيراً مقابل التزامها بتحويل الدولار إلى ذهب. ولكن الدولار كان حتى مطلع ستينيات القرن الماضي يعتبر العملة المرغوبة ذات البريق الأخضر والمفضل على بريق الذهب الأصفر.

أما ربح الولايات المتحدة فكان يتأتى من ثلاثة جوانب. الأول هو قدرة الولايات المتحدة على استخدام الدولار لشراء أرصدة واستثمارات في جميع دول العالم الغربي والنامي باستثناء الدول التي كانت حليفة للاتحاد السوفياتي. والثاني هو أن أميركا تقترض من كل حامل لعملتها خارج الولايات المتحدة بفائدة صفر%. وأما العنصر الجذاب الثالث فكان بيع ورقة النقد التي تكلف طباعتها خمسة سنتات على الأكثر بمبلغ يتراوح بين دولار وألف دولار تبعاً لقيمة ورقة النقد المصدرة . وقد توقفت الولايات المتحدة من إصدار فئتي الخمسائة والألف دولار بسبب التزوير والتهريب.

ولقد زادت هيبة الدولار وجاذبيته أكثر بسبب سياسات النقد الأجنبي الانغلاقية التي تبنتها كثير من دول العالم، وبخاصة الدول التي تبنت نظماً تخطيطية مركزية أو اشتراكية. وقد خسرت هذه الدول كثيراً من أرصدتها بسبب تهريب عملاتها مقابل الدولار، مما دفعها إلى دعم أسعار تبادل مرتفعة وغير مبررة. وهكذا صار الدولار عملة يحلم باقتنائها الكثيرون من مواطني الدول التي كانت تعادي الدولة مصدرة الدولار.

وخلال هذه الفترة نما سوق التعامل باليورودولار (أو الدولارات خارج الولايات المتحدة) والأوراق المالية المقيمة بالدولار بسرعة هائلة حتى وصل في الستينيات إلى أكثر من (500) مليار دولار، وهو رقم كبير جداً بمقاييس تلك الفترة.

ولكن حروب أميركا الخارجية، وتراجع إنتاجية مصانعها، وبروز منافسين لها مثل اليابان وألمانيا وفرنسا، سرعان ما أدى إلى تفاقم العجز في الميزان التجاري الأميركي، وزيادة رغبة الدول في تنويع أرصدتها الاحتياطية بالين الياباني، والفرنك السويسري والفرنسي، والجنيه الإسترليني.

وكذلك ساهمت حرب فيتنام والحرب الباردة في تفاقم ذلك العجز. وقد أدت هذه الظروف كلها إلى زيادة الطلب على مخزون الذهب الأميركي مما دفع بالولايات المتحدة عام (1972). وفي عهد الرئيس نكسون إلى تخفيض الدولار بنسبة (15%) تقريباً، وإيقاف إبدال الذهب بالدولار، خشية على نضوب المخزون الأميركي. وعادت ثانية وخفضت الدولار عام (1973) بنسبة 10% أخرى.

وقد مُهّد لهذه الخطوة عام (1969) حين بدأ صندوق النقد الدولي بإصدار وحدات حقوق السحب الخاصة (SDR). وهي عبارة عن وحدة حسابية تساوي قيمتها جزءاً من أونصة الذهب الصافي، ويجري تقييمها بسلة من العملات. وتحسب قيمة حقوق السحب الخاص على أساس يومي. أما العملات المكونة للسلة فيجري إعادة النظر فيها وبأوزانها النسبية مرة كل خمس سنوات.

وبعد إيقاف الولايات المتحدة لإبدال الذهب بالدولار، صار صندوق النقد الدولي يصدر تقاريره الإحصائية ويحسب تعاملاته الداخلية على أساس وحدات حقوق السحب الخاص، وبالدولار. ولكن أزمة النفط عام (1974) بعد حرب أكتوبر عام (1973)، أدت إلى إعادة توزيع الموارد بين دول العالم لصالح الولايات المتحدة والدول المصدرة للنفط.

وفي عام (1975) انسحبت الولايات المتحدة من فيتنام، واعترفت أن اقتصادها بحاجة إلى إعادة ترميم ورفع لإنتاجيته. فركزت على التكنولوجيا الحديثة وبدأت تعد نفسها للتفوق على الاتحاد السوفياتي في الفضاء، ومع بلوغ عام (1986) إبان فترة الرئيس رونالد ريغان الثانية تبين أن أميركا قد حققت التفوق الواضح في الفضاء وحرب النجوم.

وشهد العالم تحالفاً بين أميركا وبريطانيا منذ بداية الرئيس ريغان الذي فاز بالانتخابات عام (1980) بعد فوز مارغريت تاتشر زعيمة حزب المحافظين بالانتخابات وتوليها منصب رئيسة وزراء المملكة المتحدة لأول مرة في تاريخها.

"
أدى التحالف بين أميركا وبريطانيا إلى عودة ازدهار مدرسة الاقتصاد الحر على جانبي الأطلسي, وأطلق العنان لرأس المال الخاص، ووصلت موجة الخصخصة وتحرير الاقتصاديات من القيود أوجها
"
وقد أدى التحالف إلى عودة ازدهار مدرسة الاقتصاد الحر على جانبي الأطلسي. وأطلق العنان لرأس المال الخاص، ووصلت موجة الخصخصة وتحرير الاقتصاديات من القيود أوجها. وتحولت هذه المدرسة إلى المرجعية الفكرية المسيطرة على قرارات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي خاصة بعدما وصلت أزمة المديونية العالمية في الدول النامية سقوفاً لم تبلغها قط. وهكذا تمكنت مؤسستا صندوق النقد والبنك الدوليتين من فرض نظمهما الاقتصادية على دول العالم الثالث، ومن خلال العولمة بسط وسائل إدارة الاقتصاد بما يخدم الرأسمالية.

وإبان فترة الرئيسين "بيل كلينتون" و"جورج بوش الابن" سيطر الاقتصاد الأميركي بدون منافس، وعاد الدولار ليكون سيد الموقف من جديد، خاصة عندما انتهت إدارة الرئيس كلينتون إلى توقع تحقيق فائض في الموازنة الأميركية خلال السنوات العشر الأولى من القرن الحادي والعشرين قدره (1.3) تريليون دولار.

ولكن مجيء بوش فتح المجال ثانية أمام التعنت الأميركي ليحتل أفغانستان عام (2001)، ويحتل العراق عام (2003) ويدخل في مغامرات عسكرية كبيرة. وأطلق الحبل على الغارب للمصارف الكبرى ومحال البيع بالتجزئة، والاستيراد الاستهلاكي، والتوسع العمراني لكي يشاهد الاقتصاد الأميركي وكثير من اقتصاديات العالم الصاعدة فورة عمرانية استهلاكية تكنولوجية لم يشهد لها العالم مثيلاً.

ورغم حصول انتكاسات اقتصادية في 1987 و1989، و1997, كان من المفترض أن تنبه العالم إلى احتمالات حصول الذوبان الأكبر، إلاّ أن العالم سرعان ما وضعها طي النسيان، واستمر في غيه يخلق المشتقات المالية، ويقدم القروض السهلة غير المدروسة وغير المضمونة بقدر كافٍ، حتى كانت الطامّة الكبرى عام 2008، حين حصلت أزمة العقار، مما أسقط المؤسستين الرسميتين المسؤولتين عن ضمان قروض العقار، وتلاهما تهاوي بنوك كبيرة، ثم توالت التراجعات والإفلاسات فطالت مؤسسات كبرى مثل "ليمان براذرز".

وباستمرار ظاهرة الدومينو والسقوط في المؤسسات، بدا أن العالم قد انقسم إلى قسمين: دول الفائض من الاحتياطات الأجنبية مثل الصين الذي بلغ مخزونها (2.4) تريليون دولار في أبريل/نيسان 2010، أو ما يساوي حوالي 30% من الاحتياطات الرسمية لكل دول العالم الأعضاء في صندوق النقد الدولي، وتايوان، وألمانيا، والمملكة العربية السعودية، وروسيا، والهند، وكوريا صارت جميعها هي الدول المقرضة الأساسية. والدول الأغنى مثل الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وبعض دول الاتحاد الأوروبي، واليابان فهي الدول المدينة. وهكذا انقلبت صورة أزمة المديونية عما كانت عليه في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

وبالرغم من الأزمة فإن الدولار حافظ على سعر تبادله حيال اليورو وتحسن عليه بنسبة تزيد عن 13% في الأشهر الستة الأخيرة، وارتفع كذلك حيال الين الياباني، والجنيه الإسترليني. أما الصين فقد حافظت على سعر صرف عملتها ثابتاً حيال الدولار أسوة بكثير من عملات دول الفائض والدول العربية وباقي الدول النامية. ولكن أسواق العملات تعاني من حالة عدم استقرار وتطاير، سواء انعكس على أسعار الذهب والمعادن الثمينة، أو على الأرقام القياسية لبورصات النقد ورأس المال، أو أسعار السلع وبخاصة النفط الخام.

ومن خلال هذا التذبذب المعاكس والضار لسياسات التثبيت والإنعاش، بدأت دول مثل الصين وروسيا تثير التساؤل الكبير "لماذا يبقى نظام النقد الدولي على حاله حيث تتحكم فيه عملة واحدة تتحكم في سعرها وقوتها دولة واحدة، تكيف سياساتها حسب مصالحها دون التفات لمصالح باقي دول العالم؟".

وبدأت هذه الأصوات تتعالى حتى وجدت لها صدى في منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد). وفي شهر يونيو/حزيران عام 2009، أصدرت هذه المنظمة تقريراً حرره كل من كبير اقتصاديي المنظمة "هاينير فاسبك" والذي قال إن الاعتماد على الدولار قد سبب للعالم هزة نقدية كبيرة و"ديتلف كوتي". وقد دعا التقرير إلى التخلي عن الدولار كعملة دولية وحيدة، والتخلي عنها كوحدة حساب لأن الدولار كمقياس للقيمة ليس مستقراً ولا ثابتاً، وباتت الضرورة تقتضي استبداله بوحدات حقوق السحب الخاص.

وفي ضوء الانتقادات التي وجهت إلى ذلك التقرير الصادر عن منظمة تعكس مصالح مجموعة دول العالم الثالث (الأونكتاد)، بات صندوق النقد الدولي يطالب الدول بضرورة التخلي عن ربط عملاتها بالدولار وإعادة ربطها بحقوق السحب الخاص، أو بسلة عملات. ولكن دعوة الصندوق كانت تأتي على استحياء.

وفي أواخر شهر يونيو/حزيران الماضي 2010، صدر تقرير جديد عن الأمم المتحدة في نيويورك تصدى له شخصيتان هامتان هما "جومو كوامي سنداران" الماليزي والاقتصادي المتميز والذي يعمل أميناً عاماً مساعداً للأمم المتحدة لشؤون التنمية الاقتصادية، وَ"روب فوس" مدير دائرة التحليل الاقتصادي بالأمم المتحدة وكلاهما خاطب مخاوف الولايات المتحدة في تصريحاته الداعية إلى استبدال الدولار كوحدة حساب وكعملة دوليَّة بحقوق السحب الخاص.

أما "فوس" فقد قال إن التحول إلى وحدات السحب الخاص سوف يخفف الضغوط عن الولايات المتحدة لأنها مضطرة أن توفر الدولارات في الأسواق العالمية عن طريق تحمل أعباء العجز في الميزان التجاري والموازنة. أما "ساندران" فقد دعا إلى خطة تدريجية ومرحلية لاستبدال الدولار بحقوق السحب الخاص حتى يتجنب الاقتصاد العالمي تقطعاً وتشوشاً في معاملاته.

"
على الولايات المتحدة أن تقرر قريباً ما إذا كانت تسعى للعزلة عن العالم أم إنها تريد أن تكون جزءاً من عالم جديد بدأت تتغير فيه موازين القوى الاقتصادية بشكل واضح؟
"
ويجب التأكيد هنا أن الولايات المتحدة ليست قادرة من الآن وصاعداً على تحمل أعباء الاضطلاع بتوفير الدولارات بالرغم من الفوائد الجمة التي تجنيها. ولكن إدارة الرئيس "أوباما" التي تسعى إلى إنعاش الوضع الاقتصادي الداخلي للولايات المتحدة لا تعطي العجز في الموازنة والميزان التجاري الأهمية الكبرى، وهذا هو سبب خلافها العميق مع أوروبا التي تريد أن تتبنى سياسات تقشفية في الموازنة العامة على عكس الولايات المتحدة. وقد تأكد هذا الخلاف خلال اجتماعات مجموعة الثماني ومجموعة العشرين في نهاية الشهر الماضي.

وكذلك، فإن الولايات المتحدة على خلاف مع الصين التي تريدها الولايات المتحدة أن ترفع من سعر صرف اليوان ليتناسب مع الفائض التجاري، والنمو الاقتصادي اللذين تتمتع بهما الصين. وقد أفلحت الولايات المتحدة مؤخراً في زحزحة الصين عن موقفها، والصين بحاجة في نفس الوقت إلى مبرر لرفع سعر صرف عملتها كنوع من السياسة لتقليل الفائض التجاري وكبح جماح ارتفاع الأسعار الذي يشهده اقتصادها.

إن المعركة بين الدولار وحقوق السحب الخاص لن تنتهي قريباً. ولكن استمرار حالة التطاير وعدم الاستقرار في أسواق النقد سيدفع بكثير من الدول إلى البحث عن نظام جديد من سلة عملات يعطي استقراراً ووضوحاً أكثر، ويخفف عن كاهل كثير من الدول -بما فيها الولايات المتحدة- أعباء الإجراءات لمواجهة التخفيف من آثار التقلبات الحادة في أسواق النقد والسلع والبورصات الدولية.

على الولايات المتحدة أن تقرر قريباً ما إذا كانت تسعى للعزلة عن العالم أم إنها تريد أن تكون جزءاً من عالم جديد بدأت تتغير فيه موازين القوى الاقتصادية بشكل واضح؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة