في ذكرى ثورة اليمن.. قراءة في المسارات والمآلات   
الأحد 6/5/1437 هـ - الموافق 14/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:21 (مكة المكرمة)، 13:21 (غرينتش)
أيمن نبيل


التوافق والمحاصصة
ثورة مضادة
القبيلة والدولة

كل ثورة من ثورات 2011 اتخذت مسارا متفردا وصيرورة خاصة، وإن اجتمعت في اللحظة الراهنة في أمر واحد وهو الانتكاسة بدرجات متفاوتة -وتونس ليست الأفضل بل "الأقل سوءا"- وهذا لا يرجع فقط إلى تمايز بنى النظام، بل أيضا إلى كلٍّ من درجة تسيس المجتمع وإشكالاته التاريخية.

ومن هذه الأبعاد الثلاثة يمكننا مناقشة سؤال المآل المفجع لثورة فبراير/شباط السلمية وأحلامها في الذكرى الخامسة لاندلاعها.

التوافق والمحاصصة
أول درس علمتنا إياه انتكاسة مسار الثورة هو التفريق الأساسي بين التوافق الوطني والمحاصصة، واتضح للجميع بعد تجربة استمرت منذ نهاية 2011 وحتى خريف 2014، وهي المرحلة الانتقالية، أن توافق القوى السياسية على اقتسام الوزارات، أي الطبقة العليا من جهاز الدولة، لا يعني توافقا وطنيا، بل يعني محاصصة حزبية.

أحس كثير من الناس وخاصة أولئك الذين شاركوا في الثورة، بأن قوى اللقاء المشترك التي وضعوا فيها آمالهم في تحقيق شيء معقول من التعافي في شروط المعيشة وإنجاز تحول ديمقراطي يضمن لهم الحرية، قد "غدرت" بالثورة، بكل الشحنة العاطفية المتأججة والشعور بالغبن الذي تنتجه هذه القناعة

وفكرة المحاصصة قد تكون بندا في توافق وطني في مرحلة انتقال ديمقراطي، ولكن التوافق الوطني لا يختزل فيها، خاصة في بلد كـاليمن حيث تتوزع مراكز ثقل جهوية ولم تتبلور فعليا هوية وطنية ولا يرتبط جهاز الدولة بمصالح فحسب، بل بشخصيات بعينها، والأنكى أن هذه الشخصيات بصفتها وبمؤسستها التي تنتظم فيها وهي حزب المؤتمر الشعبي العام بقيادة علي صالح، التي قامت الثورة على نظامه، كان مشاركا في نصف الحكومة!

من جانب آخر، كان هناك خلل بنيوي في المحاصصة الحزبية ذاتها، حيث كان توافق قوى اللقاء المشترك التي مثلت الثورة، أو ادعت ذلك على الأقل، منحصرا في الطبقة العليا من جهاز الدولة، أما الطبقات المتوسطة والجذرية فيه فكانت محل اصطراع وتنافس، بل احتكاك مباشر، بحيث كان المواطن اليمني يقرأ أخبارا عن اشتباكات واستخدام للعنف من أجل فرض أحدهم مديرا لأحد مكاتب الوزارات في إحدى المحافظات.

بالإضافة إلى أمر آخر يشتبك مع ما سبق وهو قضايا الفساد التي كانت تكشف بالوثائق والأدلة في الصحافة، وكان هذا يحدث في سياق احترابات أهلية موضعية في شمال البلاد وجنوبها! وهذا السلوك غير المسؤول كانت له نتائج كارثية بعد ذلك على ثلاثة مستويات:

على الصعيد المجتمعي، أحس كثير من الناس، وخاصة أولئك الذين شاركوا في الثورة، بأن قوى اللقاء المشترك التي وضعوا فيها آمالهم في تحقيق شيء معقول من التعافي في شروط المعيشة وإنجاز تحول ديمقراطي يضمن لهم الحرية، قد "غدرت" بالثورة، بكل الشحنة العاطفية المتأججة والشعور بالغبن الذي تنتجه هذه القناعة.

على صعيد جهاز الدولة، كانت شراهة القوى السياسية المعارضة سابقا، والواصلة للحكم حديثا، في العبث بالبيروقراطية المتضخمة والفاسدة في الأساس، قد دفعت قطاعات مختلفة من البيروقراطية للتوجس من هذه القوى السياسية، والاستخفاف بها، فإلى جانب كون انقضاض الأحزاب على البيروقراطية المهترئة غير ناتج عن مشروع وطني يهدف إلى الإصلاح بل هو ببساطة شره سلطوي، فإن البيروقراطية العربية عموما بعد رسوخ الأنظمة القمعية كانت دوما ساحة للصفقات والترضيات ولكن في ظل حكم قوي وثابت، وحين تأتي قوى سياسية من دون مشروع وطني وتتخبط بسبب السباق على السيطرة بعد فترة ركود وتكريس لنظام بيروقراطي معين، لا يكون نصيب هذه القوى السياسية إلا الاستخفاف وعدم الثقة.

على صعيد الجيش، التابع اسميا للدولة، كان للسلوك المتردد وغير الحاسم للرئيس هادي واللقاء المشترك أثر مفصلي في ثقته بالقيادة الجديدة، خاصة وأن هناك قرارات كثيرة صدرت -تحت تأثير وهم السلطة- في المرحلة الانتقالية كانت أقرب للانتقام من قطاعات في الجيش منها إلى التحديث أو الإصلاح.

ثورة مضادة
إن تفاعل هذه النتائج بالمستويات الثلاثة، المشروحة آنفا، سهلت وعبّدت الطريق أمام انطلاق الحركة الحوثية في معاركها الموضعية شمال البلاد، وأعانت علي صالح على استرداد بعض قواعده الاجتماعية من جديد.

الخطأ الكبير الذي ارتكبه هادي وقوى اللقاء المشترك في المرحلة الانتقالية كان اللعب وفق مكرسات نظام علي صالح، وفي ظل وجود الأخير بالمعنيين الفيزيائي والسياسي: كشخص، وكتحالفات، وكمؤسسات تربط نظامه بالمجتمع مثل مؤسساته "الخيرية" وقناته الإعلامية وصحفه وتنظيمه السياسي.

من الطبيعي أن يكون التفوق الساحق من نصيبه، خاصة وأن خطاب اللقاء المشترك لقواعده وللمجتمع روج لفكرة مفادها أنه من "المستحيل" عودة علي صالح من جديد لقيادة البلاد، وكان هذا ترويجا لوهم كبير -يناقض كثيرا من التجارب التاريخية- خدر القوى الاجتماعية وأبعدها عن معركتها الحقيقية في السيطرة على الدولة ومؤسساتها وإنجاز دمقرطة فعلية لها.

الخطأ الكبير الذي ارتكبه هادي وقوى اللقاء المشترك في المرحلة الانتقالية كان اللعب وفق مكرسات نظام علي صالح، وفي ظل وجود الأخير بالمعنيين الفيزيائي والسياسي: كشخص، وكتحالفات، وكمؤسسات تربط نظامه بالمجتمع مثل مؤسساته "الخيرية" وقناته الإعلامية وصحفه وتنظيمه السياسي

في خضم هذا المسار الذي كانت كارثيته واضحة لكثيرين، كانت هناك احتجاجات تحاول إصلاحه وضبطه، ولكنها فشلت جميعا في تحقيق أي إنجاز يذكر، وهذا يقودنا إلى أحد أهم دروس الثورات العربية جميعها، والذي سنتناوله لاحقا.

بالإضافة إلى ذلك، هناك تساؤل مهم حول يوميات الثورة تطرحه الحرب الراهنة في اليمن: بعد قرابة عام من الحرب الخارجية والداخلية، لا تزال القوات التابعة لعلي صالح قادرة على إطلاق الصواريخ وشن الهجمات المضادة وحصار المدن رغم التضييق المالي والضربات الجوية والجبهات المتعددة، فلماذا لم يستخدم علي صالح قوته هذه في قمع الثورة في 2011؟
هناك بالطبع مركب من الأسباب لصمود قوات صالح والحركة الحوثية حتى الآن مثل عامل الجغرافيا وطبيعة الخزان البشري وظروف المقاومات في الداخل وتشتتها، ولكن ما يهمنا هنا هو عامل آخر لم يبحث بعد بالشكل الكافي وهو عامل "الفضاء العام" العربي.

في 2011، كان العالم مرتبكا في التعامل مع الثورات العربية، وكانت سلميتها تحرج كل القوى الدولية التي لم تجد مناصا من دعمها وإن بعبارات مراوغة، ولم يكن النظام السوري آنذاك قد بدأ بمشروع الإبادة الجماعية الذي يعمل وفقه الآن، ونموذج ليبيا والتدخل الدولي في مواجهة القذافي كان حاضرا.

ولهذا لم يجرؤ علي صالح، بالإضافة إلى توحد أطراف اجتماعية وسياسية مختلفة عليه آنذاك، على استخدام عنف جنوني وشرس، ولكن في بدايات عام 2015 وبعد هروب الرئيس هادي إلى عدن، قام سلاح الطيران اليمني -التابع عمليا لصالح- بقصف عدن! وأحد أهم أسباب هذه الجرأة هو تأثير النموذج الوحشي للنظام السوري وميوعة مواقف القوى الدولية إزاءه.

أثبت مسار الثورة اليمنية وانتكاسته المرحلية حاليا عجز القطاعات الشابة عن تنظيم ذاتها سياسيا باستقلال نسبي عن التشكيلات الحزبية التاريخية، وهذه إحدى خصوصيات المجتمع اليمني، فإذا كان هذا العجز الشامل للقطاعات الشابة في كل من تونس ومصر وسوريا وليبيا ناتجا عن اختلافات بينية وانعدام خبرة حزبية، فإنه في اليمن ناتج كذلك عن صعوبة المنافسة لأن المجتمع اليمني يعد واحدا من أكثر المجتمعات العربية تسيسا، وتوجد فيه أحزاب سياسية كبيرة بتوجهات اشتراكية وقومية وإسلامية، وكلها ذات تجارب تاريخية ثرية وقواعد اجتماعية موزونة، بالإضافة إلى الخبرة والدربة في العمل السياسي سواء في فترة الشمولية الواضحة بعد بناء دولتي الاستقلال أو فترة الديكور الديمقراطي بعد الوحدة عام 1990.

وهكذا كان المشهد في اليمن عشية ثورة فبراير وأثناءها ملخصا في وجود قطاعات ذات رؤى مختلفة وعصرية للواقع ولكن بغير الذهاب إلى تشكيل بنى حزبية جديدة تمكنها من الدخول في معترك السياسة اليومي، وقطاعات مسيسة ولها خبرة في العمل الحزبي من خلال النقابات واتحادات الطلبة وانتخابات مجلس النواب، ولكنها بلا وعي نقدي ذاتي، أي أنها مؤدلجة تماما كقياداتها.

وخلال الثورة والمرحلة الانتقالية اكتفت القطاعات غير المنتظمة في تشكيلات حزبية بممارسة التسيس في مستوياته العليا (الثورة) أو مستوياته الاعتراضية في الحيز العام مثل المظاهرات والاعتصامات، وتركت السياسة بمعناها العملي والمنتج للقوى السياسية المؤدلجة في الأساس والمسيطرة تماما على قواعدها الشابة.

ولهذا نلحظ مثلا أنه من بين الأحزاب الثلاثة الكبرى في اللقاء المشترك، لم يحدث أي انشقاق أو تثوير بنيوي في أحد منها أثناء الثورة أو المرحلة الانتقالية، وكان هذا هو الدرس الكبير من الثورات العربية في 2011: لا يمكن الركون إلى القوى السياسية لإنجاز تحولات ديمقراطية واجتماعية، فإما أن يتم إصلاحها بنيويا وإما إيجاد بديل مناظر لها لتحقيق غايات الثورة وأهدافها.

من جانب آخر، أعادت الثورة اليمنية كثيرا من المكرسات التحليلية إلى موضع النقد والتفكيك، مثل الربط بين انتشار الاعتصامات والاحتجاجات ومدى استخدام المجتمع لشبكة الإنترنت عامة ووسائل التواصل الاجتماعية خاصة، فبحسب إحصاءات إحدى المؤسسات الدولية، كان قرابة 12.35% من المجتمع اليمني فقط يستخدم الشبكة العنكبوتية عشية الثورة، وهذه نسبة منخفضة بالمقارنة مع الحالات العربية الأخرى مثل مصر وتونس.

اتضح أن هناك علاقة وطيدة في اليمن بين القبيلة والدولة، وأن قوة القبيلة في الحيز العام تنبع أساسا من إذن، مباشر أو غير مباشر، من الدولة أو جزء منها على الأقل، فمثلا لم ينضم مشايخ القبائل إلى ثورة فبراير إلا بعد ضمان انضمام قائد الفرقة الأولى مدرع آنذاك اللواء علي محسن، وتأييده للثورة

وهنا نعود إلى تمايزات المجتمع اليمني وسياق تشكله التاريخي، فالمعايشة ليوميات ثورتي مصر وتونس عبر التلفاز، ووجود قوى حزبية كبيرة وواسعة وذات امتدادات في منظمات المجتمع المدني والمؤسسات المدنية المختلفة، ساهما في انتشار الثورة وإعطائها زخمها، أما وسائل التواصل الاجتماعي في العالم الافتراضي فقد لعبت دورا مساعدا ومحدودا في الحالة اليمنية.

القبيلة والدولة
المكرس الثاني، الذي هزته الثورة ومسارها والحرب الحالية كذلك، هو دور القبيلة، فقد اتضح أن هناك علاقة وطيدة في اليمن بين القبيلة والدولة، وأن قوة القبيلة في الحيز العام تنبع أساسا من إذن، مباشر أو غير مباشر، من الدولة أو جزء منها على الأقل، فلم ينضم مشايخ القبائل إلى ثورة فبراير إلا بعد ضمان انضمام قائد الفرقة الأولى مدرع آنذاك اللواء علي محسن، وتأييده للثورة.

ولم تتوقف القبائل المحيطة بصنعاء عن قتال الحركة الحوثية ومقاومة تمددها طيلة المرحلة الانتقالية إلا بعد هزيمة العميد القشيبي في عمران وسقوط اللواء 310 بيد الحركة الحوثية، ومنذ ذلك الوقت لم تكتف المشيخات القبلية بعدم محاربة الحوثيين، بل تحالفت معهم بعد ذلك، لأنها فهمت أن عدم دعم القشيبي عسكريا من قبل الرئيس هادي وحكومته هو في الحقيقة تمظهر لسيطرة صالح على جهاز الدولة والقطاعات القوية في الجيش، والتحالف معه هو الموقف الصحيح والنافع، وهذا في الحقيقة تلخيص مهم لميكانزمات القبيلة في الحيز العام: لا تتحرك القبيلة إلا بإشارات من قوة "دولتية"، سواء كانت هذه الإشارة إذنا صريحا أو غيابا مشجعا.

هذه فكرة مفتاحية في نقاش المستقبل، وأي رؤية لإصلاح أو تثوير بنية الدولة والمجتمع عليها ألا تتحجج بالقبيلة كعقبة كأداء لا يمكن تجاوزها، فقد أوضحت تجربة الثورة وما تلاها أن تشابكات القبلية معقدة وكثيفة، وهي لهذا قابلة للاستثمار وبالإمكان إنجاز تسويات تاريخية معها في حال وجود جهاز دولة ومؤسسة عسكرية متماسكة.

إن المستقبل للثورة وآمال المجتمع في العيش الكريم والحرية والعدالة، ورغم أن المجتمع اليمني الآن يتجرع يوميات التقتيل والاحتراب، فإن دروس ثورة فبراير ومسارها ستكون محفورة في وعي كل المسيسين الذين يريدون بناء دولة مواطنين ديمقراطية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة