الأسباب غير الاقتصادية في الثورة السورية.. عن الخبز والحرية   
الجمعة 1435/4/29 هـ - الموافق 28/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:03 (مكة المكرمة)، 12:03 (غرينتش)

انصب التركيز أثناء الفترة الماضية من عمر الثورة على الحرية، ولا شك في أن الحرية ضرورة في ظل سلطة استبدادية شمولية حظرت السياسة عقودا واستحكمت الأجهزة الأمنية بكل شيء، وعملت على "تنميط" الشعب وفق منطقها من خلال الخطاب الموحد والزي الموحد والمؤسسات "الموحدة"، أي التي تخضع للأجهزة الأمنية، من النقابات إلى الاتحادات إلى المؤسسات، وأيضا منظمات الطلائع والشبيبة، وحتى "الجبهة الوطنية التقدمية".

إذن، كل هذا العبء على الشعب سوف يشعره بالكابوس الذي يجثم عليه، ويؤسس لحالة خوف وهلع من الميل إلى السياسة.

وكان الهدف من الاعتقال الطويل لكل من ينشط في حزب ليس تدمير الحزب فقط بل "تربية المجتمع"، حيث إن الخروج على السلطة يعني السجن الطويل أو حتى القتل.

وهذا ما كان يبعد الشعب عن السياسة، ويحصر السياسة في مجموعة قليلة من الناشطين، والذي أدى مع العنف المستمر الممارس ضد كل من يحمل رأيا أو ينضوي في حزب، إلى أن تحدث قطيعة بين الشباب والأحزاب التي بدا أنها تضم مجموعة من "كبار السن".

عبء السلطة الأمنية على الشعب كان يظهر من خلال الممارسات اليومية، حيث كانت الحاجة للموافقة الأمنية ترافق المواطن من الولادة إلى الممات، مرورا بالمدرسة والجامعة والعمل، وكل أشكال الحياة اليومية.
وعي الحرية هو الذي يدفع إلى الثورة من أجلها كما في بلدان أوروبا الشرقية، وهذا لم يتأسس في "الوعي الشعبي" بعد لأنه يكرس القمع وينفي الحرية
هذا هو العبء الحقيقي الذي كان يشعر به الشعب، والذي كان يؤسس الاحتقان ضد السلطة كسلطة، أي أن العبء أتى من طريق الحياة العادية وليس من طريق السياسة، من المعيش وليس من الوعي والفهم، من الممارسة الضدية وليس من وعي معنى السلطة، وفهم تكوينها.

والسلطة وهي تفعل ذلك دمرت السياسة في المجتمع أولا، لا يتعلق الأمر بالأحزاب التي دُمرّت فعلا، بل يتعلق بالثقافة السياسية كذلك، ودمرت الثقافة عموما ثانيا، حيث انهار التعليم وتسطحت كل المسائل التي تتعلق بالمعرفة العامة تحت شعار "تبعيث التعليم"، وبات خطاب الرئيس هو أساس دراسة الفلسفة والاجتماع والتاريخ والجغرافيا واللغة، وحتى الدين، وهو في كل الأحوال "خطاب سياسي" (بمعنى حدثي لا يتضمن أي عمق معرفي)، وبالتالي هيمن "الوعي التقليدي" البسيط على قطاع كبير من الشباب (وكان يتخذ في الفترة الأخيرة طابعا دينيا).
ولكن قادت أزمة فقدان المقدرة على التوظيف (حتى في الدولة كما كان يجري سابقا) وتضخم عدد طالبي العمل من خريجي الجامعات إلى ترك الأجيال الجديدة التعليم في مراحل مبكرة، وهو الأمر الذي زاد من نسبة الأمية كثيرا، وبالتالي أبقى "الوعي التقليدي" مسيطرا على قطاعات مهمة من هؤلاء.

لا بد من ملاحظة أن "الوعي التقليدي" هو وعي غير سياسي، وضد السياسة، نتيجة الموروث الطويل لـ"رهاب السلطة" الذي انبنى على الخوف من السلطة ذاتها، وهو ما أسس لوجود "مجتمع طبيعي" هم البشر الذين يعيشون حياتهم "الخاصة" التي تسمى "حياة اجتماعية"، ويؤسسون "وعيهم" وعلاقاتهم على أساسها.

وهنا ينشأ "الوعي الشعبي" والعلاقات "الشعبية" في إطار البيئات الاجتماعية، العائلة والمنطقة والقرية أو المدينة، وهو التكوين غير السياسي رغم أنه يتلقى ضغوط السلطة وتحرشاتها، وهو تكوين يفرض الهرب من السياسة كثقافة وكمتابعة بشكل عام، وبالتالي يصبح المجتمع في وضع من "يتقي شر السلطة" رغم أن ضغوطها تؤسس احتقانات متعددة.

هنا كان الاحتقان من تغوُّل السلطة يوقفه الخوف منها من جهة، ومن جهة أخرى كان يقود إلى غياب السياسة (بالمعنى الحزبي والمعرفي) في المجتمع (حتى حزب البعث كان قد هجر السياسة من زمن طويل، وأصبح حزب مصالح).

بالتالي قاد عبء السلطة الذي يراكم الاحتقان إلى التفكير بالتخلص منها، لكن دون وعي سياسي، ولهذا لا يقود إلى تفجّر الشعب في ثورة، بل يجري التكيف مع تغول السلطة ما دام "الوضع الطبيعي" محتملا، أي ما دامت مقدرة الشعب على تحمّل العيش قائمة، وهو الأمر الذي حكم الشعب لعقود، حيث كان الهروب من مواجهة السلطة هو الموقف الأساس، رغم الاستبداد الذي طال الأحزاب السياسية والضغط الأمني وتدخلات الشرطة في حياة الشعب.

طبعا في ظل هذا الوضع لم يكن معنى "الحرية" كمفهوم حاضرا، وذلك نتيجة غياب السياسة، والفكر السياسي الذي ما زال أبعد عن "الوعي الشعبي" نتيجة ما أشرنا إليه للتو، وهو الأمر الذي يجعل المسألة تتعلق بالحاجة إلى التخلص من العبء للتخلص من ضغط وتحرشات وخوف.

الحرية هنا هي التخلص من عبء إذن، وهذا غير كافٍ للقيام بثورة من أجل ذلك، وعي الحرية هو الذي يدفع إلى الثورة من أجلها كما شهدنا في بلدان أوروبا الشرقية وروسيا، وهذا لم يتأسس في "الوعي الشعبي" بعد، نتيجة أن الوعي التقليدي يكرس القمع وينفي الحرية، وأيضا نتيجة أن التعليم يكرس القمع كذلك على الضد من الحرية.

ولدى شخص يسكنه الخوف من السلطة تكون الحرية حالة خوف لأنها سياسة وضد السلطة، ولهذا يبقى متقوقعا في "مجتمعه الطبيعي" يتحاشى قدر المستطاع الصدام مع السلطة، وهو في ذلك يهرب من الحرية التي ستضعه في صدام معها، ويهرب من الثقافة السياسية التي سوف "تورطه" في الصدام مع السلطة، وبهذا لا يريد فهم معنى الحرية، رغم أن ضغوط السلطة توجد احتقانات ضدها -كما أشرنا- لا تصل إلى حد الثورة، رغم أنها تؤدي إلى احتكاكات موضعية في بعض الحالات.
مسألة الحرية ليست "خارج الموضوع"، بل هي جوهر الثورة، حيث إن الثورة هي تمرد من أجل الحرية، ولهذا فإن البديل الحقيقي هو البديل الذي يتضمن تحقيق الحرية بالضرورة

هذا الأمر يعني أن للثورة أساسا آخر كما أشرنا قبلا، أي حين يتعرض "المجتمع الطبيعي" لخطر الاندثار نتيجة العجز عن العيش بفعل غياب العمل أو الأجر الذي لا يعيل. هنا يكون أمر آخر، بالضبط لأنه يتعلق بالحياة ذاتها، وليس فقط بتحمّل ضغوط السلطة، وفي هذه الحالة يطلق الشعب كل مكنوناته ضد السلطة، ويفتح على كل تعدياتها.

حينها، يجري "نكش" كل ممارسات السلطة، وتصبح هي المستهدفة، فـ"الشعب يريد إسقاط النظام" الذي بات يعني هنا ليس تغيير النظام السياسي وتأسيس نظام قائم على الحرية فقط، بل وتغيير كلية النمط الاقتصادي الذي فرض الاختلال الذي بات يطيح بحياة الشعب، والذي يجعل الدولة الديمقراطية حلا غير كافٍ على الإطلاق بل يجب أن ترتبط بحل مجمل المشكلات الاقتصادية (البطالة والأجر والتعليم والصحة والبنية التحتية) التي بات تفكيكها يفترض بالضرورة تغيير النمط الاقتصادي، من هنا تأتي جذرية الثورات الراهنة.

لكن هذا لا يعني أن مسألة الحرية هي "خارج الموضوع"، بل هي في جوهر الثورة، حيث إن الثورة هي تمرد من أجل الحرية، ولهذا فإن البديل -الذي يجب أن يكون حقيقيا- هو البديل الذي يتضمن تحقيق الحرية بالضرورة، فالحرية ضرورة، والتحرر من البنى التقليدية ضرورة، والتحرر من الاستبداد العائلي والديني والمجتمعي والسلطوي هو ضرورة أيضا، وتحرير فعل البشر وتحقيق فاعليتهم يفترضان الحرية كضرورة.

غير أنه لكي نعي ما جرى من أجل أن نحدد ما يجب أن نفعل يجب أن نفهم الأساس الذي حرك الشعب لكي ينهض في لحظة بكل هذه القوة الخارقة، وبالتالي أن نعرف أن هدف الثورة ليس الحرية فقط، بل أولا وأساسا تغيير النمط الاقتصادي السائد لمصلحة اقتصاد منتج يسمح بحل مشكلات البطالة والفقر، وهذا ما كان يراد له أن يتهمش ويخفى من قبل المعارضة، وذلك بالضبط لأنها لا تختلف مع السلطة على "اللبرلة"، وإن اختلفت على من يهيمن من الرأسماليين.

وهذا الأمر هو الذي فتح المجال لأن يتحقق الانحراف من مطلب الحرية إلى الأسلمة، وإلى تمسك قطاعات من الأقليات الدينية بالسلطة، لهذا لا بد -والثورة تكمل عامها الثالث- من إعادة صياغة الرؤية لكي تطرح مطالب الشعب وتتجاوز أوهام النخب.

وهذا الأمر يفرض أن يكون تغيير النمط الاقتصادي مرتبطا بالضرورة بتأسيس دولة الحرية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة