هل اكتملت عوامل الثورة عربيا؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

* بقلم/ عبد الله العمادي

حين ترد كلمة ثورة في أي جملة مكتوبة أو مقروءة ، فإن أول ما قد يتبادر إلى الذهن هو الفوضى وإراقة الدماء والقتل والهيجان والعنف، إلى آخر قائمة مصطلحات العنف وأضداد النظام والهدوء والسلام. فهل كل ثورة تعني الدماء والقتل والفوضى، وهل كل فوضى وهيجان هي ثورة؟

مصطلح الثورة في مفهومنا الإسلامي هو كل عملية تغيير جذرية شاملة، لها مراحل متعددة، ولكل مرحلة ظروف معينة، تتحدد وفقها القواعد المناسبة للتحرك والآليات المعينة للتنفيذ. وتهدف كل تلك المراحل من الثورة إلى إيجاد صيغة حياتية معينة، هدفها الظاهري والباطني أو كما يُفترض نظرياً أن يكون، هو تحقق المصلحة كما يراها الثوار.

ولقد جاء ذكر كلمة الثورة في مواضع متعددة سواء في القرآن أو السنة أو كتب الفكر والتراث. ففي لسان العرب يأتي ذكر الحديث النبوي الشريف "أثيروا القرآن، فإن فيه خير الأولين والآخرين" وهو ما يشير إلى معنى التغيير، وفي القرآن تأتي الثورة في آية "كانوا أشد قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها" بمعنى التغيير أيضاً، وفي آية أخرى بمعنى الهيجان "والمغيرات صبحا، فأثرن به نقعا، فوسطن به جمعا" أي أثارت الخيل المغيرة الغبار.

وفي التاريخ الإسلامي تم استخدام كلمة نهضة للدلالة على الثورة أيضا، وحين يقال بأن مشروع نهضة الأمة يسير على قدم وساق، فإنه يُراد بذلك أن مشروع إثارة الأمة ودفعها للهيجان والثورة على واقعها وحالها بشكل منظم مدروس يسير على قدم وساق، وهكذا.

وظهور الإسلام على يد النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، والإعلان عنه وعن مبادئه ومقاصده، هو في حد ذاته ثورة كبرى. فالإسلام الذي جاء به النبي الكريم، هو ثورة على واقع فاسد حينذاك، أراد بهذه الرسالة السماوية تغيير واقع الناس في مكة ابتداء، ومن ثم الانطلاق إلى بقاع أبعد فأبعد، لتشمل ثورة الإسلام كافة الأرض.

بعد هذه المقدمة المقتضبة، يمكن استيعاب معنى الثورة، على أنه "الرفض"، بغض النظر عن مقصد ذاك الرفض. لكن ما نود الخوض فيه والحديث حوله هو الرفض الإيجابي المقبول لا السلبي المرفوض. أي أن الحديث سيدور حول الثورة المنظمة ذات الرؤية الاستراتيجية المؤدية في نهايتها وعبر مراحلها المختلفة إلى نتيجة إيجابية تتمثل في تحقيق الخير والصلاح للجميع ولأطول فترة زمنية ممكنة.

نحن المسلمين حين نتحدث عن الثورة وعن الرغبة في التغيير والإصلاح، فلأن هناك الشرعية المساندة والمؤيدة لذاك العمل، وأقصد هنا الشرعية الدينية والتاريخية. فالقرآن لا يرضى الظلم ويدعو إلى مقاومته بكل الطرق والوسائل. وخوض معركة بدر التاريخية على سبيل المثال، إنما كانت أمرا إلهيا لتغيير ظلم وقع على الفئة الخيّرة من فئة ظالمة. وهكذا فلا غرابة أن تقع الثورة تلو الأخرى على امتداد التاريخ الإسلامي منذ ظهور الإسلام إلى يومنا هذا، بل ربما إلى غد لا نعرف كنهه حتى الآن.

فمن ثورة ضد حاكم فرد إلى أخرى ضد مجموعة من القابضين على زمام الأمر، إلى ثالثة على قبيلة أو فئة، إلى ثورة رابعة وخامسة وألف.

كل ثورة كانت لها أهدافها الرئيسية الواضحة، التي كانت تدور أغلبها في فلك الرغبة في التغيير نحو الأفضل، تغيير واقع قائم، إلى آخر يجب أن يقوم. فظهرت ثورات ضد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان ومن بعده علي بن أبي طالب وبعدهما بني أمية وبني العباس، وظهرت ثورات الخوارج والشيعة والمعتزلة والزنج، وصولا إلى التاريخ الحديث والثورات ضد المستعمرين، وانتهاء بالثورات ضد الحكومات وغيرها. والسؤال هنا يطرح نفسه: لماذا يثور الناس؟

يقول الدكتور عبد الله النفيسي عن كتاب يحمل عنوان (لماذا يثور الناس؟ Why men rebel) لمؤلفه تيد روبرت غور، أستاذ العلوم السياسية في جامعة برنستون، "هل العنف السياسي عبارة عن نزعة ذاتية مركوزة في صدور الرجال، أم سلوك يكتسبونه من المحيط وضغط ظروفه؟ الكتاب يخلص إلى أن هناك قناعة علمية بأن لدى الناس عموماً قابليات للعنف السياسي دون أن يكون لديهم ميل ذاتي لذلك السلوك، كل ذلك يعتمد على المنشطات لتلك القابليات، وقد تكون الظروف السياسية التي يمر بها نفر من الناس من ضمن تلك المنشطات لتلك القابليات".

ويواصل النفيسي استعراض فصول الكتاب قائلا "إن ظاهرة العنف السياسي من الظواهر الطبيعية والمتوقعة في عصرنا الحاضر والآخذة في التصاعد مع فشل الأنظمة الاجتماعية المعاصرة في تلبية حاجات المجتمعات السياسية والأدبية والمادية".

ويقول غور في كتابه إن من المنشطات الخطيرة لقابليات العنف السياسي المركوزة في نفوس الرجال والكامنة فيها، هو الحرمان الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. والحرمان المقصود هو الذي ينشأ عندما يجد الناس أنفسهم بعيدين عن تحقيق مطامحهم المشروعة والممكنة بفعل المعوقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وتخف النزعة للعنف كلما أشبعت تلك المطامح وتزداد النزعة والاستعداد للعنف كلما كُبتت، وأخطر حالة قد تنجم عنها ردود أفعال خطيرة هو عندما تُكبت المطامح الشخصية المشروعة لدى المواطن في العمل الشريف والكسب الشريف والدور الاجتماعي الشريف".

ثمة أمر آخر يمكن اعتباره دافعاً ومحرضاً على الثورة والعنف غير تلك المتعلقة بقتل الطموحات الشخصية في الفرد، هو استعراض السلطة الحاكمة لعضلاتها بين حين وآخر، أيا كانت هذه السلطة. فالجماهير غالبا لا تحب تلك الاستعراضات، وإن كانت تخفي عدم الرضا ولا تظهره لظروف معينة تقتضي التستر وراء الشعارات، وتأجيل البوح بمكنونات الصدور إلى حين.

والجماهير في الثورات، هي العامل الأهم والحاسم بل هي القوة والطوفان، الذي إن بدأ وتحرك لا يمكن أن يصده صاد ويمنعه مانع. هذه الجماهير هي التي غالبا ما تقرر مستقبلها وتنقلب على حكوماتها إن رأت منها الظلم والتعسف، وإن كان الأمر ليس بالسهولة التي نتحدث عنها. ومن هنا تحسب السلطات الحاكمة في كثير من دول المؤسسات على وجه التحديد، حساب الرأي العام أو الجماهير أو الشارع، فتحاول إرضاء الشارع والجماهير قدر المستطاع، سواء بالوعود الدبلوماسية الراقية، أو بتنفيذ بعض مطالب الشارع فعليا وتتجنب في الوقت ذاته الخوض في مسائل من شأنها إثارة الرأي العام ضدها والتي قد تؤدي إلى سقوطها. هذا ما يحدث في العالم المتقدم.

على أن ما يحدث في العالم الثالث -خصوصا الدول التي لا تعرف للعمل المؤسسي أي معنى أو لا تعترف بالمؤسسات أصلا، وإن اعترفت بها شكليا- أمر مختلف تماما، حيث نجد السلطات على قناعة تامة ببأس الجماهير وقوتها، ولكن بدلا من تجنب الخوض في معارك معها ومحاولة كسب ودها، تجدها وقد دخلت في تنافس مع شعوبها في القوة واستعراض العضلات.

انظر إلى نماذج من هذه الدول هنا وهناك ولاحظ بعض مظاهر استعراض القوة المتمثلة في الإكثار من الاستعراضات العسكرية سواء للجيش أو الشرطة أو لقوى الأخرى، فضلا عن كثرة الدعايات السياسية التي تقوم بها وسائل الإعلام لتمجد الحكومة وتضع هالة من القدسية حولها.

وبالطبع في ظل تلك الاستعراضات العسكرية والسياسية والإعلامية يخفت صوت الشارع حتى يختفي تماما. لكن الغضب يظل يختزن في الصدور بانتظار الوقت المناسب للانطلاق.

ولعل من الأمثلة البارزة التي تمثل دليلا واضحا على موضوع الثورة، والتي ما زالت بالأذهان لم تمحها الأيام، اضطرار الرئيس الإندونيسي سوهارتو للتنحي قبل ثلاثة أعوام تقريبا، والذي لم يدرك معنى الدولة والمؤسسات، ولم يحسب خطواته بشكل صحيح ولم يتعلم من التجارب السابقة، ولم يعلم حجم الغضب الكامن في صدور الجماهير، حتى وإن بدت هادئة وديعة كما هو معروف عن الإندونيسيين

فبدلاً من أن يعي كل تلك العوامل أصر على مواصلة تجاهله لما يعتمل في صدور الجماهير فكانت النتيجة سقوطه، بعد ثورة هادرة لم تهدأ إلا بابتعاده، بعد حكم حديدي جاوز ثلاثة عقود من الزمن.

لا نريد الدخول في تفاصيل الأمثلة التاريخية العديدة التي يحفل بها التاريخ العربي والإسلامي والعالمي كالثورة الفرنسية والبلشفية والإيرانية والإندونيسية والدالة على قوة بأس الجماهير حين تثور وحين تتكامل كافة عوامل ودوافع الثورة.

وهو ما تشهده المنطقة العربية حيث توفرت عوامل عديدة وما زالت تتدافع لتتكامل معلنة بدء وانطلاق ثورة عارمة في المنطقة العربية، دون تحديد موقع جغرافي معين، وذلك بعد استقراء حوادث عديدة مرت على المنطقة واستشراف لمستقبلها في ظل الأوضاع الحالية.

عوامل الثورة العربية
أبرز العوامل التي ما زالت تتعمق وتتجذر في المنطقة، والتي هي عوامل محبطة من جانب، وباعثة على النهوض أو الثورة من جانب آخر، سقوط كثير من البلاد العربية في أحضان البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي والغرق في الديون، وبالتالي اكتساب تلك المؤسسات حق التدخل الاقتصادي وإغراق البلاد العربية برؤوس الأموال والمصارف والشركات، وإدارة دولاب العمل الاقتصادي كما يريدون.

أضف إلى ذلك تغيير قواعد الحكم والقضاء والتعليم وصبغ النظم السياسية والتشريعية بصبغة الآخر، مع إنشاء المدارس والمعاهد العلمية والثقافية الغربية في عقر ديار الإسلام للتشكيك والتغريب.

وخاتمة الموضوع هي أن إمكانية اندلاع ثورة هنا أو هناك على امتداد العالم العربي من مغربه إلى مشرقه، أمر لا يُستغرب، بل إن كمية الإحباط في النفوس كبيرة، وعوامل الإبقاء على حالة الإحباط واليأس تلك كثيرة، لا سيما وقد دخل الغريب والمستعمر إلى الديار، وأعاد إلى الأذهان فترة تاريخية، فُهمت لحين من الدهر على أنها انقضت وراحت، هي فترة الاستعمار الغربي للمنطقة العربية. حيث أضاف هذا الغريب بدخوله إلى المنطقة رغم أنف الجميع، عاملا مهما من عوامل اندلاع ثورة ما بصورة أو بأخرى.

وما يحدث في العراق ربما يكون الشرارة التي سينطلق منها معظم النار في المنطقة، وخاصة أن التاريخ شاهد على عدم استقرار هذه البقعة بالذات من المنطقة العربية، والتي منها انطلقت ثورات وثورات، تأثر بها المحيطون بها ومن حولهم. فهل يعيد التاريخ بعض أحداثه في هذا القرن انطلاقاً من العراق ؟ لم لا.

ـــــــــــــــــ
* كاتب قطري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة