ثمانية أشهر من حكم العسكر في موريتانيا   
الثلاثاء 1427/3/13 هـ - الموافق 11/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:20 (مكة المكرمة)، 12:20 (غرينتش)


أحمد بن الوديعة

- وعود وإنجازات
- إنجازات فيها دخن
- إخفاقات.. وظلم كبير
- هل إلى تدارك من سبيل؟

مرت بداية أبريل/نيسان الحالي الذكرى الشهرية الثامنة لوصول المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية لمقاليد الأمور في موريتانيا، وبذلك تكون ساعة بداية العد التنازلي للمرحلة الانتقالية قد أزفت.

ثمانية أشهر من صدور البيان "رقم واحد" الذي وعد بالعدالة والديمقراطية للجميع، وفتح صفحة جديدة تنهي حقبة الظلم والقهر التي عاشتها موريتانيا في عشرينية ولد الطايع المعتمة.

ثمانية أشهر تعاطى فيها العسكر وحكومتهم الانتقالية مع إرث ولد الطايع الثقيل، فحالفهم الحظ أحيانا وجانبهم التوفيق أحيانا أخرى.

وإذا كان البعض اختار غض الطرف في البداية عن النواقص والثغرات مفضلا تحكيم سياسة "إتاحة الفرصة" فقد بات واضحا أن الساحة السياسية والشعبية الموريتانية باتت تشهد تململا متزايدا من بطء وتيرة الإصلاح والتغيير في بعض المجالات وانعدامها في مجالات أخرى.

"
اختار البعض  غض الطرف عن النواقص مفضلا سياسة "إتاحة الفرصة" لكن الساحة السياسية والشعبية الموريتانية باتت تشهد تململا متزايدا من بطء وتيرة الإصلاح والتغيير
"
وعود وإنجازات

كما هي العادة في كل انقلاب وعد انقلابيو الثالث من أغسطس/آب في بيانهم "رقم واحد" بتحقيق الكثير من الإنجازات التي أحسنوا تلخيصها في شعار العدالة والديمقراطية.

ولأن البلد كان يعيش حالة من الاحتقان الشديد، بل كان قاب قوسين أو أدنى من الانهيار أو الاقتتال، فقد أجمعت كل القوى السياسية في الداخل والخارج على الترحيب بحركة الثالث أغسطس/آب، وإن اختلفت درجات ذلك الترحيب.

ثمن الجميع الخطوة، وأكدوا على ضرورة الوفاء بالتعهدات المقطوعة التي لامست شغاف قلوب شعب عاش عشرين سنة تحت نير دكتاتورية حمقاء سامت مختلف شرائحه سوء العذاب.

تلك كانت هي الوعود، أما المنجز منها فكان أمورا مهمة من أبرزها:

- الإطاحة بولد الطايع ووضع حد لحكمه الذي بلغ درجة من الطغيان تحولت معها حياة كل الموريتانيين في الداخل والخارج إلى جحيم حقيقي. ويكاد الموريتانيون يجمعون على أن الإطاحة بولد الطايع هي أهم إنجاز حققه المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية.

- الانفتاح الإعلامي الذي أتاح للموريتانيين لأول مرة أن يسمعوا وجهات نظر مختلفة عبر الإذاعة والتلفزة التي ظلت في العهد البائد مكرسة "لاستقبل وودع وغادر ودشن" كما أن الانفتاح الإعلامي ألغى بصفة عملية الرقابة القبلية على الصحف وسمح لها بتناول مختلف المواضيع بحرية كبيرة، وهو ما تجسد في الطفرة التي تشهدها الصحف اليومية التي تزيد على العشرة ولم تصادر أي منها منذ الثالث أغسطس/آب رغم أنها أحيانا تتناول مواضيع كانت تعد من المحرمات.

- إصدار قوانين تمنع الحكومة الانتقالية والمجلس العسكري للعدالة والديمقراطية من الترشح للانتخابات المقبلة والتزام الرئيس بصفة علنية بمعاقبة أي مسؤول إداري يثبت انحيازه لطرف سياسي على حساب آخر، وكذلك القيام بتحويلات إدارية حاولت بشكل كبير أن تختار الأمثل من الولاة والحكام.

- تنظيم أيام وطنية للتشاور دعيت لها مختلف القوى الوطنية ونوقشت فيها مختلف القضايا، وصدرت عنها قرارات وتوصيات مهمة عرف بعضها طريقه للتطبيق في حين لا يزال البعض ينتظر.

- تحسين العلاقات الخارجية مع دول الجوار الإفريقي والعربي بشكل متميز، وهو نجاح دبلوماسي كبير أعاد موريتانيا لعمقها العربي الإفريقي الذي كان النظام البائد أخرجها منه بفعل سياساته الخارجية الرعناء.

"
من الإنجازات أمور تحققت لا تخلو من إيجابية ولكنها صوحبت بمنغصات جعلت منها إنجازات فيها دخن
"
إنجازات فيها دخن

في المستوى الثاني من الإنجازات هناك أمور تحققت لا تخلو من إيجابية ولكنها صوحبت بمنغصات جعلت منها إنجازات فيها دخن ومن أبرز أمثلتها:

- تشكيل لجنة مستقلة للانتخابات عهدت إليها مهمة التحضير لمجمل الاستحقاقات القادمة، ووفرت لها الوسائل المادية والقانونية لتحقيق ذلك.

وإذا كانت تشكيلة اللجنة المركزية محل تشاور وتراض بين مختلف الأطراف فإن اللجان الفرعية تم تشكيلها بطريقة بعيدة من الشفافية والنزاهة، وهو ما ظهر جليا في قصور عمل اللجان الفرعية في مواجهة الخروقات الكبيرة التي تطبع الإحصاء الإداري ذا الطابع الانتخابي الجاري حاليا.

- زيادة الأجور التي مثلت أول زيادة جدية لأجور الموظفين الموريتانيين منذ أكثر من ثلاثين سنة، ورغم أن الزيادة لاقت ارتياحا واسعا في صفوف الموظفين فقد شابها أمران، أولهما عدم التشاور مع الشركاء الاجتماعيين بشكل يضمن أن تكون الزيادة على أسس علمية لا بطريقة جزافية كما جرت العادة.

وثانيهما الزيادات المتكررة في أسعار الوقود ورفع التعريفة الجمركية على البضائع بشكل متزامن مع الزيادة، وهو ما جعل تلك الزيادة تكاد تكون منعدمة الأثر على الحياة اليومية للمواطنين.

- تنحية بعض رموز الفساد الذين كانوا يتربعون على عدد من المؤسسات الاقتصادية والأمنية، بيد أن العدد الأكبر من رموز الفساد ما زال في مكانه يتولى تسيير مؤسسات وطنية كبيرة تتبعها ميزانية جرارة، وهو ما أوجد حالة من الإحباط في الرأي العام، جعلت الكثيرين يصلون إلى قناعة بأن أي شيء لن يتغير ما دام هؤلاء المفسدون في أماكنهم يتولون تسيير مؤسسات كبيرة.

وقد زادت التحويلات التي شهدتها الدبلوماسية الموريتانية أخيرا من تعميق هذا الشعور، خاصة أنها كانت أشبه ما تكون بالمهزلة الحقيقية، إذ تم تعيين خليط من المفتشين والسماسرة والعاطلين عن العمل، وأصحاب السير الذاتية المزورة، سفراء لموريتانيا في بلدان مهمة.

- قطع خطوات مهمة على طريق إصلاح القضاء من خلال تعيين عدد من القضاة المشهود لهم بالنزاهة في مواقع مهمة وإبعاد أغلب المتورطين في قضايا الفساد من الواجهة، وزيادة رواتب القضاة بشكل معتبر، وإن كان دون ما يطمح له القضاة.

بيد أن عددا من الأمور نغصت الصورة الوردية التي كان يرجى أن يكون عليها حال العدالةن كالتدخل السافر للسلطة التنفيذية في أمور القضاء، كما تجسد في ملف المعتقلين الإسلاميين الذين استمر حجزهم رغم منحهم حرية مؤقتة من قاضي التحقيق أكدتها محكمة الاستئناف.

ومن ذلك محاولة منع القضاة من حقهم الدستوري في التجمع، وقد مثلت إعلانات المدعي العام وأسئلة المفتش العام للقضاء، استنساخا فجا لأساليب النظام البائد في التعاطي مع مخالفيه السياسيين.

- الاعتراف بوجود العبودية في موريتانيا، والشروع في التفكير في وضع لآليات جديدة للقضاء على الظاهرة الخطيرة التي تعيق التنمية وتمثل تهديدا جديا للوحدة الوطنية، بيد أن هذا الاعتراف المتأخر لم يصحب حتى الآن بإجراءات عملية تخفف من معاناة ضحايا الاستعباد، وتمهد أمامهم الطريقة ليعيشوا حياة كريمة في موريتانيا بشكل متساو مع بقية الشرائح.

- اعتماد الشفافية في معالجة عدد من الملفات المهمة وخاصة ملف النفط الذي ارتاح الكثير من الموريتانيين للطريقة التي أدير بها والنتيجة التي انتهت إليها المفاوضات مع وودسايد، بيد أن تنصيب لجنة للشفافية تضم عددا من الشخصيات غير المشهورة بالنزاهة جعل البعض يصف تلك اللجنة بتغبير "حاميها حراميها" كما يقول المصريون.

"
هناك العديد من الملفات المهمة أخفق حكم "العدالة والديمقراطية" في معالجتها، بل وأحيانا أصر على اتخاذ مواقف منها لا تختلف كثيرا عن تلك التي ظل سلفه يتخذها ممارسا بذلك ظلما فادحا
"
إخفاقات.. وظلم كبير

كما سبقت الإشارة فإن هناك العديد من الملفات المهمة التي أخفق حكم "العدالة والديمقراطية" في معالجتها، بل وأحيانا أصر على اتخاذ مواقف منها لا تختلف كثيرا عن تلك التي ظل سلفه يتخذها، ممارسا بذلك ظلما فادحا على شرائح مهمة من المجتمع الموريتاني، ومن أبرز تلك الإخفاقات والمظالم:

- مسألة المبعدين الموريتانيين في السنغال ومالي والذين لم يجدوا لهم في ظل "العدالة والديمقراطية" فرصة لرفع الظلم الكبير الواقع عليهم منذ سبعة عشر عاما.

وهكذا اختار العسكر وحكومتهم الانتقالية الاستمرار في نهج ولد الطايع القائم على أساس أنه "إن كان هناك مبعدون موريتانيون فالحدود مفتوحة" وهو موقف يمثل إساءة كبيرة لجموع غفيرة من مواطني موريتانيا شردوا ظلما بإرادة سياسية من الدولة الموريتانية، سحبت منهم هوياتهم وانتزعت منهم ممتلكاتهم.

لقد فوت هذا الموقف فرصة تاريخية لحلحلة المسألة الوطنية، وترميم النسيج الاجتماعي الذي يعانى كلوما غائرة بفعل الأحداث الأليمة التي شهدتها البلاد نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات.

- منع التيار الإسلامي من الحصول على حزب سياسي، وذلك رغم كل المرونة والاعتدال التي ميزت هذا التيار منذ نشأته؛ وهي مرونة وصلت ذروتها باختياره اسم الإصلاحيين الوسطيين سدا لذرائع من يتهمونه باحتكار الصفة الإسلامية عن غيره من القوى السياسية.

بيد أن حكم "العدالة والديمقراطية" رفض أن يفتح عينيه على حقيقة هذا التيار الوسطي المعتدل، فيسمح له بحزب سياسي ضمن عشرات الأحزاب القائمة في موريتانيا التي تمثل توجهات قومية ويسارية بل وأحيانا عرقية وجهوية وقبلية وأسرية.

- الإصرار الفج على استمرار العلاقة الشائنة مع الكيان الصهيوني، والتبجح بذلك على أساس أن تلك العلاقة قائمة مهما تطورت الأمور ووصلت حد الحرب والخراب والدمار، كما كانت تقول الوكالة الموريتانية للأنباء في افتتاحية مشهورة عشية زيارة الداه ولد عبدي للكيان الصهيوني أيام مجزرة جنين.

- استمرار اعتقال عدد من الشخصيات الإسلامية دون تقديمهم للمحاكمة، وحجز ملفهم بطريقة ملتوية، والتعذر بحجج غير مقنعة من قبيل انتساب المعتقلين –أو بعضهم على الأقل- للفكر السلفي الجهادي، وهو ما لا يبرر بحال استمرار اعتقال هؤلاء، إذ هم في النهاية مواطنون موريتانيون يجب أن يطلق سراحهم أو يحاكموا محاكمة عادلة.

"
التدارك لا يزال ممكنا متى توفرت إرادة سياسة راغبة في إحداث قطيعة مع سياسة النعامة قادرة على تجاوز "الحواجز الوهمية" التي ينصبها أباطرة الفساد المرتعدة فرائصهم من أي إصلاح جدي
"
هل إلى تدارك من سبيل
؟
بنظرة موضوعية يستطيع أي مراقب أن يلحظ أن نسبة المنجز من الموعود به ما تزال متواضعة، رغم أن أمورا مهمة تحققت، وهو ما يطرح السؤال: هل إلى تدارك من سبيل، وهل سيكون النصف الثاني من "حكم العدالة والديمقراطية" أحسن حالا من النصف الأول؟

رغم أن التفاؤل مشروع بل ومطلوب فإن أغلب القرائن المتوفرة لا تبشر بأن أيا من المظالم الكبيرة سترفع، خاصة مع استمرار العديد من مجموعات الضغط المنتمية للعهد البائد في عملها توسوس في روع الحكام الجدد وتحذرهم من مخاطر الحرية.

لن يتغير شيء إذا صدق الحكام الجدد ما تقوله هذه المجموعات من أن إعادة المبعدين ستغير الخريطة الديمغرافية للبلد، وأن ترخيص حزب سياسي للإسلاميين سيفضي لإقامة نظام طالبان على الأراضي الموريتانية، وأن العلاقات مع الكيان الصهيوني حتمية تاريخية ومصلحة إستراتيجية، وأن ارتفاع الأسعار مؤشر على النمو الاقتصادي وحالة أكثر من طبيعية، وأن من يسميهم البعض مفسدين هم في الحقيقة خيرة نخبة موريتانيا التي لا يمكن قيام الدولة دونها.

بكلمة واحدة لقد تحققت إنجازات مهمة ووقعت أخطاء كبيرة، وهناك إنجازات شابتها بعض الشوائب، وفى كل الأحوال فالتدارك ما يزال ممكنا متى ما توفرت إرادة سياسة راغبة في إحداث قطيعة مع سياسة النعامة، قادرة على تجاوز "الحواجز الوهمية" التي ينصبها أباطرة الفساد المرتعدة فرائصهم من أي إصلاح جدي.

والتدارك ممكن إذا ما توفرت إرادة جادة في تحقيق العدالة الفعلية والديمقراطية الحقة، لشعب يحتاجها ويستحقها ودفع من أجلها الكثير.. وما يزال في جعبته أكثر.
__________________
كاتب موريتاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة