خيبة أمل الديمقراطية في العراق   
الخميس 1426/3/12 هـ - الموافق 21/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 19:23 (مكة المكرمة)، 16:23 (غرينتش)


سكوت ريتر

 

لم تكد الانتخابات العراقية تنتهي حتى طالعنا بعض أقطاب إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش وأعضاء من حكومة إياد علاوي المؤقتة بعبارات الثناء المبتذلة من قبيل "انتصار الديمقراطية على قوى الإرهاب".

 

لكن في الوقت الذي يجب فيه أن نحيي المواطنين العراقيين الذين صوتوا في هذه الانتخابات على شجاعتهم وتصميمهم على التعبير عن قناعاتهم، فإنه لا يجوز لنا أن نصف هذه الانتخابات بأكثر مما تسمح به الوقائع الفعلية.

 

فلم تكن تلك الانتخابات كما وصفها كثيرون بمن فيهم بوش انتصارا للديمقراطية، بل تكريسا وتعميقا للانقسامات الموجودة أصلا في النسيج العراقي العرقي والديني والاجتماعي المعقد.

 

"
لم تكن تلك الانتخابات كما وصفها كثيرون بمن فيهم بوش نفسه انتصارا للديمقراطية، بل تكريسا وتعميقا للانقسامات الموجودة في النسيج العرقي والديني والاجتماعي العراقي المعقد
"
فالعراقيون الذين صوتوا لم يصوتوا من أجل العراق الموحد بل من أجل إحدى الحركات السياسية التي تمثل مصالحهم الذاتية أكثر من غيرها وتضمن لهم تحقيقها, فلم يظهر في هذا المسلسل طرف واحد "موحد" بل "مقسمون كثر".

 

وقد كانت أغلبية الذين صوتوا إما من الشيعة أو الأكراد, حيث كان هدف الشيعة إثبات هيمنتهم بينما أراد الأكراد أن يحققوا حكمهم الذاتي إن لم نقل استقلالهم, ونسي الأميركيون في هذه المعمعة أن ما يرتاحون لوصفه "بالوحدة الديمقراطية" لا يعكس في الحقيقة سوى أن الشيعة صوتوا لأنهم يرون في ذلك "واجبهم الديني" بينما كان الأكراد يصوتون في استفتاء غير رسمي حول استقلال إقليم كردستان.

 

والحقيقة أن الحكم الديني الذي يريده الشيعة والاستقلال الذي ينادي به الأكراد دعوتان للتفرقة تتناقضان كليا مع الدعوات المتكررة "لعراق موحد", علما بأنه لا الشيعة ولا الأكراد يعتبرون في حقيقتهم كيانات متجانسة.

 

ففي الوقت الذي صوت فيه بعض الشيعة لصالح هيمنة طائفتهم التي ينادي بها مرجعيتهم آية الله علي السيستاني, صوت آخرون للرؤية الأكثر راديكالية التي يمثلها مقتدى الصدر، بينما صوت فريق ثالث للمرجعيات الشيعية في مدينة قم بإيران أو العلماء الشيعة في النجف وكربلاء.

 

أما الأكراد فهم منقسمون بين الحزب الوطني الكردستاني الموالي تقليديا لإيران وبين المناصرين للحزب الديمقراطي الكردستاني.

 

والانقسامات ليست بجديدة على هاتين الشريحتين, بل إنها كانت موجودة قبل الانتخابات، وليس من المستبعد أن تطفو على السطح من جديد بعد الانتخابات إذا لم تتحقق تطلعات إحدى مجموعات الناخبين, إذ لا تزال المجموعات الكردية وكذلك المجموعات الشيعية تحتفظ بقواتها التي أخفتها عن الأنظار قبيل الانتخابات، وقد تلجأ لها إذا فشلت في تحقيق أهدافها من خلال الحكومة العراقية.

 

ولم تكن في العراق طائفة تؤمن فعلا بعراق علماني موحد غير الطائفة السنية، فالسنة (العرب) استطاعوا تحت حكم صدام حسين أن يحافظوا من خلال الرعب والترهيب والحوافز المالية على رؤية تضمن توحد العراق بكل ما يضم من أقليات وأطياف.

 

"
لم تكن في العراق طائفة تؤمن فعلا بعراق علماني موحد غير الطائفة السنية، والسنة استطاعوا تحت حكم صدام حسين أن يحافظوا من خلال الرعب والترهيب والحوافز المالية على رؤية تضمن توحد العراق بكل ما يضم من أقليات وأطياف
"
ولم تتم تلك العملية بطريقة مثالية كما تشهد بذلك الفظائع التي ارتكبها صدام بحق الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب, لكن مع ذلك كانت هناك رؤية شاملة لعراق موحد.

 

وجاءت الانتخابات الأخيرة لتكرس تهميش الطائفة السنية الذي كان قائما أصلا منذ فترة وتحمل الأكراد والشيعة إلى سدة الحكم.

 

ومن المعروف أن مثل هذا التهميش خطير جدا خاصة إذا ما عرفنا أن التمرد في العراق مرتكز على هذه الطائفة, ولا يمكن لمثل هذه الانتخابات أن تطمس حقيقة التنامي المذهل لهذا التمرد خلال السنة الأخيرة.

 

وقد اتفق السنة ببعثيهم المؤيد لصدام وعنصر قبيلتهم المؤتمر بأوامر شيخ قبيلته وناشطهم الإسلامي المنفذ لفتاوى عالمه على رفض الاحتلال الأميركي وما نتج عنه من مسلسل يفوض السلطات للأكراد والشيعة على حسابهم.

 

ولم تؤد هذه الانتخابات إلا إلى تعميق هذا الإحساس بالتهميش، ما أدى إلى مزيد من تفاقم الوضع في المناطق السنية وسكب الوقود على نار التمرد.

 

والحقيقة التي لا يمكن لأي انتخابات مهما اتخذ لها من الحيطة والحذر أن تفضي إليها هي أن التمرد لن يُسحق مهما حاولت الإدارة الأميركية ووسائل الإعلام الموالية لها أن تسوغ لنقل السلطة عن طريق "الحرية" و"الديمقراطية".

 

ومنذ انتهاء تلك الانتخابات وتحليلات الخبراء الذين ألحقوا الخزي بأنفسهم بسبب تبنيهم الرخيص للمبرر الأصلي لغزو العراق (أسطورة أسلحة الدمار الشامل) تهيمن على موجات الأثير الأميركية، وتغيّر مبرر الحرب ليصبح "نشر الديمقراطية", كما أصبح مبرر الاستمرار فيها "الدفاع عن تلك الديمقراطية".

 

وغدا توجيه النقد إلى الانتخابات العراقية على الهواء زلة قدم لا يمكن التسامح معها ولا حتى السماح بوقوعها أصلا, وفي هذه الأجواء أعيدت الحياة فجأة إلى السياسيين والمحللين الذين ثبت كذبهم حول الأسلحة العراقية، كما انبعثت وسائل الإعلام ذات الانتشار الواسع لتتخذ من نفسها بوقا لتسويغ المبررات "الجاهزة" للتأييد الأعمى لما اصطلح على تسميته بتحرير العراق  كما لو كان كل شيء جرى على ما يرام منذ اللحظة الأولى وحتى الآن.

 

وفي غمرة هذه الفترة المتسمة بالتهنئة الذاتية المضللة التي تتولى وسائل الإعلام وأبواقها التسويغ لها، ها هم المقاتلون العراقيون يكثفون عملياتهم فيسقطون طائرة نقل عسكرية بريطانية وينصبون كمائن للقوات الأميركية ويهاجمون قوات الأمن العراقية.

 

في هذه الأثناء ركزت وسائل الإعلام على الأمن الذي عرفه العراق يوم الانتخابات واتخذت منه دليلا على أن إعطاء الفرصة للعراقيين في ممارسة حقهم الديمقراطي من شأنه أن يهزم المتمردين, لكن الحقيقة هي أن ما حدث يوم الاقتراع برهن على أن الجيش الأميركي بمقدوره توفير قوة هائلة في أي مكان وأي وقت.

 

فالوضع الذي عاشه العراق ذلك اليوم لم يكن وضعا طبيعيا مماثلا لما تعرفه المجتمعات الديمقراطية الحرة, إذ تميز بتطبيق قانون عرفي سهر عليه 300 ألف من قوات الأمن الذين أعطيت لهم أوامر بإطلاق النار عند أي شك, وهذا وضع غير قابل للاستمرار.

 

فالمتمردون قد عادوا بالفعل والانتخابات لم تنه الحرب ولا مثلت نقطة تحول في الحرب لصالح قوات الاحتلال الأميركي والحكومة العراقية التي ترعاها, بل مثلت تلك الانتخابات نقيض ذلك التصور, إذ كانت نهاية لأي ادعاء بالحفاظ على "عراق موحد" وفتحت الباب على مصراعيه للتدهور السريع لبلد باتجاه هاوية الموت والحرب الأهلية الشاملة.

 

"
تغيّر مبرر الحرب على العراق من أسطورة أسلحة الدمار الشامل ليصبح "نشر الديمقراطية", كما أصبح مبرر البقاء في البلاد هو "الدفاع عن تلك الديمقراطية"
"
لقد كان الرئيس بوش يتمنى أن تمثل الانتخابات في العراق نقطة تحول للتدخل الأميركي في ذلك البلد, غير أنه لا يمكن لسياسة بنيت على الكذب والخداع أن تنجح, فمبرر التدخل الأميركي في العراق هو فرية أسلحة الدمار الشامل، كما أن الفترة الانتقالية من سلطة احتلال إلى حكومة مؤقتة إلى انتخابات ديمقراطية اتسمت بالتزوير والخداع.

 

ويكفي المرء أن يعرف الدائرة المدنية الحقيقية لرئيس الوزراء العراقي المؤقت إياد علاوي -التي هي بكل أمانة لانغلي بولاية فرجينيا حيث المقر الرئيسي لوكالة المخابرات المركزية- ليعي أن ما يجري في العراق لا يسير في طريق الديمقراطية الحقة.

 

وينسى الكثيرون وهم يتحدثون عن خلق ظروف مواتية لسحب القوات الأميركية من العراق أن أميركا أنشأت 14 قاعدة عسكرية دائمة لها هناك، وأنها تنوي الحفاظ على 40 ألف جندي في العراق بصورة دائمة.

 

إن التدخل الأميركي في العراق تكريس لبعض ما جاء في أجندة المحافظين الجدد التي رسمت معالمها في الخطة المعروفة بإستراتجية الولايات المتحدة للأمن القومي التي تم تصورها في أواسط التسعينيات من القرن الماضي ونشرت في سبتمبر/أيلول 2002، ودعت أميركا إلى التدخل العسكري –من جانب واحد-  في الشرق الأوسط من أجل تحويل جذري في المنطقة تسقط عبره الأنظمة الإقطاعية المؤسسة على الدين وتستبدل بها أنظمة ديمقراطية على النهج الغربي.

 

فكلما سمع أحدكم الرئيس بوش يتحدث عن "زحف الحرية" فليعلم أنه استخدم أحد المبادئ التي قامت عليها الولايات المتحدة لتبرير حرب غير عادلة بنيت على الظلم والاحتلال غير الشرعي، وليتذكر أن هذه الإدارة ومؤيديها والصحافة التي تسير في فلكها تورطت في تحريف مصطلحات الديمقراطية والحرية وذلك بربط استخدامها بالأحداث المروعة التي تجري في العراق.

 

إن أقوى حجة عند المؤيدين لتلك الحرب هي قولهم "ماذا لو رأينا بعد خمس سنين حكومة عراقية ديمقراطية وحرة تستخدم كمنارة لتغيير ديمقراطي في كل دول الشرق الأوسط؟".


"
ما حققته انتخابات العراق بالفعل هو تعميق تخبط ذلك البلد في عدم الاستقرار وإغراق الولايات المتحدة أعمق فأعمق في المستنقع الذي صنعته بنفسها
"
لقد بدأت أفقد الأمل في تحقيق ذلك, إذ أعتقد أن مثل هذا التنظير يشبه تماما رب أسرة يقرر توفير التعليم الجامعي لأطفاله عن طريق رهن بيته ثم الذهاب إلى محال القمار لوضع نفسه تحت رحمة طاولة القمار, إذ لا يمكن أن تعتبر هذه خطة, بل هي خيال ووهم.

 

وكضابط استخبارات متمرس, فقد تعلمت منذ زمن بعيد أن الإنسان لا يمكنه أن يصوغ حلا لمشكلة ما لم يحدد بدقة طبيعتها. وأي حل لا يخضع لهذه القاعدة فهو كـ"لا حل على الإطلاق" لأنه فشل في التعامل مع المشكلة الحقيقية في الأصل.

 

وهذا بعبارة واحدة ما نواجهه في عراق ما بعد الانتخابات, إذ يريد كل واحد منا أن يعتبر تلك الانتخابات حلا لكل ما يشكو منه العراق دون تقييم حقيقي وصريح للمشكلة الحقيقية، ولو قيم بذلك لأدرك الناس أن ما حققته تلك الانتخابات بالفعل هو تعميق تخبط ذلك البلد في عدم الاستقرار وإغراق الولايات المتحدة أعمق فأعمق في المستنقع الذي صنعته بنفسها.
______________________
رئيس مفتشي أسلحة الدمار الشامل السابق في العراق

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة