كتابة التاريخ.. صناعة التاريخ   
الخميس 1429/3/28 هـ - الموافق 3/4/2008 م (آخر تحديث) الساعة 12:45 (مكة المكرمة)، 9:45 (غرينتش)
توجان فيصل


بشكل لافت للانتباه, شكلت ذكرى معركة الكرامة هذا العام مادة سياسية تحليلية لعدد من الكتاب الأردنيين المعتبرين, وليس فقط مادة احتفالية تملأ بالكليشيهات المعروفة.

وبغض النظر إن كان هنالك أثر لاعتراف بعض قادة الفصائل الفلسطينية بدور القوات المسلحة الأردنية في تحقيق النصر في تلك المعركة, على التشجيع على اعتراف مماثل من الطرف الأردني بدور الفدائيين فيه, فإن ما يتبدى بوضوح في التحليلات السياسية الأخيرة هو أمران، الأول الإحساس والتصريح بالخطر الصهيوني على الأردن وبما يرفض المزاعم الرسمية, لحينه, من أن اتفاقية وادي عربة قد حققت أمن الأردن.

والثاني أن الكتاب هذه المرة ينطلقون ليس فقط من إمكانية تحقيق النصر في معارك أخرى مع إسرائيل, بل مما يفهم منه وجوب, بل وحتمية, مثل هذا الاشتباك ولو بحدود الدعوة لاستعداد الجيش لاحتمالاته, بعد تغييب طويل للخيار العسكري لدرجة أن الكتاب كانوا يخشون من مجرد التطرق إليه بعد القيود التي فرضها إبرام اتفاقية وادي عربة!

"
التناقض بين الأردن والمشروع الصهيوني أعمق منه على جبهة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لكون المشروع الصهيوني قام بالأساس على إلغاء الأردن, وأن أخطر المشاريع ضد الأردن جاءت بعد وادي عربة
"
في شأن حال السلام مع إسرائيل, يجمع هؤلاء الكتاب على أن مخططات إسرائيل لتحويل الأردن إلى وطن بديل ظلت قائمة بعد اتفاقية وادي عربة وأن إسرائيل كانت ومازالت العدو رقم واحد للأردن, وأنها لا تتهدد أمنه وحسب وإنما تسعى لإزالة "كيانه".

وهم إذ يؤكدون أن" التناقض بين الأردن والمشروع الصهيوني أعمق منه على جبهة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لكون المشروع الصهيوني قام بالأساس على إلغاء الأردن", وأن "أخطر المشاريع ضد الأردن جاءت بعد وادي عربة"، حسب الكاتب من أصل فلسطيني فهد الخيطان.

وأن الخطة الشارونية "لاجتياح" الأردن وإقامة الوطن البديل كانت وما زالت "على سطح المكتب الإستراتيجي الإسرائيلي", وأن "الجنرالات الإسرائيليين ينتظرون الإذن الأميركي بالتفاوض على المسار السوري–اللبناني لإقفال الجبهة الشمالية الصعبة والتفرغ للجبهة الفلسطينية-الأردنية"، حسب الكاتب من أصل أردني ناهض حتر.

أما الحديث عن المواجهة وغلبة فرص تكرار مثل هذا النصر, فرغم إشارة الكتاب إلى قدرات الجيش الأردني وكونه "أفضل مؤسسات الدولة الأردنية وأكثرها انضباطية وفعالية", وهو ما يجمع عليه الشارع الأردني, لا يفوتهم أن ذلك الجيش لم يستعمل قدراته القتالية منذ العام 1973.. ومع ذلك هم واثقون من النصر, فكيف يتأتى ذلك؟

الأمر الجديد والهام الذي نلمسه هنا, ورغم حالة التشرذم والتناحر الرسمي العربي مجسدة بما يجري الآن "للقمة العربية" وما يرافقه من تشرذم وتناحر داخل الأقطار نفسها في تنفيذ لمؤامرات تقسيم وتشظية المقسم والمفتت, إن موقف وروحية الشارع تختلف تماما.

ومصدر هذا التحول الكبير في موقف الشارع, بشكل رئيسي, هو انتصارات المقاومة اللبنانية المتتالية على العدو الصهيوني, والوعود بمزيد منها والتي أطلقها السيد حسن نصر الله الذي يتمتع بمصداقية عالية لدى الجماهير العربية.

والثقة والأمل هنا ليسا انجرارا وراء شعارات ووعود طنانة, مما سيبادر مروجو الحلول الاستسلامية إلى اتهام المتفائلين به متسلحين بهزيمة مصر عبد الناصر عام 1967 وسقوط عراق صدام في غضون أيام عام 2003 لمحو آثار كامل الانتصارات العربية.

فالرؤية الإستراتيجية هذه المرة واضحة لدى الشعوب, وتبنى على تجارب ناجحة على الأرض وظفت فيها أساليب حرب العصابات, مدعمة بقدرات جيش نظامي كما حدث في معركة الكرامة (وحرب السويس وإن فات ذكرها كتاب هذه المقالات) وحرب تحرير جنوب لبنان وحرب تشرين, أو في حرب عصابات منفردة حيث غاب الظهير الحربي النظامي كما في حرب تموز عام 2006, وفي الانتصارات النسبية التي حققتها المقاومة العراقية والمقاومة الفلسطينية لحينه.. مدعومة بقناعة تقول بتوحد كل هذه المسارات النضالية دون اعتبار للمواقف الرسمية العربية, أو بالأحرى في رفض لتلك المواقف ما لم تكن في خندق الممانعة وحتى المواجهة.

فما استعادته المقالات والتحليلات الأخيرة لإمكانية تكرار نصر"الكرامة" لم يقف عند حقيقة أن النصر في تلك المعركة تحقق من توحد جهود الجيش العربي (الأردني) والفدائيين الفلسطينيين, بل هي عزت الأسباب التي منعت إسرائيل من المضي في مخططها تجاه الأردن وكان آخرها معداً للعام 2003 فور احتلال العراق, إلى الانطلاق العاجل للمقاومة العراقية من جهة, ومن جهة أخرى لكون "الخطر الإسرائيلي تراجع نسبيا" بفضل الهزيمة التي ألحقها حزب الله بالجيش الإسرائيلي وأسقط أسطورته وأظهر حقيقة الحالة التي آل إليها.

"
يأسف أحد الكتاب لتفويت الأردن فرصة المشاركة في حرب تشرين 1973 على الجبهة الأردنية, حيث كان يمكن أن تحرر بعض الأراضي المحتلة, مما كان سيجنبنا خسارة "وحدة المملكة"
"
وقد عزز هذا الثقة لدى الأردنيين بإمكانية أن يحقق الجيش الأردني انتصارات أخرى على الجيش الإسرائيلي الذي سبق أن انتصر عليه حين كان في أوج قوته.

بل إن أحد الكتاب (حتر) يأسف لتفويت الأردن فرصة المشاركة في حرب تشرين عام 1973 على الجبهة الأردنية, حيث كان يمكن أن تحرر بعض الأراضي المحتلة, بما كان سيجنبنا -حسب الكاتب- خسارة "وحدة المملكة".

ويورد الكاتب كل ما أضر بتلك الوحدة متمنيا لو أنه لم يحدث, من قرارات قمة الرباط عام 1974, و"المآسي اللاحقة من الصراع بين عمان والمنظمة على تمثيل المقعد الفلسطيني في المفاوضات", وقرار فك الارتباط عام 1988, وأوسلو ووادي عربة" وما تلاهما من انهيار موازين القوى على الجبهة الأردنية-الفلسطينية مع إسرائيل"!

ولكن, ورغم هذه المغادرة النسبية للتخندق الإقليمي, ورغم الحس المتنامي بضرورة الإفادة من أخطاء الماضي والتوحد مع كل قوى الصمود والمقاومة في العالم العربي للتصدي للخطر الصهيوني الذي لم يكلفنا "وحدة المملكة" فقط بل يهدد بإزالتها تماما ليس فقط لصالح الوطن البديل, بل ما هو أسوأ وهو إلحاق الكيان الجديد بإسرائيل حسب "سناريوهات البنيلوكس الثلاثي: الكونفدرالية الإسرائيلية-الأردنية- الفلسطينية", والتي نبه منها كاتب آخر من أصول أردنية هو موفق محادين.

رغم هذا كله يظل من بين أهم ما يعيق هذه الدعوات للتصدي لهذا الخطر هو أن تاريخ الأردن الحقيقي شبه مغيب, وحتى مقالات "الصحوة" هذه تنقصها دقة الحقيقة التاريخية, أو بالأحرى" التأريخية" اللازمة للمعرفة.

فالمعرفة هي أساس الفعل.. ولا مجال للإفادة الكاملة من دروس الماضي ما لم يوثق مجرياته تأريخ دقيق محايد. ولهذا يستوقفنا في مقالة السيد حتر طريقة إيراده لأحداث سبقت قرار القمة العربية عام 1974, ولأحداث العام 1970 نفسه الذي يضعه الكاتب عاما لنهاية ما يسميه "حرب الاستنزاف الأردنية والمصرية" لإسرائيل -في ربط تاريخي غير دقيق- بقبول كليهما لمبادرة روجرز, مع أن العام 1970 اتسم بأحداث في شأن الصراع مع إسرائيل والعلاقة بالفلسطينيين مفصلية بما يفوق كثيرا تلك المبادرة, لم يشر إليها إلا بصيغة مواربة.

هذا الوضع لم يؤسس له هؤلاء الكتاب, بل هم حاولوا التمرد عليه ولكن بشكل مجزوء. فالأردنيون ممنوعون من كتابة تاريخهم ليومنا هذا، مع أنهم الوحيدون القادرون على رواية ما حدث فعلا، لأن تلك الكتابة تعد فعلا سياسيا يحتاج إلى إذن رسمي, مثله مثل الاجتماعات العامة التي تخوض في "كلام" عن أحداث سياسية لن يدخل التاريخ والوعي الشعبي منها ما لم يستند لحقائق هو أيضا.

في المقابل ما يسمى "بالتأريخ" في الأردن جله نصوص مستكتبة كالخطابات, التي في أفضل أحوالها تقفز تماما عن أحداث ومراحل بعينها.

ومثال دقيق على هذا نجده في المقدمة المطولة لما صدر تحت اسم "الميثاق الوطني" عام 1992 (مع أن هذا اسم لوثيقة سابقة صدرت عن مؤتمر وطني شعبي عام 1928 ما يجعل التسمية نفسها تمس بالصدقية التاريخية).

وهي مقدمة عرضت لتاريخ المملكة كله, ومع ذلك تم القفز فيها عن أكثر من عقد من هذا التاريخ زخر بالأحداث المفصلية, باختصارها في بضع جمل مواربة.

وفي محاولة "تأريخية" صرفة اتسمت هي أيضا بمحاولة مغادرة التخندق, الرسمي هذه المرة (كون المؤرخ هنا كان مقبولا من الدولة لحينه), وبذات الطريقة المجزوءة التي غيبت الكثير من الحقائق, وساوت فيما عرضته من أحداث حقيقية بينها وبين النسخة الرسمية لها بإخضاعهما لمعيار "التقية" الشهير الذي يقول "بجواز الحالين".

جاء كتاب الدكتور علي محافظة "الديمقراطية المقيدة" مقيدا ومجزوءا بمثل ما كانت تلك الديمقراطية عند كتابته. ولكن احتفال المثقفين والسياسيين به كان كبيرا كاحتفالنا الآن بهذه المقالات التي تناولت معركة الكرامة في تجسير لأكثر من شرخ ليس أقله ما أقيم بين ماضي معركتنا مع العدو وحاضرها, سعيا إلى رسم مستقبلها.

"
وحدهم المؤرخون الغربيون كانوا وما زالوا أحرارا لا يحاسبون, بل وتفتح لهم كل السجلات وبعضهم يستقبل من كبار المسؤولين كما لو كانوا رجال دولة, ما يجعلهم -للأسف- أقرب مصدر للدقة لمعرفة تاريخنا
"
ولا نلوم زملاءنا الكتاب في كل هذه الحالات. فالمؤرخون العرب لم يحفلوا بنا كثيرا, ربما في استصغار لدورنا بني على صغر حجمنا الجغرافي والديمغرافي والاقتصادي.. رغم الأهمية الكبرى لدورنا الإستراتيجي في أهم قضية مفصلية في تاريخ الأمة.

أو ربما تحاشانا بعض المؤرخين العرب درءا لتحميل "التأريخ" تداعيات سياسية لنزاعات آنية كانت وحدها المسيطرة على ساحة الفعل العربي, مما قزمه في أكثر من شأن وليس في شأن التأريخ وحده.

وحدهم المؤرخون الغربيون كانوا وما زالوا أحرارا لا يحاسبون, بل وتفتح لهم كل السجلات وبعضهم يستقبل من كبار المسؤولين كما لو كانوا رجال دولة, ما يجعلهم -للأسف- أقرب مصدر للدقة لمعرفة تاريخنا.

فهم قد لا يحرفون الحقائق حفاظا على مكانتهم العلمية, ولكن بعضهم يلجأ أيضا للقفز عما لا يريد التورط بالكذب بشأنه, وهو ما فعله, مثلا, المؤرخ اليهودي- الأميركي روبرت ساتلوف, في كتابة "من عبد الله إلى حسين".

والنتيجة أن أشخاصا ذوي أجندات خاصة, كساتلوف, قرروا في النهاية, "كتابة" تاريخ الأردن, بمعنى صياغة مستقبله وليس فقط تدوين ما مر به من أحداث.. ولهذا نجد السيناريو التفصيلي الذي اقترحه ساتلوف ونبه منه -في مقال مزامن للمقالات حول معركة الكرامة- الكاتب محادين.

وسيناريو ساتلوف يحمل عنوان "الضفة الشرقية متاعب ومشكلات: الأردن بعد رحيل الملك حسين". واقتبس من مقالة محادين قوله إن ساتلوف "يدعو من خلال الخصخصة وسياسات البنك الدولي لإحداث تعديلات جوهرية على النظام السياسي والاجتماعي في الأردن لدمج تاريخي وفعال للاجئين الفلسطينيين من خلال سيناريوهات البينلوكس الثلاثي التي تفتح الباب, كما يعتقد, لتحولات كبيرة في الشرق الأوسط"!

أخطار حثيثة ولحظة تاريخية تحتاج لصحوة ومراجعة أشمل, سنأتي لها في مقالات قادمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة